آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الله بن ربيعان
عن الكاتب :
كاتب سعودي متخصص بالشؤون الاقتصادية

سؤال في السعودية: ماذا نصدّر ؟


عبدالله بن ربيعان ..

يكمن قيمة البلد النامي في عالم اليوم في حجم تجارته الدولية وفي مقدار ما يحصل عليه من عملة صعبة يجنيها من صادراته لينفقها على استيراده ويصرف منها على تنميته ويدعم احتياطاته واستقرار صرف عملته الوطنية. ولذا فإن أولى الأهداف الاقتصادية وأهمها لأي بلد نامٍ هي كيفية زيادة حجم تجارته الخارجية.

وللمثال فالصين تجاوزت تجارتها الخارجية 4.5 تريليون دولار، وكوريا الجنوبية حققت تجارتها الخارجية تريليون دولار في 2012 وتخطط لمضاعفتها إلى تريليوني دولار في 2020، وتركيا تعد بإيصال حجم تجارتها الخارجية إلى تريليون دولار في 2023 (سنة الاحتفال بمئوية إعلان أتاتورك قيام جمهورية تركيا)، وهلم جرا.وعلى رغم أن بعض البلدان نجح من خلال قطاع الخدمات في استجلاب العملة الصعبة عبر تنامي عدد الزوار أو السياح أو مسافري الترانزيت مثل دبي وهونغ كونغ وسنغافورة، إلا أنها تجارب محدودة لمدن صغيرة قد لا تصلح للتطبيق في غير الظروف والأماكن التي نشأت فيها.

في السعودية، خدم النفط الخام ومنذ ما يزيد على 60 سنة البلد وجنبه صداع الإجابة على السؤال المهم: ماذا نصدر؟ فالنفط هو الصادرات وهو مصدر العملة الصعبة وهو الرافع والخافض للميزان التجاري في حالتي ارتفاع سعره وانخفاضه، وهو مصدر الإنفاق على التنمية، وعائداته هي المحرك لنمو القطاع الخاص وزيادة التوظيف، وفوائضه احتياطات تدعم استقرار العملة وتؤمن حاجة البلد من السيولة عند وجود أي عجز.

لكن مع التحول الاقتصادي الذي تشهده السعودية اليوم، لا بد من إعادة طرح السؤال: ماذا نصدر؟ فإجابة السؤال هي مفتاح حل اللغز الاقتصادي والتنموي اليوم. وعلى رغم أن «رؤية السعودية 2030» نصت على «رفع نسبة الصادرات غير النفطية من 16 إلى 50 في المئة على الأقل من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي»، إلا أن المتتبع لمجريات الأمور منذ إطلاق الرؤية و «برنامج التحول الوطني 2020» يجد أن السؤال المهم ما زال منسياً ولم يطرح للنقاش بعد.

بالعودة إلى صادرات السعودية، نجد أن النفط الخام يشكل 84 في المئة، فيما تشكل بقية الصادرات غير النفطية 16 في المئة فقط. والأخيرة تشكل نحو نصفها البتروكيماويات المرتبطة بالنفط، وللأسف أن البتروكيماويات ما زالت تصدر كمواد خام على رغم طول فترة الإنتاج والدعم الذي حصلت عليه شركاتها وعلى رأسها «سابك»، ما يجعلها تتبع النفط صعوداً وهبوطاً، ولا يمكن التعويل عليها لتحقيق عائدات مستقرة وهي في الشكل المذكور.

تبقى ثمانية في المئة من الصادرات غير النفطية للسلع الأخرى التي ليست نفطاً ولا ترتبط بالنفط مثل البتروكيماويات، وأبرزها المعادن والتمور والحليب واللبن والبلاط والسخانات والأفياش والقواطع الكهربائية وبعض المنتجات البسيطة الأخرى. وهذه المنتجات تلحظ عليها أمور كثيرة. أولها، أن كميات تصديرها لم تزد وبقيت تراوح حول النسبة نفسها لما يربو على 12 عاماً (كانت ستة في المئة في 2002 وارتفعت إلى ثمانية في المئة في 2014).

الثاني، أن أسعار غالبية هذه الصادرات دون المتوسط العالمي لسعر الوحدة والكمية. والثالث، أن المحتوى التقني في الصادرات السعودية غير البتروكيماوية منخفض جداً. والملاحظتان الأخيرتان عائدتان لأن هذه السلع تصدر كسلع أولية بسيطة لا تحمل أي قيمة مضافة، كما أن الأسواق المجاورة التي تصدر لها هذه السلع قوتها الشرائية ضعيفة (ما عدا دول الخليج) ما يجعلها دون سعر المتوسط العالمي لمثيلاتها.

في المقابل، سيحد رفع الدعم عن الطاقة وبيعها في السوق المحلية بأسعارها العالمية من قدرة السعودية على اجتذاب شركات أجنبية عالمية كبيرة تنتج وتصنع داخل السوق السعودية، فإغراء أسعار الطاقة الرخيصة لم يعد موجوداً، وعلى هيئة الاستثمار الأجنبي مضاعفة الجهود والبحث عن إغراء آخر تستطيع من خلاله إقناع المستثمر الأجنبي لبدء نشاطه داخل المملكة.

ختاماً، يلاحظ أن النقاش والخلاف والأخذ والرد في السعودية اليوم تشمل كل العوامل الاقتصادية والاجتماعية بدءاً من طرح «أرامكو السعودية» وتخصيصها جزئياً ثم بتسنم سيدات لمناصب بارزة في المصارف وبعض شركات القطاع الخاص ومروراً بغرق الشوارع في المدن بسبب الأمطار، وانتهاءً بما تقدمه هيئة الترفيه من نشاطات يتفق معها البعض ويعارضها البعض الآخر.

إلا أن السؤال المهم «ماذا نصدر؟» ما زال الغائب الأكبر عن الأسئلة والجدل والنقاش، ومثله جدير بألا ينسى، فمن طرحه يبدأ التفكير ومن الإجابة عليه يبدأ التخطيط والتنفيذ للتنمية، وما بين السؤال والإجابة يكمن مستقبل البلد وتقدم مؤشراته ورفاهية أجياله.

*   أكاديمي مختص في الاقتصاد والمالية
صحيفة الحياة

أضيف بتاريخ :2017/02/24

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد