تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عامر محسن
عن الكاتب :
كاتب بصحيفة الاخبار اللبنانية

منطق القويّ


عامر محسن

«إن كان الآلاف سيموتون، فهم سيقضون هناك (في شبه الجزيرة الكورية). هم لن يموتوا هنا. لقد أخبرني ترامب ذلك وجهاً لوجه»
عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، 1 آب 2017

«نحن لا نسعى إلى إبادة كوريا الشمالية… ولكننا نملك العديد من الخيارات لفعل ذلك»
وزير الدفاع جايمس ماتيس، 3 ايلول 2017

■ ■ ■
في الأشهر الماضية يوظّف المسؤولون الأميركيون، في خطابهم وتهديداتهم، عقيدةً جديدة في وجه كوريا الشمالية تُدعى «الحرب الوقائية»؛ وهي تختلف عن عقيدة «الحرب الاستباقية» التي استخدمها جورج بوش ضدّ العراق.

في «الحرب الاستباقية»، أنت تضرب عدوّاً تعتقد أنّه يتأهّب لمهاجمتك، أمّا في «الحرب الوقائية» فأنت تعتبر أنّه من حقّك شنّ حربٍ ضدّ بلدٍ آخر، ولو كان لا يسعى إلى الصّدام معك أو تهديدك، بهدف منعه من محض امتلاك القدرة على أذيتك. بحسب مجلّة «اتلانتك مونثلي» فإنّ أهمّ من عبّر عن هذا الخطاب كان مستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر، الذي قال بوضوح في نيسان الماضي إنّ كوريا ستُمنع من امتلاك سلاحٍ نووي يقدر على الوصول إلى البرّ الأميركي، ولو كان الثّمن «كارثة إنسانية» في شبه الجزيرة الكوريّة. أمّا رئيس أركان الجيش الأميركي، جوزيف دنفورد، فقد أقرّ بأنّ الحرب مع كوريا ستكون «مرعبة» (على الكوريّين)، و(ستؤدي إلى) «إزهاقٍ لأرواح النّاس لم نشهد له مثيلاً في حياتنا»، ولكنّه أضاف بأنّ هذا السيناريو ليس «غير قابلٍ للتخيّل… ما هو غير قابلٍ للتخيّل بالنسبة لي هو أن أسمح بنشوء قدرةٍ تستطيع إسقاط سلاحٍ نووي على دنفر».

منطق «الحرب الوقائية»، بالطبع، يمكن أن يمتدّ إلى ما لانهاية، وأن يمثّل حجّةً دائمة للحرب: سأضرب هذا البلد لأنّه يزداد قوّة وقد يفكّر يوماً ما بأذيتي؛ سأحرق هذه الدولة حتّى لا تهدّد ــ في المستقبل ــ مصالحي الحيوية؛ وسأسقط ذاك النّظام لأنّه يمنعني من التمدّد ومن احتلال مكاني المستحقّ في العالم. تقول «أتلانتيك» إنّ هذه هي المرّة الأولى التي توظّف فيها إدارة أميركيّة حجّةً من هذا النّوع، بل كان تقليد الدبلوماسية الأميركي يقوم على نقد «الحرب الوقائية» واعتبارها مفهوماً غير شرعيٍ، باعتبار أنّ آخر من استخدم هذه العقيدة في العلاقات الدولية كانت أنظمة ألمانيا النازيّة واليابان الإمبراطوري.

المسألة هنا هي أنّ أحداً لم يحتجّ على تهديد بلدٍ صغير بالمَحق من قبل أكبر قوّةٍ في العالم، ولا على إدخال منطق «الحرب الوقائية» الى معجم التعامل بين الدّول؛ لا «المجتمع الدّولي» ولا الأمم المتّحدة ولا الاتّحاد الأوروبي. ولكنّهم كلّهم يسارعون إلى لوم بيونغ يانغ، و«يصدمون» بسلوكها «العدواني»، حين تستمرّ في بناء قوّة إستراتيجيّة وقنابل ذرّيّة وصواريخ، تهدف ببساطة إلى منع السيناريو الأميركي حيث «يموت الناس هناك» ــ في كوريا، كما قال ليندسي غراهام ــ وتظلّ الولايات المتّحدة في منأى عن المأساة. أناسٌ يتمّ تهديدهم بالحرق الجماعي في وضح النّهار، وهم وحيدون محاصرون بلا حلفاء، وتجد من يلومهم حين يراكمون القوة للدفاع عن أنفسهم (ومنع الحرب، هنا، هو الهدف الاستراتيجي الوحيد لكوريا الشمالية)؛ بل ويصف تسلّحهم بأنّه «عدواني»، وانّه سبب «التوتّر» والتصعيد في شبه الجزيرة الكورية (هذا حتّى لا نتكلم على من يسخر منهم، ويقارب مسألة الحرب والتجويع ضدّ كوريا من باب النكتة).

افتتاحية «الغارديان» يوم التجربة النووية الكورية هاجمت بيونغ يانغ ودعت إلى التصدّي لها، وزعمت في تبريرها بأنّ كوريا لا تملك أيّ سببٍ لتطوير الأسلحة الذريّة سوى العدوانية والاستفزاز، وأنّها تضمن أصلاً معادلة الرّدع و«الحصانة من الحرب» لأنّ مدافعها وراجماتها قادرة على ضرب سول وقتل الآلاف من أهلها، وواشنطن لن تخاطر بذلك الاحتمال. النّفاق هنا مزدوج؛ فمن جهةٍ يعرف الجميع بأنّ السّلاح النووي هو، وحده، ما جعل الحرب ضد كوريا «مستحيلة»، ويمنع حرباً «اختيارية» ضدّها. ومن جهةٍ أخرى، فإنّه من المضحك أن تزعم الصّحيفة البريطانية بأنّ من قتل ملايين الكوريين في الخمسينيات، ويهدّد اليوم بتكرار السيناريو ذاته (بشرط أن يظلّ ضرر الحرب محصوراً في الكوريتين وآسيا)، ستقيّده حساباتٌ عن سلامة الكوريين الجنوبيين الذين يقيمون في العاصمة. المثير هنا هو أنّ الخطّة الكوريّة تنجح بالفعل، فبعد التفجير الأخير يوم الأحد الفائت، وبعد أنّ اتّضح أنّ الحرب ضدّ كوريا لم تعد خياراً جدّيّاً، أخذت الصين وروسيا مواقف أكثر تحدّيّاً من السّابق، وأشارت إلى واقع أنّ كلام التهديد لم يعد ينفع، وأنّ الحوار وكظم الغيظ هو السبيل الوحيد المتبقّي أمام واشنطن.

قنبلة هيدروجينية؟

ما حصل يوم الأحد هو أنّ بيونغ يانغ نفّذت تفجيراً نووياً ضخماً يفوق بأضعافٍ حجم قنابلها الخمس السابقة، التي كانت تشابه قنبلة هيروشيما «البدائية»، فيما الاختبار الأخير أطلق طاقةً تفوق تأثير قنبلة هيروشيما بأكثر من ثماني مرّات (بين 100 و120 كيلوطن، والتقديرات تتباين). زعمت بيونغ يانغ بأنّ الاختبار كان لقنبلة هيدروجينية (كانت أعلنت عن امتلاك التقنية عام 2016، ولكن يومها لم يصدّقها أحد)، وهذا مهمٌّ على أكثر من صعيد. أوّلاً، إنتاج قنابل بهذا الحجم يقفل الباب نهائياً أمام واشنطن على المخاطرة بحرب نووية «محدودة» ضدّ كوريا، يمكن الخروج منها بأضرارٍ «محتملة». لا أحد يريد أن تُضرب بلاده بسلاح يماثل قنبلة هيروشيما، وهي ستتسبّب (في مناطق مدينية) بمقتل عشرات الآلاف؛ ولكن سلاحاً ذرياً بحجم 100 كيلوطن هو على مستوى آخر تماماً، ويعني تدميراً كاملاً لمدينةٍ بحجم نيويورك أو سول، ومقتل أكثر من نصف مليون من أهلها؛ أو محو القواعد الأميركية الضخمة، في غوام وأوكيناوا وغيرها، بالكامل عن الخريطة ــ والضربات النووية، في الكثير من الحالات، تجري بأكثر من رأسٍ حربي على الهدف ذاته.

على المستوى التقني المسألة هي، باختصار، أنّ قنبلة «الانشطار النووي» (قنبلة هيروشيما) يمكن إيصال قدرتها إلى حدٍّ معيّن لا يعود من المجدي بعده زيادة حجم كتلة اليورانيوم في القنبلة. أمّا «القنبلة الهيدروجينيّة»، وهي سلاح «انصهار نووي»، فمن الممكن أن تصل قدرتها التفجيرية إلى درجات مخيفة تفوق المئة ميغاطن. القنبلة تعمل عبر تفجيرين متزامنين تقريباً، الأوّل هو «انشطاري» يعتمد على اليورانيوم، كالقنبلة النووية التقليدية، فيحفّز ــ بسبب الحرارة والضغط اللذين يولّدهما ــ تفاعل انصهارٍ نووي هائل في كتلة الدِتريوم التي تحيط بالقنبلة الأولى (أي، تقريباً، كالعملية التي تجري باستمرارٍ داخل الشّمس). تصميم وصناعة قنبلة هيدروجينية هو من التعقيد بحيث أنّ موقعاً أميركياً اسمه «كوارتز» قد سخر من الكوريين حين أعلنوا، السنة الماضية، عن امتلاكهم للتقنية، وأفرد وقتها مقالاً كاملاً ليشرح صعوبة تصنيع القنبلة الهيدروجينية، والحسابات المعقدة التي يستلزمها توقيت التفجير لكي تنجح عملية الإنصهار، وأنّه يمكننا الإطمئنان إلى أن بيونغ يانغ تكذب. اللافت هنا هو أن البيان الذي أصدره «معهد الأسلحة النووية» للإعلان عن التجربة لم يترك مجالاً للغموض، بل شرح بوضوحٍ أن القنبلة التي فجّرها ليست مجرّد سلاحٍ تجريبي، بل هي رأسٌ حربيّ معدٌّ لكي يوضع في الصواريخ العابرة للقارّات. يوجد أيضاً احتمالٌ بأن تكون قنبلة كوريا الجديدة «نصف ــ هيدروجينية»، أو «قنبلة يورانيوم معزّزة»، بحيث توضع كتلة صغيرة من الدِتريوم داخل قنبلة اليورانيوم (على عكس تصميم القنبلة الهيدروجينية)، فينتج انفجارٌ نووي أضخم بكثير من قنبلة اليورانيوم العاديّة، ولكنّه يظلّ اصغر من الأسلحة الهيدروجينية الكبرى. هذا لن يصنع فارقاً على أيّ حال، فحين تصل كوريا إلى إنتاج أسلحة ذرية تقاس بمئات الكيلوطن، تصبح الحرب ضدّها انتحاراً، بصرف النظر عن فصيلة القنبلة.

هذا الواقع تعزّزه التطوّرات في سلاح الصواريخ الكوري، فبعد أن كان البرنامج الصاروخي ــ قبل سنتين أو ثلاث ــ يتعثّر ولا يملك أنظمةً مثبتة تقدر على ضرب أهدافٍ أبعد من كوريا الجنوبيّة، أصبح لدى بيونغ يانغ ثلاثة أنظمة بعيدة المدى مجرّبة وجدّيّة، يقدر اثنان منها على تهديد الأراضي الأميركية («هوا سونغ 14» العابر للقارات و«بوكو سونغ» الذي يُطلق من الغواصات)، والثالث («هوا سونغ 12») يغطّي كلّ القواعد الأميركية والحليفة في شرق آسيا وصولاً إلى غوام. بتعابير أخرى، أثبتت كوريا ــ خلال سنوات قليلة، وبالتوازي مع تصاعد التهديدات الأميركية ــ القدرة على صناعة أسلحة ذرية فعّالة، ووسائل لإيصالها الى مسافاتٍ بعيدة، قد تلامس الساحل الغربي للولايات المتّحدة. وهذه دولةٌ صغيرة في حجم سوريا، معزولةٌ ومحاصرةٌ منذ عقود، ولا تملك حلفاء أو داعمين.

الحرب بوسائل أخرى

ما تفعله كوريا، إذاً، هو المسار المعاكس تماماً لنهج أنظمة صدّام والقذّافي، حيث لا تتخلّى بيونغ يانغ عن سلاحها ــ على أمل الوصول إلى اعترافٍ دولي وتطبيعٍ يقيها الحصار والحرب ــ بل تتمسّك به وتعتبر أنّه ورقتها الوحيدة في وجه الأعداء (والأصدقاء)، وأنّ السبيل الوحيد للخروج من دائرة التهديد والابتزاز العسكري هو عبر وضع واشنطن أمام أمرٍ واقع تصبح الحرب فيه ضدّ كوريا غير ممكنة. هذا الواقع عبّر عنه وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشِن حين قال، إثر التجربة النووية الكورية، أنّ الردّ يكون بتشديد الحصار على الاقتصاد الكوري، متناسياً التلويح بالحرب. ولكنّ المسألة، تحديداً، أنّ ما حفّز كوريا للمضي قدماً في تطوير ترسانتها هو أنّه لم تعد هناك من إمكانية، أصلاً، لـ«تشديد الحصار» أو فرض عقوبات جديدة. قرار مجلس الأمن 2371، الذي اتُّخذ الشهر الماضي، كان قد أغلق آخر نافذةٍ أمام كوريا تقريباً للحصول على عملةٍ صعبةٍ بشكلٍ شرعيّ. بل إنّ القرار نفسه لم تكن له ضرورة، فصادرات الفحم التي حظرها (بعد أن كان قد حظر صادرات الحديد وغيرها من المعادن) كانت الصين قد أوقفت استيرادها، أصلاً، منذ بداية العام. بعد سلسلة قراراتٍ صممها الدبلوماسيون الأميركيون، أصبحت كوريا محاصرة بالكامل تقريباً، ولم يتبقَّ أمام «المجتمع الدّولي» سوى إرسال السّفن الحربية لاعتراض كلّ من يبحر إلى كوريا وتأنيبه، ومنع الصيادين الكوريين من بيع السمك ــ في عرض البحر ــ إلى سفن الصيدٍ الآسيوية.

اللافت هنا هو أنّ لا أحداً، من نخب الغرب والشرق، ينظر إلى الحصار والتجويع على أنّه عدوانٌ وحربٌ اقتصادية، بل توجد حالة قبولٍ غريبة تجاه العقوبات الأميركية ضدّ كوريا وقرارات مجلس الأمن، كأنّ بيونغ يانغ «تستحقّ» هذا التّأديب (لأنها غزت العراق، ودمّرت ليبيا، وتقتل الآلاف من أفغانستان إلى سوريا إلى اليمن) أو تستجلبه على نفسها عبر «تحدّيها» للمنطق الأميركي. بل إنّ الإعلام الغربي يتفنّن في استعراض وسائل إضافية لخنق البلد فتنشر «بلومبرغ»، مثلاً، تقريراً منذ أسابيع ينادي بمنع كوريا من استيراد النفط، بهدف أن يشلّ البلد وتنقطع الكهرباء ولا تعود الحياة ممكنة. ما يثير الحنق أكثر هو أنّ هناك من يعتبر بعد أن لمجلس الأمن وقراراته شرعيّة أخلاقية من أيّ نوع، والتاريخ لن يكتب عن مجلس الأمن أنّه كان كياناً عاجزاً ــ كحال «عصبة الأمم» قبله ــ بل أنّه كان جهازاً مجرماًَ، اشرف على إبادات فعليّة عبر العقوبات والحصار، وشرّع غزو بلادٍ وتدميرها، كليبيا والعراق، أو تقسيمها وتفتيتها، كيوغوسلافيا والسودان، وأصبح أداةً أميركية مهمّتها الوحيدة تأديب الشعوب الضعيفة وتنفيذ سياسات العقاب الجماعي.

في كوريا الجنوبية كما في أميركا، لا يختلف «صقور الحرب» عن «حمائم الحوار» على حتميّة تغيير النّظام في الشّمال؛ هم يختلفون فقط على الأسلوب: أن نضغط عليه حتى نسقطه من الخارج، أو «نحاوره» ونخترقه ونغيّره من الدّاخل. في هذه الأثناء، احتمل الكوريون ما ليس يُحتمل، منذ نشأة بلادهم في أتون الحرب وصولاً إلى سنوات الحصار والمجاعة، وهم من الصّعب أن يتراجعوا بعد أن أصبح لديهم درعٌ نووي، وضمانةٌ بأن لا تتكرّر مأساة الخمسينيات مجدّداً، ويستبيح الأميركيون أرضهم وشعبهم بلا عقاب، ويدفعون الثّمن وحدهم. أمّا من يعتبر أنّ ما يفعله النظام الكوري «جنون» فعلينا أن نسائله عن مفهومه عن المنطق، وهل هو المنطق الأميركي الذي شهدناه في العراق وسوريا وغيرها؟ بل قد يصحّ القول بأنّ أوطاننا لم تكن لتصبح اليوم حلبات موتٍ لو أنّنا تعلّمنا منذ زمنٍ، مثل الكوريين، بعضاً من هذا «الجنون».

صحيفة الأخبار اللبنانية

أضيف بتاريخ :2017/09/05

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد