آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الستار توفيق قاسم
عن الكاتب :
كاتب ومفكر ومحلل سياسي وأكاديمي فلسطيني، ولد في دير الغصون بطولكرم الفلسطينية، وأستاذ العلوم السياسية و الدراسات الفلسطينية في جامعة النجاح الوطنية في نابلس.

السعودية وقطر.. كلاهما دعما الإرهاب.. وقطر تمددت أكثر من حجمها


عبد الستار قاسم

السعودية لا تهدأ وهي تحاول جاهدة الجلوس على عرش قيادة المنطقة العربية الإسلامية. هي تحاول مستندة إلى أموالها ونشاطاتها الديبلوماسية لدى العديد من الدول، وتغليب العنصر الديني في مقارباتها مع التنظيمات والأحزاب والحكومات أن تصبح القيادة المطاعة التي تجمع العرب على مائدة واحدة ومن بعدهم المسلمين. وهي مستعدة لمناهضة كل الدول والحكومات التي يمكن أن تتصدر بأعمالها وسياساتها الوطن العربي والعالم الإسلامي. إنها تخشى مصر والقيادة المصرية لما تمثله مصر من وزن كبير في الساحة العربية، وهي بالتأكيد تخشى انتهاء الحروب في العراق وسوريا لما قد تشكله الدولتان من منافسة قيادية. وتخشى إيران أيضا وتركيا، ولم تتورع عن دفع العراق بالتعاون مع أمريكا لشن حرب على إيران استنزفت الطاقات العربية والإيرانية. ولا غرابة من عدائها المستحكم لإيران والذي لا يجد المبررات المتناسبة مع حجم العداء والتحريض والتشهير والدفع باتجاه حرب جديدة.

أقامت المملكة تحالفا إسلاميا لقتال الإرهاب، لكنه تحالف لم يكن أبعد من البيان الذي صدر بشأنه. لقد فشل يوم أن ولد. ومن ثم أقامت تحالفا ضد اليمن، وما زالت على مدى أكثر من سنتين متورطة في حرب لا أخلاقية مقيتة ضد شعب يعاني الفاقة والعوز وسوء الأحوال. والآن هي تقيم تحالفا خليجيا ضد قطر وتضرب حصارا بريا وجويا وبحريا عليها. يبدو أن السعودية مصابة بهستيريا العظمة التي لا يمكن أن تتحقق بالسياسات التي تتبعها. إنها تضل الطريق، وتبعد نفسها بالمزيد عن الاستحقاق القيادي. وهي ترسخ رأيا عاما عربيا ودوليا بأنها دولة عدائية مستفزة، وغير قادرة على تحقيق النجاح في مختلف مساعيها. وأسوأ ما تقدمه للرأي العام هو تصنيف حركات المقاومة على أنها إرهابية في حين أن الأنظمة العربية هي الأكثر شراسة في مجال إرهاب المواطنين. هي تقيم انطباعا بأنها دولة تملك الكثير من المال لتنفقه على الكثير من الفساد والإفساد.

مبررات واهية ضد قطر

تسوق السعودية ومن معها مبررات لإجراءاتها الأخيرة ضد قطر، لكن لا يوجد منها ما يبرر هذه الخطوات الكبيرة والحادة ضد قطر. هناك خلافات قديمة بين السعودية وقطر، لكن الباب الديبلوماسي كان مفتوحا لتسوية الأمور، وقد تم تجاوز الكثير من نقاط الخلاف أو تسويتها. ويبدو من الشروط التي تضعها السعودية على قطر تتلخص في ضرورة انصياع قطر للأوامر والسياسات السعودية والطغيان على السيادة القطرية. علما أن الكاتب لا يرى سيادة لأي دولة عربية. كلها دول منتهكة السيادة ويتلاعب بها الآخرون بدرجات متفاوتة. حتى ما نقل عن أمير قطر من حديث ضد السعودية لا يشكل مبررا لمثل هكذا إجراءات مع العلم أن قطر نفت ما نقل وقالت إن المواقع الإليكترونية قد تم اختراقها. وعلى فرض أن أمير قطر قد انتقد السعودية، فإن الرد يجب أن يتناسب مع الكلام، أي يجب أن يكون كلاما في مواجهة كلام. ومن خبرتي في التصرفات السعودية، أجد أن لها سطوة كبيرة على مختلف وسائل الإعلام إلا القليل، وعلى المواقع الإليكترونية وما يُنشر عليها من مقالات حول السعودية. وقد أعيدت لي مقالات عدة من قبل مواقع لأنها توجه انتقادات خفيفة لسياسات السعودية بخاصة تجاه أمريكا والكيان الصهيوني، ومن المحتمل ألا تنشر الجزيرة نت هذا المقال على الرغم من الضائقة التي تسببها السعودية لقطر.

المبرر القوي الذي أجده وينسجم مع بعض السمات الثقافية العربية هو أن قطر حاولت عبر السنوات وبطرق خاطئة أن تكون رقما قويا في الساحتين العربية والأفريقية، وأن يكون لها شأن ليس فقط على المستوى الإقليمي وإنما على المستوى العالمي. لقيادة قطر طموحات في أن تتبوأ الدولة مركزا متقدما بين الأمم، وأن يكون صوتها مسموعا ومستجابا. فمثلا حاولت قطر جمع الأطراف المتخاصمين في عدد من الدول مثل السودان ولبنان، وجمعت الفلسطينيين، وكانت تنجح أحيانا في إقناع الأطراف في التوصل إلى حلول لمشاكلها الداخلية. وتغلغلت قطر في أفريقيا وعملت على معالجة بعض المشاكل في دول القارة السوداء. والأهم أنها سعت إلى استضافة المونديال، وحصلت على ذلك ظنا منها أنها ستكون مركز استقطاب الأنظار العالمية طيلة مباريات كرة القدم. ومن الناحية الإعلامية، شكلت شبكة الجزيرة أداة قطرية أساسية وقوية، وكان لها كبير الأثر على الرأي العام العربي، لكن نجمها خفت بعد دخولها في فتن الحراك العربي. ومعها تأثرت قطر سلبا.

التمدد أكبر من الطاقة

في سعيها للظهور وأن تكون صاحبة شأن، قطر تمددت بصورة أكبر من حجميها الجغرافي والسكاني. قطر مهما عظمت تبقى محدودة الطاقة والإمكانات، ويصعب عليها منافسة قوى إقليمية كبيرة مثل السعودية وإيران ومصر وتركيا. وبدل أن تتقي وتحصن نفسها، استفزت قطر بتصرفاتها من يرون أنها تنافسهم فوقفوا ضدها. السعودية لا تسمح لقطر أن تنافسها، وذلك على النمط العربي الذي لا يقبل ظهور أشخاص أو هيئات منافسة على الساحة. قفي الثقافة العربية، نحن نحارب في محيطنا من يطل برأسه عاليا ونستمر في مهاجمته والحط من قدره لكي يقصر وفق طولنا القصير. نحن بارعون في التنافس الإسقاطي ومتخاذلون في التنافس الإنجازي. أي قدرتنا على تدمير الآخر من خلال العراقيل التي نضعها في وجهه أكبر بكثير من تحجيمه من خلال إنجازات نحققها. ومشكلة قطر أنها اختارت طريقا إنجازيا يصعب الاعتراف به جماهيريا ورسميا. هي لم تكسب الجمهور العربي، وخسرت الحكومات.

قطر لم تحسب قدراتها جيدا، وكان فراشها أقصر بكثير من طول رجليها. وهذه سياسات خاطئة دفعت الحكومات والشعوب ثمنا كبيرا لها. وواضح أن مستشاري أمير قطر قد اهتموا كثيرا بدغدغة رغبات الأمير على حساب الموضوعية العلمية. وكان دعم الإرهاب أخطر النصائح التي تمسك لها أمير قطر، وأساءت لكل تطلعاته نحو النجومية السياسية. أصحاب المؤهلات القيادية لا يشاركون في الفتن، وإنما يعملون على إخماد الفتن ما أمكن. والذين دعموا الإرهاب بقوة وجهوا أخيرا أصابع الاتهام نحو قطر ونسوا أنفسهم. لقد وشوا للسيد الأمريكي عن مساهمات قطر في دعم الإرهاب في البلدان العربية وبالتعاون مع تركيا، ولم يكملوا قول الحقيقة. أمريكا طبعا تعرف ما قامت به دول الخليج وعلى رأسها السعودية من جهود في دعم الإرهاب وتخريب بلدان عربية، لكن مصالحها تتطلب مهادنة الإرهاب ودعمه والسكوت عن كل القوى الداعمة له. وانتهت في النهاية إلى اتهام من يقاومون الإرهاب بالإرهاب.

الانصياع للرغبات السعودية

على الرغم من أن قطر تؤكد على احترام سيادة الدول، وتقول إنه لا يجوز التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة وذات العضوية في الأمم المتحدة إلا أنها ناقضت هذا المبدأ. لماذا تدخلت قطر في الشؤون العراقية والسورية والمصرية والليبية، وما الذي كانت تتمنى حصوله في هذه الدول؟ هل كانت تريد إقامة الديمقراطية؟ ولماذا لا تقيم الديمقراطية على أرضها قبل تصديرها إلى الآخرين؟ وما مصلحة قطر في اتباع السعودية في تصنيف حزب الله على أنه تنظيم إرهابي؟ لقد استجابت قطر لرغبات سعودية خارجة عن الإطار القومي العربي وتصب في مصالح أعداء الأمة وعلى رأسهم الولايات المتحدة.

ولم تتمنع قطر عن المشاركة في الحرب الإجرامية على اليمن. ما هو الشيء الضائع لقطر في اليمن وتريد استرداده؟ شعب اليمن شعب عربي أصيل، وأرض اليمن منبتنا وفيها ترعترعت قبائل عربية أصيلة لتنتشر بعد ذلك في بقاع كثيرة أصبحت معروفة بالوطن العربي. وشعب اليمن شعب فقير يحتاج إلى المساعدات العربية وليس إلى القنابل العربية. لقد قامت قطر بخطوة فاجرة عندما أرسلت قواتها لتقاتل ضد اليمنيين. ربما لم تشارك قوات قطر بفعالية في الحرب، لكن مجرد وجودها كمشارك لا يبرؤها من دماء اليمنيين. ولم يقل خطأ قطر في البحرين عن الخطأ في اليمن. هناك شعب في البحرين يطالب بالديمقراطية دون أن يستعمل العنف. واستعمال العنف حكر فقط على النظام الحاكم، وإذا كان لقطر أن تلتزم بالمبدأ فإن المطلوب منها دعم الحراك البحريني من أجل تطوير الديمقراطية التي يرونها مناسبة لبلدهم.

الآن المطلوب من قطر الانصياع التام للسعودية، فماذا هي فاعلة؟ السعودية ستكون الخاسرة، وهي تستجمع الكثير من القوى الناقمة ضدها. ونظامها بالتأكيد سيتآكل نظرا للسياسات العدوانية التي يتبعها، وهي تعمل على إشعال النيران في مواقع عربية كثيرة. فهل هذه النتائج المتوقعة تشكل وجبة شهية لقطر؟

الظهر المكشوف

مع علم قطر بالمواقف السعودية منها، وعدم قدرتها على المنافسة الجادة بخاصة أن السعودية لها تأثير واسع على العديد من الدول بفضل أموالها الطائلة. ظنت قطر أن الولايات المتحدة قد تكون الحامية لظهرها وردع القوى التي يمكن أن تواجهها. أقامت قطر قواعد عسكرية أمريكية ضخمة متحدية بذلك مشاعر الجماهير العربية. لكن غاب عن بال قطر أن أمريكا ليست معنية ببقاء الأنظمة العربية وإنما بالنفط. وإذا كانت تحرص أحيانا على نظام عربي خليجي فذلك حرصا على النفط. والمصالح الأمريكية الآن هي مع السعودية وليس مع قطر بسبب النفط وبسبب ما تشكله السعودية من قوة ضد إيران. أمريكا ترى أن دول الخليج متخلفة سياسيا وثقافيا وتنتمي إلى عصور بائدة. هذا لا يظهر في التصريحات السياسية الأمريكية، لكنه يظهر في المقالات والأبحاث والتقارير الإعلامية التي تساهم في تشكيل الثقافة الأمريكية والوعي الأمريكي. أمريكا لا تحترم الأنظمة السياسية الخليجية بمن فيها نظام قطر، والاعتماد عليها خارج مصالحها غير منطقي بتاتا.

لم تتبن قطر سياسات تؤدي إلى تحصين نفسها أمنيا، ولم تصنع أصدقاء يمكن أن يقفوا معها وقت الشدة أو الأزمات. لقد صنعت أصدقاء يقفون ضدها وليس معها إلا من تركيا والمتهمة بقوة في مساندة الإرهاب. أصدقاء قطر من أوروبيين وأمريكيين وصهاينة يتوارون عن دعمها، وتجد الآن أن من تطالب السعودية بمعاداتهم قد أبدو استعدادهم للمساعدة. لقد عادت محور المقاومة، وغازلت روسيا عن بعد، وساهمت مع السعودية في كثير من الأحيان في معاداة إيران، وخسرت الجماهير العربية في شمال أفريقيا والهلال الخصيب ووادي النيل. وهي تخسر الآن الجمهور الخليجي كما خسرت جمهور اليمن.  لقد شطت قطر كثيرا وغابت عنها البوصلة العلمية في التخطيط والتنفيذ. ولمزيد من الخسارة، أنفقت قطر مئات الملايين على دعم الإرهاب، وأنفقت البلايين على إقامة البنى التحتية لاستقبال المونديال. لم تكن الأمة العربية بحاجة إلى كل هذا التبذير. كان من الممكن استغلال الأموال لدعم المشاريع الزراعية والصناعية في البلدان العربية،. استمر نزيف الأموال القطرية إلى أن أوصلت قطر نفسها إلى حافة الإفلاس.

بوابة فلسطين

لا يمكن لعربي أن يتصدر الساحة العربية ويحظى بقيادتها من خلال البوابة الصهيونية. القادة هم الذين يقفون مع تطلعات شعوبهم ومع مشاعرهم وكرامتهم ومواجهة التحديات التي تصدمهم. إسرائيل عدوة الأمة العربية، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية. على الأقل هكذا هي مشاعر جماهير الأمة العربية. لا تستطيع دولة عربية تقيم علاقات مع الكيان الصهيوني وتطبع معه وتعترف به أن تقود الأمة العربية. السعودية ستخسر السباق الغامض على الزعامة وهي تعتبر حماس والجهاد وحزب الله تنظيمات إرهابية. هذه مواقف مدمرة للتطلعات القيادية، وإذا كانت قطر تظن أن إسرائيل ستدعمها في التنافس هي واهمة. الدولة العربية تصاب بالنجس بمجرد أن اقتربت من إسرائيل أو حضرت مؤتمرا تشارك فيه إسرائيل. شافيز وقف ضد إسرائيل فحولته الجماهير العربية إلى قائد لها، وهكذا كان الأمر بالنسبة لفيديل كاسترو. وإذا تحدث رئيس كوريا الشمالية غدا ضد إسرائيل فإنه سيصبح قائدا عربيا وستضع الجماهير صورته على القمر. التخاذل ومهادنة الأعداء والتقرب منهم قاتلة للزعامات. قطر لا تنقطع عن الكيان الصهيوني، علما أنها لن تستطيع ولن يستطيع غيرها كسب تأييد الجماهير العربية ورضا إسرائيل في آن واحد.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2017/06/16

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد