تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمد حميد الصواف
عن الكاتب :
كاتب عراقي

الدبابات التركية: كل الطرق تفضي إلى الكعبة

 

محمد حميد الصواف

أن تفتتح تركيا قاعدة عسكرية لها في قطر، فذلك مباح ومنوط بحجم الاتفاقيات المترتبة مع الدوحة، وان تنشر قواتها في شمال سوريا، فذلك أيضا مستساغ بحكم التورط التركي في الأزمة الدولية والذود عن مدنها من خطر الجماعات المسلحة ووقف تدفق اللاجئين عبر توفير ملاذ شبه آمن لهم من بطش السلطة حسبما تزعم، والأمر ينسحب بوجه مختلف في شمال الموصل أيضا كخط دفاع أخير للأقلية التركمانية ووقف مسعى داعش في التوسع شمالا.

 

لكن ان تسعى القيادة التركية إلى نشر دباباتها في العمق السعودي وتحديدا حول الكعبة المقدسة لدى عموم المسلمين في الشرق والغرب، هذا أمر مدعاة لمراجعة حقيقة نوايا أنقرة والبحث في طبيعة مرادها، وما تمهد له على الصعيد الإقليمي والدولي بشيء من التأمل والتمحيص، فمجرد طرح القيادة هذه الفكرة يسقط مئات الاعتبارات الخطيرة في منطقة الشرق الأوسط.

 

فما يروج داخل أروقة القرار التركي سيناريوهات بالغة الحساسية وغير مسبوقة في التاريخ الحديث، ويتنافى مع الواقع الجيوسياسي لمنطقة الخليج والشرق الأوسط بشدة، باستثناء ان تكون لدى القيادة التركية رؤية لم تستشرفها مختلف بلدان المنطقة والعالم على حد سواء، ولا تزال مخبؤه في جعبة تركيا حصرا.

 

يقول رئيس تحرير صحيفة (يني شفق التركية)، إبراهيم كارغوال المقرب من القيادة التركية، في مقال مفصل تحت عنوان (الدفاع عن الكعبة في حرب الآخرة): “لقد تم الترتيب المسبق في السنوات الأخيرة الماضية للتحضيرات الفرعية لتلك الخطة الرئيسة… ونحن نرى كارثة تقترب خطوة خطوة… ما لم يكن هناك تدخل عاجل”.

 

ويرسم كارغوال بحسب رؤية القيادة التركية سيناريو انهيار النظام السعودي وبقية بلدان الخليج بعد دخولها في حرب يصفها (إسلامية أهلية)، لافتا إلى، أن (كل مقدس سيزول) في إشارة إلى الكعبة المقدسة والمدينة المنورة.

 

ويشدد كارغوال على أن تركيا ستناط بها مسؤولية جسيمة قبل أن تصل دباباتها إلى الكعبة والعتبات المقدسة لدى المسلمين.

 

فكما يبدو أن القيادة التركية ترى في طبيعة الأزمة التي تعصف في منطقة الخليج العربي خطرا يهدد أمنها القومي بشكل مباشر، معتبرة ما يجري من مناكفات سياسية في الوقت الحالي ما هو إلا تمهيد تراكمي سيفضي إلى تهاوي عددا من الأنظمة العربية والخليجية بكل ما يحمله هذا الوصف من معنى.

 

والحرب الأهلية الإسلامية التي يستشرفها القادة الترك، لن يجعلها بمنأى عن لظاها، ماديا أو معنويا، خصوصا مع تهاوي النظام السياسي السعودي الوشيك بحسب أنقرة التي لا تؤمن بمنطق الحياد أو الوسطية في التعامل مع هذا الملف الساخن، وهي الحليف الأبرز أن والداعم الأصيل لأحد أطراف الحرب الأهلية المفترضة المتمثل بحركة الإخوان المسلمين.

 

فتركيا اختزلت تباشير هذه الحرب، بالصراع الدائر بين قطر من جهة والأنظمة العربية المناوئة لها من جهة أخرى، الدول التي بدورها ترى في التحالف التركي القطري الإخواني تهديدا وجوديا لمستقبلها.

 

وتزيد أروقة الدبلوماسية التركية، أن تزايد مواقف العداء بين إيران والمملكة العربية السعودية، وما لهما من أجندات في إشعال الحروب الأهلية واستمراريتها في سوريا العراق، تبدد أي مقدرة على إنتاج مشترك لفكر نير وثاقب وأفعال مسؤولة، “تدرك خطورة الوضع والعمل على إنهائه”.

 

وقد انعكس هذا السيناريو رسميا في أكثر من مناسبة وبشكل جلي، من خلال تصريحات مسربة من قبل أقطاب النظام السياسي التركي مؤخرا، أشارت إلى أن تسونامي سيضرب الخليج لا محالة في قادم الأيام، مفضيا إلى تغيير بعض الأنظمة الآيلة للسقوط كالنظام السعودي.

 

أبرز تلك الإشارات الدفينة كانت أطلقها مؤخرا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث منوها إلى أن القاعدة المزمع افتتاحها في قطر لم تكن لحماية الدوحة أو النظام السياسي الذي يترأسه الأمير الشاب تميم بن حمد، بل “جاءت لحماية أمن الخليج”.

 

ومن موقف قوة، لم يتردد أردوغان في خطاباته الأخيرة بمهاجمة السعودية، متسائلا عن السبب وراء قلقها من قرار إرسال جنود أتراك إلى قطر، فالأمريكيين موجودين وآخرين أيضا موجودين فلماذا القلق من الوجود التركي؟

 

بصريح العبارة، أنقرة تؤكد أن قواتها العسكرية المزمع إرسالها إلى قطر تهدف إلى حماية أمن الدول الخليجية بشكل عام، مرجحة أن تتقلد الدبابات التركية مهام حماية الكعبة المكرمة في نهاية من براثن (حرب الأخرة) التي يستشرف قادة تركيا اندلاعها دون محالة في قادم الأيام.

 

الموقف السعودي بات كالقابض على الجمر، إذ تدرك الرياض أنها باتت في أضعف مواقفها، وكل الدول المتحالفة تحت عباءتها لا تشكل وزنا إقليميا حقيقيا باستثناء مصر، الحليف غير المؤتمن بطبيعة الحال.

 

فالسعودية التي تظهر العداء لإيران لم ولن تتمكن أن تظهر العداء لتركيا في الوقت عينه، وإلا ستكون كمن أضاع دمه بين القبائل، على الرغم مما تعتبره جسارة وصلافة غير متوقع من أنقرة، حليف الأمس ضد دمشق.

 

فخلاصة ما جرى، أن الرياض التي أرادت أن تتعشى بطهران عبر محاصرة قطر، وجدت نفسها وجبة تحضر في مطبخ الدوحة لإطعام تركيا وإيران وجميع الشعوب التواقة لافتراسها، وهذا ما انعكس على موقف السعودية المتمثل بالتمسك بالروية والصبر علها تجد مخرجا يحفظ لها ماء الوجه، مؤثرة لإعلامها التصدي والمواجهة في الوقت الراهن.

 

إذ لم تستطع صحيفة عكاظ السعودية كظم غيضها، قبل أن تسوق مقالا قاسيا ينال من الرئيس والحكومة التركية، ويحذر من الأطماع التاريخية في المنطقة جاء تحت عنوان “العثمانيون الجدد يعودون للمنطقة عبر البوابة القطرية”.

 

حيث تقول الصحيفة أن التاريخ يعيد نفسه، فبعد 146 عاما على دعوة “جاسم آل ثاني” العثمانيين لحمايته أي عام 1871 حيث استقبل العثمانيين ورفع أعلامهم في قطر وفوق منزله، اليوم يكرر “تميم بن حمد” هذا الأمر بعد العقوبات التي فرضتها عليه السعودية فيدعو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لحمايته وهو الذي لا يزال يحلم باستعادة مكانة العثمانيين السابقة في قطر.

 

ومن كل ما تقدم، يبدو أن الرجل المريض استعاد عافيته، وباتت تركيا ترى نفسها إحدى فرسي رهان للسيطرة على المنطقة، تحت عناوين قديمة حديثة هي حماية المقدسات الإسلامية، مقدمتها حروب أهلية لا يختلف اثنان على أن أنقرة تنفخ بنيرانها منذ بدايات ما عرف بالربيع العربي، وباتت زناجير الدبابات التركية تمهد الطريق صوب الكعبة، ولكن هل هذه السيناريوهات قابلة للتصديق؟ اعتقد الإجابة بحسب التسونامي الوشيك الذي سيضرب المنطقة وفق رؤية أنقرة.

 

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2017/06/19

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد