آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
جيمس زغبي
عن الكاتب :
أكاديمي أمريكي من أصل لبناني و مؤسس و مدير المعهد العربي الأمريكي. كان يقدم البرنامج الأسبوعي فيوبوينت الذي بثه تلفزيون أبوظبي.

أوامر ترامب التنفيذية تهديد وجودي لأميركا


د. جيمس زغبي ..

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً معدّلاً، يضع قيوداً على الهجرة من ست دول إسلامية، ويقلِّص برنامج اللاجئين الأميركي إلى النصف. ويشمل الأمر تغييرات مهمة؛ فهو مكتوب بعناية ويرفع اسم العراق من القائمة، كما يستثني من يحملون بطاقات خضراء أو تأشيرات دخول سارية. ومع ذلك، يظل هذا الأمر التنفيذي يشكل هجوماً خطيراً وظالماً وتعسّفياً، وينطوي على التعصب ضد المسلمين وضد فكرة انفتاح أميركا.

ويستند الأمر التنفيذي المعدّل على أساس زائف بأنه مصمم لحماية الأميركيين من الإرهابيين الأجانب.

وحاول أكثر من وزير في إدارة ترامب تسويغ هذا الأمر التنفيذي؛ فمثلاً، أشار النائب العام إلى حالة صومالي أميركي أُدين بالتخطيط لهجوم إرهابي عام 2014، وزعم أن مكتب التحقيقات الفدرالي يقوم حالياً بالتحقيق مع 300 لاجئ للاشتباه بعلاقتهم بنشاطات إرهابية محتملة.

وربما كانت حالة الصومالي الأميركي هي الوحيدة للاجئ سابق من إحدى ست دول، سعت للانخراط في الإرهاب. وفي ظل هوس إدارة ترامب بـ«الحقائق البديلة»، أما مسألة التحقيق مع ثلاثمئة شخص فلا تزال بحاجة إلى التأكيد من مصدر مستقل.

وفي الواقع، أصدرت وزارة الأمن الداخلي قبل أيام على صدور الأمر التنفيذي، دراسة؛ خلصت إلى أن المهاجرين عموماً، لا يمثلون تهديداً أمنياً، لا سيما أن معظم جرائم الإرهاب المسجلة ارتكبها أفراد أصبحوا متطرفين بعد أن عاشوا في الولايات المتحدة، وأن «بلد المنشأ ليس مؤشراً موثوقاً على احتمال اللجوء إلى النشاط الإرهابي».

كبش فداء

وفي حين إن المهاجرين واللاجئين من الدول الست المشمولة في الحظر ليسوا مسؤولين عن الإرهاب في الولايات المتحدة، إلا أن ذلك لم يوقف الناطقين باسم الإدارة من استخدامهم ككبش فداء ولتبرير سياساتهم. فالأمر التنفيذي ذاته مصمم لأن يجعل من المسلمين «بعبعاً» لكسب التأييد لجهود ترامب لتغيير قوانين الهجرة، تماماً مثل «بعبع» المغتصب ومروّج المخدِّرات المكسيكي؛ بهدف كسب التأييد لبناء الجدار والطرد الجماعي للمهاجرين من المكسيك، وكذا يتم استخدام الإرهابيين المسلمين للنيل من برنامج اللاجئين والحدّ من دخول «غير المرغوب فيهم» من شمال أفريقيا وجنوب وجنوب غرب آسيا.

جادل البعض بأن ذلك هو البديل لتعهّد ترامب بفرض حظر عام على دخول المسلمين. وقد يكون الأمر كذلك، خاصة أن الأمر التنفيذي ينص على أن المزيد من الدول قد يضاف إلى قائمة الحظر مستقبلاً، مع تلميح الناطق باسم الإدارة إلى أن العدد قد يصل إلى 13 أو 14 دولة أخرى.

اختبار إيديولوجي

ويتضمن الأمر كذلك، التطرّق إلى اختبار إيديولوجي للداخلين إلى الولايات المتحدة من العرب، بمن فيهم المواطنون الأميركيون. وبالفعل، فقد تم الكشف عن محتويات أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة لبعضهم في المطارات الأميركية، وسُئلوا عن آرائهم تجاه حرب العراق، وما إذا كانوا يدعمون إسرائيل، وآرائهم تجاه الرئيس الأميركي ومعتقداتهم الدينية.

لقد حذّر ترامب مبكراً أثناء حملته الانتخابية من خطر اللاجئين، قائلاً: «نحن لا نعرف من هم هؤلاء الناس»، ولكن مجموعات إيواء اللاجئين التابعة في معظمها للكنائس الرئيسية ردّت عليه بقوة، وقدمت الأدلة على عدم صحة افتراضاته، لكن ترامب ظل يوظِّف مشاعر الخوف من المهاجرين إلى درجة إصدار الأوامر بتجميد دخول اللاجئين لمدة 120 يوماً، الأمر الذي يقلّص عدد اللاجئين المسموح لهم بالدخول إلى الأراضي الأميركية من 110 آلاف شخص إلى 50 ألفاً فقط.

وهذا أمر غير معقول، خاصة أن هناك من اللاجئين من يعيش ظروفاً تشكّل تهديداً لحياته، ومنهم من خاطر بكل شيء على أمل الحصول على فرصة لإيجاد مكان آمن له ولأسرته. وهؤلاء أناس في غاية الضعف ولا يليق الترويج للخوف على حسابهم.
أما مهندسو هذه السياسات، فهم مجموعة من المستشارين المتطرّفين قومياً الذين يجادلون بأن أميركا تواجه التهديد من الأجانب، خصوصاً المسلمين وذوي الأصول اللاتينية؛ ولذلك يجب اتخاذ الخطوات اللازمة «لإنقاذ أميركا»!

موجة جديدة

فهذه الفئة من مروّجي الخوف من الأجانب اليوم هي ذاتها التي حرّضت ضد اليهود والكاثوليك والأوروبيين الشرقيين والصينيين، وكل موجة جديدة من موجات المهاجرين إلى الولايات المتحدة. فهم الذين وقفوا في الماضي ضد المهاجرين الأيرلنديين والآسيويين والمكسيكيين الأميركيين والطليان وارتكبوا عنف العصابات ضد الأوروبيين الشرقيين، وأيّدوا عزل اليابانيين، وتصدّوا لمحاولات منح الأفارقة الأميركيين حقوقاً متساوية مع الآخرين.

ولكن فكرة أميركا أكبر مما يخطط له ناشرو الخوف من الأجانب؛ ولذلك فإنهم يخسرون المرة تلو الأخرى، والحمد لله أن يحدث ذلك، لأن أحداً لا يمكنه تخيّل شكل أميركا لو أنهم يكسبون؟!

وهذه الإدارة لم تتعلم دروس التاريخ، ولذلك تحاول بشكل متكرر، فرض سياسات عزل. فهم يريدون بناء الجدران ويأمرون بعمليات إبعاد جماعية (للمهاجرين) ويصدرون الأوامر التنفيذية القائمة على التعصّب. ولكن بعد أن يقال كل شيء وبعد عمل كل شيء، لا بد من القول إنه ليس اللاجئون ولا ذوو الأصول اللاتينية ولا المسلمون هم من يشكّلون خطراً وجودياً على فكرة أميركا.. بل هذه الإدارة وسياساتها هي مصدر الخطر.

جريدة القبس الكويتية

أضيف بتاريخ :2017/03/15

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد