تطبيق صحيفة خبير

قصة وحدث

قصة وحدث: الدماء النازفة على أرض ’قانا’

 

محمد عبدالعظيم ..

العام 1996، المقاومة الإسلامية تقض مضاجع الكيان الصهيوني بانتصاراتها المتكررة على أسطورة جيش الاحتلال الذي كان يزعم أنه لا يقهر، بدى المشهد واضحا لدى المستوطنين الصهاينة أن حكومتهم بدأت تضعف في حمايتهم، وكان شمعون بيريز رئيس وزراء الاحتلال آنذاك في وضع محرج خصوصا مع مرحلة الانتخابات الرئاسية وارتفاع أسهم حزب "الليكود" والتي كان مرشحها بنيامين نتنياهو بالإضافة إلى منظومة "حزب الله" التي كانت تشكل خطرا على مستوطني شمال فلسطين.

 

استفزاز لإعلان العدوان..

وفي 30 من مارس من ذات العام، قام جيش الاحتلال بإلقاء قذيفة أدت لاستشهاد مواطنين اثنين في بلدة يافر بلبنان ليرد حزب الله بإطلاق 20 صاروخا على مستوطنات الشمال ليعلن الجيش الإسرائيلي بعد الهجوم الصاروخي بأن الهجوم وقع بالخطأ، لتنفجر قنبلة إسرائيلية في طفل لبناني ليسقط شهيداً بالإضافة إلى إصابة ثلاثة آخرين ليرد الحزب مجددا بإطلاق 30 صاروخا على شمال المناطق المحتلة من قبل الكيان في التاسع من أبريل.

عند ذاك وعلى وقع استفزاز الكيان الصهيوني وإيجاد حجة بعد حصول ضوء أخضر من الولايات المتحدة ودول عربية بالهجوم على "حزب الله" أعلن المسؤولون الإسرائيليون عن عملية أطلقوا عليها "عناقيد الغضب" مدعين فيها أنه عمل وقائي انتقامي لجرح ستة مستوطنين في قصف صاروخي لـ "حزب الله".

وما إن أعلن الكيان الصهيوني عن عمليته المتغطرسة والعنجهية حتى ظهر أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطاب يتوعد الكيان الصهيوني بالرد على أي هجوم تقوم به القوات الإسرائيلية بقصف المستوطنات الشمالية معبرا عن رفضه لمعادلة "بيروت مقابل كريات شمونة"

 

لبنان في مرمى طائرات "عناقيد الغضب" والمقاومة ترد..

بدأت الطائرات الصهيونية تصب جام غضبها على البلدات والمدن اللبنانية وبالأخص مدينة بعلبك وبلدات سجد والريحان وجبل الرفيع محاولة بذلك القضاء على صورايخ المقاومة وقاذفات "الكاتيوشا" التي يمتلكها "حزب الله"، لكن لم يكن هناك صمت قبل الحزب فكان الرد يأتي حاسما وصاعقا على شمال فلسطين المحتلة مستهدفين المستوطنات الشمالية.

كانت هجمات العدو الإسرائيلي تكون مصحوبة بنداءات من خلال الإذاعة تحث المدنيين على ترك منازلهم لكي لا تستهدفهم القذائف حتى فر العديد من منازلهم في بعض المناطق، كما كان يفعل "حزب الله" المثل حيث يعلن عن استهدافه للمستوطنات الشمالية ويحث السكان على الهرب حتى هرب نحو 300 ألف مستوطن من منطقة الحدود الشمالية.

كان الشك يعتري الشارع الصهيوني في بداية حرب حكومته وجيشه على لبنان وبالخصوص النخبة الإعلامية على قدرة الجيش الصهيوني لتحقيق انجاز ما خصوصا بعد هزيمته في عدوانه في يوليو 1993 والذي كانت له انعكاسات سلبية على الصعيد الشعبي داخل كيان الاحتلال.

ومع تواجد هذا الشك واصل جيش الاحتلال قصفه للمناطق اللبنانية حتى بدأ بمحاصرة موانئ بيروت وصيدا وصور في الثالث عشر من أبريل، لتهاجم محطتي طاقة كهربائية في ال 14 و15 من أبريل.

كان الصمت مطبقا من قبل الدول العربية والعالم حيال ما يجري في لبنان من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي خصوصا وأن أمريكا ترعى مصالح الكيان في المنطقة، وحتى مع تقديم لبنان شكوى عاجلة ضد الكيان في مجلس الأمن الدولي  لم يوجد أي قرار يدين الاعتداءات بسبب الجهود الدبلوماسية التي بذلتها أمريكا وبريطانيا والكيان الإسرائيلي لمنع ذلك.

وصَعّدت إسرائيل من هجماتها على لبنان وأغارت على قلب مدينة صور، في الوقت الذي واصل فيه "حزب الله" قصف شمال إسرائيل بالكاتيوشا ملحقاً أضراراً جسيمة بالشمال الإسرائيلي.

وبات من اللازم مع تصاعد القصف على جنوب لبنان النزوح بالعائلات إلى بيروت ولجوء اللبنانيين الجنوبيين إلى الأماكن التي يمكن أن تحميهم من آلة الحرب الإسرائيلية.

 

قانا تنزف الدماء..

الثامن عشر من أبريل 1996، أهالي بلدات: قانا، جبال البطم، صديقين، رشكنانيه، حاريص، والقّلَيلة يستعدون للنزوح من منازلهم مع تصاعد شدة القصف من قبل كيان الاحتلال والتي كانت تسقط كرش المطر على المدنيين.

ظن أهالي محافظة صور أن الكيان الإسرائيلي سوف لن يستهدف مراكز قوات الطوارئ المتواجدة على أرض لبنان وذلك احتراما لعلم الأمم المتحدة، فسارعوا إلى اللجوء موقع الأمم المتحدة المتواجد في بلدة قانا.

الساعة الثانية ظهرا، بينما كان الأهالي محتمين في مباني الموقع التابع للأمم المتحدة ويتلقون التغذية والحماية من قبل قوات "اليونيفيل"، تجهزت المدفعيات الإسرائيلية القابعة على الحدود اللبنانية الفلسطينية بقذائف من عيار 155 ملم ، وعندما حان الوقت، حينها أطلقت على الموقع 17 قذيفة ممتالية.

سقطت القذائف على المباني وبعضها انفجر قبيل سقوطها، المباني تهدمت بفعل الانفجارات المتتالية ساقطة على الأهالي القابعين تحت سقف ملاجئ.

أجساد تقطعت إلى أشلاء وأطفال قتلوا لما أصابتهم من شظايا، سيدة فقدت رأسها على وقع القذيفة الأولى، برك من الدماء سالت،، عائلات مذعورة من هول المصيبة، هناك من يبحث عن طفله وامرأة تبكي طفلها الرضيع، وكهل فقد عائلته كلها..

جنود ومدنيون مذهلون من هول المصيبة ، لا أحد يعلم ما جرى أهو إعصار أم زلزال ،، وفرق الإسعاف تتسارع إلى موقع الأمم المتحدة لنقل المصابين والجرحى  وانتشال جثث الشهداء.

المستشفيات القريبة من الموقع تضج بالمصابين والشهداء ورائحة الموت تملأ المكان، لتعلن عن سقوط 110 شهيدا اختلطت دمائهم الطاهرة على تلك الأرض ولتصعد أرواحهم مسجلة أبشع جريمة ارتكبها الاحتلال بعنجهيته وغطرسته المتواصلة ..

 

هزيمة على نغم المجزرة:

هنا استيقظ العالم على لحن الموت الذي عزفه الكيان المستبد مخلفا أجساد ممزقة ودماء متناثرة.. مخلفا مجزرة حقيقة، وأخذ البعض يشجب ويستنكر ويدين ويقرع في كيان الاحتلال وما فعله من مجزرة رغم شراكتهم في السكوت عما ارتكبه الاحتلال منذ بداية العدوان.

هنا خرج شمعون بيريز ليبرر الفعلة التي ارتكبها جيشه بأنه لم يكن على علم بوجود مدنيين في موقع الأمم المتحدة وأن هناك خطأ تقنيا حدث، لكن لم تقبل الأمم المتحدة هذا التبرير غير منطقي وأجرت تحقيقا صدرت نتائجه في تقرير أثبت عمد الكيان الغاصب على ضرب الموقع  وأصدر قرارا يدين العملية والذي كذبه الكيان معتمدا على سلطة الولايات المتحدة في فترة رئاسة بيل كلنتون الذي استخدم قرار "الفيتو" لنقض الإدانة.

لكن لم ينفع بيريز تكذيبه لحقائق التقرير وتلاعبه بالحقائق حيث أدت المجزرة لخسارته الانتخابات الرئاسية وصعود حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو للحكم وتكبيد الكيان خسائر مالية وعسكرية ومدنية بالإضافة إلى عدم قدرته على تفتيت القدرة الصاروخية ل "حزب الله" وسحق رجال المقاومة.

وستظل دماء الأبرياء التي سفكت بآلة الحرب الإسرائيلية في قانا مرتين وصمة عار على جبين الاحتلال الغاصب تلاحقهم أبد الدهر، فيما راية الانتصارات شامخة إلى "حزب الله" تعلو سماء الحرية والعزة والكرامة.

أضيف بتاريخ :2017/04/18

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد