آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الستار توفيق قاسم
عن الكاتب :
كاتب ومفكر ومحلل سياسي وأكاديمي فلسطيني، ولد في دير الغصون بطولكرم الفلسطينية، وأستاذ العلوم السياسية و الدراسات الفلسطينية في جامعة النجاح الوطنية في نابلس.

العالم بين يدي ترامب عاما آخر جديدا

 

عبد الستار قاسم

يلاحظ المتابع لتصرفات وأقوال الرئيس الأمريكي ترامب أن الاتزان والتوازن يغيبان في كثير من الأحيان عن طروحاته ومقارباته. ويبدو أن هناك تباعدا بينه وبين التركيز إلى درجة أن الهوجائية تطغى على سياساته أحيانا سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

 إنه أشبه ما يكون بلاعب جمباز غير محترف ويقفز بدون إطار أو رؤية. هو يقفز من فكرة إلى أخرى بدون انسياب منطقي أو ترابط ذهني، الأمر الذي يوقعه في تناقضات وعجز في اتخاذ القرار. وفي قفزاته الفجائية وغير المتوقعة، يظن المتابع أن ترامب يقع أسير نزواته ورغباته الذاتية دون أن يملك قدرة على التحكم بعلمية ومهنية اتخاذ القرار. يبدو أن تخيلاته وربما أحلامه توجه العديد من تغريداته وتصريحاته أمام وسائل الإعلام. وهو بذلك ينتقص كثيرا من مكانة الولايات المتحدة عالميا، ويؤثر سلبا على التماسك الاجتماعي للولايات المتحدة.

من الصعب أن يتكهن المتابع بما يمكن أن يصرح به ترامب أو يقوم به غدا لأن ما ينطق به الآن قد يقول نقيضه بعد ساعة، وما يتمسك به من مبدأ الآن، لن يجد مكانا في سياساته بعد غد. ترامب ليس صاحب نظرية سياسية يمكن أن يبني عليها السياسيون العقلاء والمفكرون والمحللون عليها، وأن يتوقعوا القادم من السياسات الأمريكية وفقها. من الممكن أن يتحدث الآن عن أهمية الوحدة الوطنية بين الحزبين الأمريكيين الكبيرين، لكنه لا يصبر طويلا حتى يثير التعصب الحزبي، ويؤدي إلى حالة من الاستقطاب داخل أمريكا. وهو يقف ضد امتلاك كوريا الشمالية للأسلحة النووية، لكنه في ذات الوقت يقول إن على أمريكا أن ترفع من قدراتها النووية. هو يرضى لنفسه ما لا يرضاه لغيره.
المعنى أنه لا إجابة عن السؤال حول كيفية اتخاذ القرار الأمريكي في عهد ترامب، وتقديري أنه لولا أن مستشاريه ووزارة الخارجية الأمريكية يكبحون جماحه، لشط كثيرا في تطاوله على الأمريكيين وغير الأمريكيين، ولرفع من مستوى التوتر العالمي بصورة حادة.

ألقى ترامب خطابه السنوي الذي اعتادته مؤسسة الرئاسة الأمريكية دون أن يقدم رؤية لوضع العالم أو وضع الداخل الأمريكي، وفي هذا ما يشير إلى استمرار حالة التخبط التي تعاني منها رئاسته. واستمرار هذه الحالة ستكون ذات تأثير سلبي على المستوى العالمي.
أمريكا أولا
رفع ترامب في حملته الانتخابية شعار أمريكا أولا، ولم يكن هو الأول في العالم في رفع هذا الشعار، إذ سبقه عرب كثر في التباهي به. وهو ما زال يردده في لقاءاته وكلماته في المؤتمرات العالمية. هذا شعار أناني في الدرجة الأولى وعنصري في ذات الوقت. كل شخص وكل دولة وكل حزب يحرص على مصالحه ويفضل الخير لنفسه أولا، لكن رفع الشعار بهذه الصلافة يشكل استفزازا للمستمعين وتنبيها لهم بأن يحرصوا بالمزيد على مصالحهم الذاتية حتى لو كان ذلك على حساب القيم الأخلاقية الكونية والعالمية. الشعار يتخطى عتبة المبادئ والقيم التي يمكن أن تشكل منظومة قيمية عالمية مقننة بقرارات من الأمم المتحدة. إذا تناقض الشعار مع المصلحة العالمية فإن المتمسك به يفضله على مصالح الآخرين. فمثلا، استهلك العالم جهودا كبيرة في صياغة وتثبيت اتفاقية المناخ، وجاء ترامب لينسحب منها وفقا لقناعة ذاتية بأنها ليست في صالح الولايات المتحدة، وبهذا يعرض سلامة العالم وأمنه البيئي للخطر. وقرر أن يخفض من مساهمة أمريكا في تمويل الأنوروا بناء على تقييم بأن الفلسطينيين الذين يستفيدون من التمويل لا يحترمون أمريكا، وهو لم يقدر جيدا ماذا يمكن أن يترتب على ضائقة غذائية وصحية وتعليمية تصيب الفلسطينيين في المخيمات. إجراءات من هذا القبيل تؤسس لردود أفعال يمكن أن تلحق أضرارا كبيرة في الولايات المتحدة بخاصة أنه استثار الأعناق الفلسطينية في قراره حول القدس.

شيخ القبيلة لا يقف أمام الناس الذين يشيخ عليهم ويقول “أنا أولا.” هذا قول غبي لأنه يؤدي إلى اغتراب العديد من الأتباع، وإلى التساؤل حول رجحان عقل الشيخ. قائد الناس خادمهم إلا إذا كان في الأصل استبداديا ويسوقهم بالعصا وأجهزة الأمن وفوهة البندقية.

القائد هو الذي يخص نفسه بعد أن يخص الناس جميعا، وهو لا يستحوذ على المقدرات ولا يبقي للآخرين سوى الفتات. أمريكا تكرر على ألسنة العديد من مسؤوليها السابقين واللاحقين إنها قائدة العالم، وهذا قول غير صحيح. أمريكا لا تملك مقومات القيادة وإنما تملك مقومات الهيمنة. أمريكا قوية عسكريا، وتملك المال الوفير وبذلك تملك إمكانات الضغط على دول كثيرة لكي تقوم مسارها وفق الإرادة الأمريكية، وتملك مقومات الإغراء. هي دولة هيمنة وليست دولة عدالة أو سمو أخلاقي.  وهي تتغنى بنظامها القيمي الأخلاقي، ولو كان هذا التغني مبررا لما انتخب الشعب الأمريكي دونالد ترامب. الناخب الأمريكي يورط العالم بين الحين والآخر برئيس محدود القدرات من الناحيتين النفسية والعقلية ويتمتع بإمكانات خطابات فهلوية. وترامب يهدد الآن بوقف المساعدات الأمريكية المقدرة بحوالي عشرين مليار دولار سنويا لدول عديدة عبر العالم.

التعاون الدولي
أين هي مسألة التعاون الدولي في خطاب ترامب الأخير؟ يبدو أن ترامب لا يعرف عن التعاون الدولي ولا عن حل المشاكل بالحسنى. لم يتحدث عن تحسين العلاقات مع الدول العظمى، ولا مع دول البريكس، ولم يتحدث عن إنجازات عامه الأول في الحكم بخصوص الحد من التسلح، وتقليص أعداد الحروب التي تقوم بها أمريكا أو تمولها نقودا وتسليحا، ولا عن التعاون في مجالات الفضاء وتقليص نسب التلوث وتحسين ظروف البيئة العالمية، ولا عن المحافظة على التراث العالمي. وعندما تحدث عن روسيا والصين وصفهما بالمنافسين الخصمين. هما منافستان، لكنهما ليستا بالضرورة خصمين. لقد بنى خصومة في الهواء ربما يبني عليها شيئا ينهار على رأسه.

تحدث ترامب عما دأب رؤساء أمريكا على تسميتها بالدول المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية، أي الدول التي عجزت أمريكا عن تطويعها. ترامب توعد كوريا الشمالية دون أن يذكر صراحة ماذا يريد أن يفعل، لكنه سبق أن قال إن الزر على مكتبه أكبر من الزر الموجود على مكتب رئيس كوريا الشمالية، وكان يعني بذلك زر القذائف النووية. ولا يبدو أن أمامه غير استعمال السلاح النووي الذي سيرتد إلى أمريكا وفق تصريحات الكوريين. وعقلاء الدول النووية لا يستعملون النووي ضد نوويين لأنه لا رابح في الحروب النووية. وكوريا الشمالية يمكن أن تستخدم أسلحتها النووية ضد اليابان وضد كوريا الجنوبية فتصيب العالم بالذهول والاقتصاد العالمي بخسائر هائلة دون أن ينجو الاقتصاد الأمريكي.

عمل ترامب منذ استلامه دفة الإدارة الأمريكية على تدمير التعاون الدولي. انسحب من اتفاقية المناخ الذي تخربه أمريكا بالدرجة الأولى، وهذا هو المعنى الدقيق لشعار أمريكا أولا. احترام اتفاقية المناخ تكلف الشركان الأمريكية الكثير من المال، وإذا كانت تلك أعلى من تكاليف تلويث الأجواء والمياه فإن أمريكا أولا يضرب المصلحة العالمية بعرض الحائط. وانسحب من اتفاقية المحيط الهادئ الاقتصادية، وأصاب البحث عن حلول سلمية للصراع العربي الصهيوني بمقتل، وعرقل الحلول السلمية في سوريا، ودفع بالأكراد والأتراك إلى المزيد من الاقتتال على الأرض السورية. وبتصريحاته المستفزة، دفع كوريا الشمالية إلى تطوير قدراتها الصاروخية لتكون قادرة على ضرب العمق الأمريكي. وهو ما زال يعمل بجد على إلغاء الاتفاق النووي مع إيران والذي هو اتفاق أممي مصادق عليه من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. هذا اتفاق تم التوصل إليه بعد جهد جهيد من قبل الدول خمسة +1، ويريد أن ينسفه بالنهاية ظنا منه أن إيران لقمة سائغة يمكن السيطرة عليها بسهولة. واقتصاديا، يريد ترامب العودة إلى مبدأ الحمائية الذي طالما عملت أمريكا على مواجهته، وبذلك هو يستثير الصين واليابان وكل الدول التي تصدر بضائع لأمريكا والتي يمكن أن تتخذ إجراءات مضادة ضد المنتجات الأمريكية. وهو يستثير شعوب وحكومات دول أمريكا اللاتينية بمشاريع قوانينه الخاصة بالمهجرين الحالمين وبشأن الجدار مع المكسيك، علما أن المهاجرين المسومين الاسبنيول يشكلون دعامة قوية للاقتصاد الأمريكي.

وترامب يصر على صداقته المتينة مع الكيان الصهيوني الذي يعد أسوأ صديق يمكن أن تسعى دولة عاقلة إلى نيل صداقته. الكيان الصهيوني دولة عنصرية احتلالية إرهابية يهودية تشرد ملايين الفلسطينيين وتذيقهم مرّ العذاب على مدى عشرات السنوات، وهو لا يرى فيها إلا الحميمية والحضارة المتطورة والتقدمية.  هو فقط يرى بخرم عين الفلسطينيين إرهابيين ولا يرى في الاحتلال والتشريد والقتل والتعذيب والاعتقال وهدم البيوت إرهابا. وكرر في خطابه الأخير حول القدس ما أثلج صدور الصهاينة والأمريكيين المتصهينين وبالتأكيد العرب المتصهينين عندما قال إن نقل السفارة إلى القدس عمل من أعمال السيادة. لم يقل عن سيادة من. هل هي سيادة أمريكا في اتخاذ القرار أم سيادة الصهاينة في تجاهل القرارات الأممية بدعم أمريكي؟ واستثار الفلسطينيين بأمرين هامين وهما تقليص المساعدات التي تقدمها أمريكا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وتقليص الدعم للسلطة الفلسطينية. إنه الشخص الباحث عن   خصومات وعداوات.

ترامب يعادي التعاون الدولي، وهو يشكل خطرا على الأمن الدولي، والمطلوب من الأمم التكافل والتضامن في مواجهة هذا الخطر حتى لا يتحول إلى حرب لا تحمد عقباها. وهناك من بين الأمريكيين من يتكهن بأن ترامب لن ينهي مدة حكمه بدون دمار عالمي.

الكذبة الكبرى
ترامب كذب صراحة أمام العالم عندما قال إن التحالف بقيادة أمريكا هو الذي قضى على داعش بنسبة 100% تقريبا في العراق وسوريا. وهو أنكر بذلك دور آلاف الشهداء العراقيين والسوريين الذين سقطوا دفاعا عن أوطانهم، وأنكر دور روسيا الذي أنقذ سوريا من الهيمنة الأمريكية السعودية.  وأنكر دور حزب الله وإيران.

لم يذكر ترامب دور أمريكا في صناعة الإرهاب العالمي، ولم يأت على ذكر تأسيس القاعدة على أيدي السعوديين والأمريكيين، ولا على دور الإنكليز في

تطوير الفكر الإسلامي الإقصائي المتطرف، ولم يأت على دور أمريكا والسعودية في تسليح المجموعات المسلحة في سوريا بمساعدة تركيا، وعلى ذكر الأسلحة والتموين الذي كان يلقى من الجو للمجموعات المسلحة في العراق وسوريا، ولم يتحدث عن قصف الطائرات للقوات السورية في دير الزور، والقوات العراقية في الأنبار. ولم يتحدث عن الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني الذي يشكل رأس حربة الإرهاب العالمي. عمل ترامب على تزوير الحقائق ولا أظن أن أحدا في العالم سوى بعض الصهاينة وبعض العرب قد اشترى كلامه. كان تصريحه مثيرا للضحك والاستهزاء. وإذا كانت أمريكا تقاتل الإرهاب فلا يوجد أحد في العالم لا يقاتله. أمريكا نصير الإرهاب، وكم من سنة دعمت الحكام العرب الإرهابيين في مواجهة شعوبهم نصرة للكيان الصهيوني الذي يشكل أو ل مصدر للإرهاب في العالم؟


لصالح رأي اليوم..

أضيف بتاريخ :2018/02/16

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد