آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

عملية “الدهس″ في القدس المحتلة رسالة مزدوجة إلى ترامب ونتنياهو معا ..

 

عبد الباري عطوان ..
الحديث عن السلام والمفاوضات والمرونة والتنازلات لا يجذب الاهتمام للقضية الفلسطينية، ولا للسياسات الاستيطانية المتغولة في الأراضي المحتلة، لكن الأمر المؤكد أن عملية الدهس التي وقعت في مستوطنة يهودية جنوب القدس المحتلة، وادت إلى مقتل أربعة جنود إسرائيليين، وإصابة 15 آخرين على الأقل، حسب المعلومات الأولية، ستكسر هذه القاعدة التي ترسخت في الفترة الأخيرة، وجعلت القضية الفلسطينية تتراجع إلى ذيل الاهتمامات العربية والعالمية، ودفعت بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء، وأركان حكومته المتطرفة، لتصعيد تشددهم وإرهابهم، واحتقارهم لعملية السلام، بل وللعرب والمسلمين أيضا.

منفذ العملية الهجومية، الشاب فادي القنبر، ابن القدس المحتلة، لم يهبط إلى مستوى الجيش “الحضاري” الإسرائيلي، وأخلاقياته المتدنية، في قتل المدنيين، والأطفال خاصة، مثلما فعل هذا الجيش في الحرب على غزة، والإعدامات الميدانية لحملة السكاكين والحجارة في المدينة المقدسة من الشبان والشابات، وأطلق النار بدم بارد ممزوج بالحقد على شاب ينزف للإجهاز عليه أمام عدسات العالم بأسره، وإنما استهدف جنودا إسرائيليين مدججين بالأسلحة، وهو الأعزل، إلا من الإيمان بقضيته وعدالتها، ودماء الشجاعة والإقدام المغروسة في جيناته.
 
***
لم نستغرب مسارعة نتنياهو إلى الربط بين عملية الدهس هذه ونظيراتها في نيس وبرلين اللتين نفذهما شابين مسلمين تونسيين ينتميان إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” وبتوجيه منها، وذهابه إلى حد القول بأن هذا الشاب جندي من جنود أبو بكر البغدادي، تماما مثلما فعلت حكومته بربط الفلسطينيين بهجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي نفذتها خلية تابعة لتنظيم “القاعدة”، وتصوير دولة الاحتلال الإسرائيلي بأنها مهددة بالإرهاب، وهي أكبر دولة إرهابية في العالم بأسره.

ما يعلمه نتنياهو جيدا أن لجوء شبان فلسطينيين إلى أعمال الدهس كأسلوب لمقاومة الاحتلال، وفي مدينة القدس المحتلة تحديدا، بدأت قبل سنوات من ظهور تنظيم “القاعدة”، وعقود من تنظيم “الدولة الإسلامية”، التي لا يزيد عمرها عن بضعة أعوام، ولا نستبعد أن تكون عناصرها وقيادتها قد تبنت هذا النهج اقتداء بأهل الأراضي المحتلة، الذين استخدموا الجرافات والشاحنات بعد أن طفح كيلهم من اذلال الاحتلال.

وحتى لو ثبت أن هذا الشاب ينتمي فعلا إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” فإن بنيامين نتنياهو واليمين الإسرائيلي العنصري المتطرف هو الذي دفعه للإقدام على هذه الخطوة عندما قتل عملية السلام، ودمر حل الدولتين، وزرع حوالي 800 ألف مستوطن في الضفة والقدس المحتلين، وهوّد المدينة المقدسة، وقسم الحرم الإبراهيمي، ومارس أبشع أنواع الإرهاب والمهانة والاذلال بالشعب الفلسطيني.
***
كان منظر الجنود الإسرائيليين، الذين ينتمون إلى الجيش الذي لا يقهر، مثيرا للشفقة والازدراء والشماتة، وهم يهربون من المكان بالعشرات بأسلحتهم في حالة من الهلع والرعب، للنجاة بأرواحهم.

كم كنا نتمنى لو أن الجنرالات العرب شاهدوا هذا المنظر الموثق بالصوت والصورة على قناة الـ”يوتيوب”، لعلهم يتخلصون من عقدة الخوف والرهبة من هذا الجيش، ويتحلون بشجاعة الشبان والشابات الفلسطينيات العزل في بلد الرباط.

هذه العملية رسالة إلى دونالد ترامب الذي يستعد لتولي الرئاسة الأمريكية، ويهدد سفيره المتطرف الذي عينه في تل أبيب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة “العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل”، مثلما ذكر في أول تصريح بعد تعيينه في منصبه الجديد، ومضمون هذه الرسالة تقول بأن الإقدام على هذه الخطوة سيفتح أبواب الجحيم في منطقة الشرق الأوسط، أما الشق الثاني من هذه “العملية الرسالة” فهو موجه إلى نتنياهو وحكومته ومستوطنيه، تؤكد بأن الشعب الفلسطيني لن يستسلم، ولن يعترف بدولة الاحتلال دولة يهودية، ولن يتنازل مطلقا عن القدس، أو أي شبر من أرض فلسطين التاريخية.

من يقتل الاعتدال وقيم العدالة والتعايش لن يحصد غير التطرف والمقاومة بأشكالها كافة.. وأمة فيها هذا الشعب العظيم لن تهزم أبدا.. والأيام بيننا.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2017/01/09

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد