تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
علي حيدر
عن الكاتب :
كاتب بصحيفة الاخبار اللبنانية

إنجاز «المناورة الكبرى»: حزب الله لم يحتل... إسرائيل!


علي حيدر

لم تخرج مناورة الفيلق الشمالي عن سياقها الدفاعي والردعي، رغم بدء مرحلتها البرية الهجومية. ولم تغير المرحلة الثانية من حقيقة أنها ليست مؤشراً أو مقدمة لعدوان إسرائيلي وشيك على لبنان، بل عززت مراحل المناورة الدفاعية ثم الهجومية، كما مواقف المسؤولين السياسيين والعسكريين، حقيقة أنها تأتي في إطار خطة رفع مستوى الجاهزية التي يحاول جيش العدو من خلالها اختبار قدراته وتطوير تكتيكاته القتالية بما يتلاءم مع تغير طبيعة التهديدات وتعاظم خطورتها على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ليس عرضياً أن تبدأ مناورة الفيلق الشمالي بعملية دفاعية ضد مجموعات حزب الله المقتحمة للمستوطنات، ثم الانتقال إلى الهجوم البري المحدود. ويعود ذلك إلى كون فرضية عمل المناورة تؤكد على أن المواجهة لا تبدأ بسيناريو عدوان إسرائيلي واسع ضد حزب الله ولبنان، ثم تنتقل المواجهات إلى الداخل الإسرائيلي، كجزء من عمليات رد الحزب. بل بدأت بتصدي الجيش الإسرائيلي لمجموعات حزب الله، ثم الانتقال إلى مرحلة الهجوم، كجزء من الرد الإسرائيلي. ويأتي الطابع البري المحدود للعملية الهجومية، التي بلغت في حدها الأقصى 30 كلم، بحسب ما كشفت وسائل إعلام العدو أمس، عاملاً إضافياً في التأكيد على الطابع المحدود للمواجهة وكونها تأتي في سياق دفاعي ردعي. وهو ما يعزز حقيقة أن المرحلة الهجومية من المناورة أتت في سياقين، الأول عملاني، بهدف الرد والدفاع، والثاني سياسي برسائل ردعية.


قلق إسرائيلي من طول مدة الحرب المقبلة وإقرار بالعجز عن وقف صواريخ المقاومة

على الإيقاع نفسه، أتت مواقف وزير الأمن الإسرائيلي افيغدور ليبرمان الذي واكب بدء مرحلة الهجوم من المناورة أمس، بالقول إنها «تذكير لكل من يريد المس بأمن إسرائيل، بأن المواجهة المقبلة ستنتهي بحسم واضح لمصلحتنا». وبدا بارزاً حرص قيادة الجيش الإسرائيلي على التأكيد على طابع الرد والدفاع من خلال ما أوضحه ضابط رفيع للمراسلين العسكريين، بالقول إن «الرد على خرق سيادتنا واستهداف مواطنينا سيكون فائق القوة ومهماً»، والإعلان عن فشل حزب الله في احتلال أجزاء من أراضي إسرائيل!

وبدت المناورة رسالة إسرائيلية بهدف تعزيز صورة الردع في مواجهة حزب الله، من خلال المقاربة الإعلامية للجيش مع المناورة، حيث زود وسائل الإعلام الإسرائيلية بصور وتقارير يغلب عليها الطابع الاستعراضي، وصولاً إلى مواكبتها عبر ضباط رفيعي المستوى بشرح تفاصيلها وأبعادها وأهدافها ونتائجها المقدرة، ولكن الافتراضية.

ولم يقل البعد الداخلي (الإسرائيلي) حضوراً عن غيره من الرسائل، وأبرز من عبر عنه رئيس الدولة رؤوبين ريفلين الذي تفقد قادة الفرق والألوية التابعة للمناورة، وأعلن أن «جاهزية الجيش مهمة جداً لكل الجبهة الداخلية»، مشدداً على أن المناورة رسالة من الجيش لمواطني إسرائيل بأنه «جاهز ومستعد، وهنا تكمن الأهمية الكبرى». وتوسع ريفلين في مقاربة المناورة، في ما بدا أنه انعكاس لتقدير الوضع الذي اطلع عليه برفقة نائب رئيس أركان الجيش اللواء أفيف كوخافي، فاعتبر أن «الحرب المقبلة ستكون مختلفة جداً إن من ناحية العدو (حزب الله) الذي يقف قبالتنا أو من ناحية المهمات التي تنتظرنا».

مع ذلك، كان لافتاً أن العدو عالج في مرحلتي الدفاع والهجوم سيناريو اقتحام حزب الله للمستوطنات، كما لو أنه خطوة ابتدائية من الحزب، مع علمه المسبق بأن إستراتيجية الأخير لا تقوم على أساس تحويل الحدود إلى جبهة مفتوحة أمام العمليات العسكرية. وإنما تتمحور حول الردع والدفاع عن لبنان، وهو ما كرسه بالممارسة العملية طوال السنوات الماضية.

لكن قرار إجراء المناورة الفيلقية، في هذه المرحلة بالذات، يأتي امتداداً لخطة الجاهزية التصاعدية التي اعتمدها منذ ما بعد حرب عام 2006، وبما يتلاءم مع تعاظم قدرات حزب الله وتطور كفاءاته القتالية. وتطبيقاً لمفهوم ضرورة الاستعداد لمواجهة سيناريوات يستطيع حزب الله القيام بها، وليس مع ما ينوي ويخطط لتنفيذه في هذه المرحلة أو تلك. من هنا، كانت الخطة التي يعمل عليها الجيش، الاستعداد لكل السيناريوات العسكرية، كجزء من توفير عدة خيارات عملانية أمام المستوى السياسي، وللحفاظ على قدر من الجاهزية لتنفيذ أي خيارات تبادر إليها مؤسسة صناعة القرار السياسي.

هدفت المناورة أيضاً إلى الاستعداد لكل أنواع التطورات التي يمكن أن تتدحرج سريعاً بعدما لاحظت القيادتان العسكرية والإستخبارية مساراً غير مسبوق من سرعة التحولات الإستراتيجية والعملانية في الساحتين السورية والإقليمية، ما قد ينطوي على تهديدات وفرص ما.

في كل الأحوال، برز الحد الأقصى لأي مواجهة عسكرية مفترضة، في شروحات الضابط الرفيع للمراسلين أنفسهم بالقول إن «الإنجاز البري (المفترض) سيسمح للقيادة السياسية بإنجاز صفقة». وهو تعبير أبعد ما يكون عن الحسم العسكري الذي حاول في البداية الإعلام الإسرائيلي التسويق له، لكنه لم يلقَ النجاح والتأثير المؤمل.

القلق الإسرائيلي من مدة المعركة برز أيضاً في تأكيد الضابط الذي تولى شرح المسار العملاني للمناورة، على ضرورة «تقصير المدة قدر ما أمكن... وستكون هناك معركة على الوقت». ويتعارض هذا المفهوم مع ما هو مفترض أن استمرار أمد المعركة كان ينبغي أن يشكل عامل ضغط إضافياً على لبنان وحزب الله. وبالتالي يكشف هذا الحرص عن حجم المخاوف من أنه كلما طال أمد المعركة سيعني ذلك تصاعد الخسائر البشرية في صفوف جنود الجيش، وأيضاً استمرار الجبهة الداخلية في تلقي الصليات الصاروخية، التي أقر الضابط بتعذر إمكانية إسكاتها. واللافت أن هذه المواقف بما تنطوي عليه من دلالات، تصدر في سياق وذروة التباهي بالمناورة وما يمكن أن تحقق من نتائج عسكرية وسياسية.

صحيفة الأخبار اللبنانية

أضيف بتاريخ :2017/09/13

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد