تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. سعيد الشهابي
عن الكاتب :
كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

تداعيات انسحاب ترامب من الاتفاق النووي


د. سعيد الشهابي

برغم أهمية تطورات المنطقة في السنوات الأخيرة إلا أن ما جرى خلال الأيام السبعة الأخيرة يتميز بأهمية قصوى لا نه أظهر بوضوح خريطة تحالفات مرعبة حرصت أطرافها على إبقائها بعيدة عن الرأي العام العربي والإسلامي. ولكي تتضح صورة ما جرى بجلاء فأن من الضرورة بمكان وضع تلك التطورات ضمن المشهد السياسي الذي يرسم، هذه المرة، بعيدا عن اية مشاركة جماهيرية، وفي ظل تعتيم غير مسبوق، وحروب سرية وعلنية ذات دوافع تختلف جوهريا عن الوقائع.

بدأت التطورات بإعلان الرئيس الأمريكي قراره سحب بلاده من الاتفاق النووي الذي وقعته في العام 2015 الدول الست مع إيران. وقد لا يكون انسحاب أحد الأطراف الستة ذات أهمية قصوى لو أصرت الأطراف الأخرى على التمسك بذلك الاتفاق، ولكن ذلك يتوقف على مدى استعداد الدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) لتحمل تبعات الانسحاب الأمريكي، خصوصا انعكاساته الاقتصادية. فالاتحاد الأوروبي يستطيع أن يتخذ ذلك القرار الذي قد يؤدي في النهاية لنتيجة تأملها شعوب العالم: الإطاحة بالرئيس دونالد ترامب من منصبه ليس بسبب رعونته فحسب، بل لأن الشعب الأمريكي وممثليه في الكونغرس سيصلون إلى قناعة بخطر بقائه على المصلحة الوطنية. ولكن هل لدى أوروبا الإرادة القوية المطلوبة لموقف كهذا؟

الحقيقة التي يجب أن يدركها القادة الأوروبيون أن خضوعهم لإملاءات دونالد ترامب سوف يشجع صعود اليمين المتطرف في بلدانهم وسيدفع أوروبا نحو المزيد من التطرف اليميني الذي لا ترغب فيه غالبية سكان القارة. يضاف إلى ذلك ان هذا الخضوع سيؤدي إلى مزيد من التوتر بمنطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي سيدفع أسعار النفط نحو الارتفاع، وليس مستبعدا أن يصل سعر البرميل إلى 100 دولار بسبب ذلك. كما أنه سيلغي مبدأ العمل الدولي المشترك ويؤدي إلى تلاشي الثقة في الموقف الدولي والأمم المتحدة، ويؤثر سلبا على التوازن القلق الذي حال دون وقوع حروب عالمية كبرى منذ ثلاثة أرباع القرن. ويدرك الاتحاد الأوروبي أن القرار الأمريكي ساهم في تخفيف الغلواء تجاه إيران التي بقيت مناوئة للولايات المتحدة منذ انتصار ثورتها قبل قرابة الأربعين عاما. هنا تبدو إيران ملتزمة بالاتفاق التاريخي الذي وقعته مع الدول الست واضفى على الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، سمعة إيجابية لأنه قلص الاحتكاك مع إيران وكوبا اللتين تميزت علاقاتهما مع بلاده بالتوتر والعداء.

ربما لم يكن قرار ترامب مفاجئا للكثيرين، ولكن المفاجآت تمثلت بعدد من التطورات. أولها أنه أكد الشعور بالاستعلاء لدى الرئيس الأمريكي بلا حدود، فهو يرى نفسه تجسيدا للحقيقة والصواب، ولم يفتح قلبه للنداءات التي اطلقها زعماء الدول الأوروبية الثلاث والأمين العام للأمم المتحدة ومسؤولي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعدد من السياسيين الأمريكيين ومن بينهم رؤساء سابقون، بعدم الغاء الاتفاق. كما أنه أظهر عمق ازدرائه للزعماء الأوروبيين الذين كانوا يتصورون أن الضغوط المتواصلة في الأيام القليلة التي سبقت إعلان موقفه سوف تغير قراره. ولكن فوجئوا بإصراره غير المنطقي أو المعقول على إفشال واحد من أكبر المشاريع الدولية للحفاظ على السلام والأمن الدوليين في العصر الحديث. فقبل توقيع الاتفاق النووي كان القلق مستمرا من نشوب حرب مع إيران. وجاء توقيع الاتفاق ليلغي شبح الحرب ويضع العالم أمام واقع جديد تلعب فيه الدبلوماسية الهادئة دورا يحقق نتائج ملموسة ويحفظ السلم الدولي. وكان مفاجئا للزعماء الأوروبيين كذلك مدى تجاوب ترامب مع ادعاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي حول الاتفاق وإصراره على استهداف إيران، وبروز مؤشرات على تحركاته ومواقفه الهادفة لدفع أمريكا لحرب مع إيران، نيابة عن «إسرائيل» المتهمة بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية خصوصا بعد قتل ما يقرب من 50 فلسطينيا شاركوا في مسيرات العودة.

يعرف الزعماء الأوروبيون حقيقة الدوافع الإسرائيلية لممارسة تلك الضغوط على واشنطن، خصوصا بعد ظهور نتنياهو مدعيا حصوله على وثائق قديمة حول المشروع النووي الإيراني، الأمر الذي رفضته ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وقالت أنه لم يضف شيئا لما هو معروف، وأن ما قاله نتنياهو يؤكد ضرورة وجود الاتفاق وليس الغاءه.
ما هي حقيقة المشكلة؟ لماذا هذه الحساسية المفرطة ازاء الاتفاق النووي الذي ساهم في تخفيف التوتر واحتمالات الحرب؟ وهل أن «إسرائيل» وحدها هي التي عملت خلال العام الاول من رئاسة ترامب للضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق؟ وما البديل الذي يريده ترامب لهذا الاتفاق؟
تعلمت إيران من الحرب العراقية ـ الإيرانية درسا بليغا: انها لن تستطيع بناء قوة جوية قادرة على توفير غطاء دفاعي فاعل. فالدول الكبرى لن تزودها بالطائرات العسكرية المتطورة، كما أن قدراتها الاقتصادية لا تسمح لها بشراء الطائرات التي يبلغ سعر الواحدة منها في الوقت الحاضر اكثر من 100 مليون دولار. ولذلك انتهجت استراتيجية عسكرية تعتمد على الصواريخ بدلا من الطائرات. وعملت طوال العقود الثلاثة التالية لتطوير صناعتها العسكرية بالتركيز على صناعة الصواريخ على اختلاف أنواعها.

ومع أن المواجهة الأخيرة في سوريا أظهرت عدم كفاءة تلك الصواريخ لمواجهة التهديد الذي تمثله الطائرات العسكرية الحديثة، إلا أنه بقي مصدر قلق شديد لطرفين بشكل خاص: الكيان الإسرائيلي والمملكة العربية السعودية. فكلا الطرفين يعاني من هذه الصواريخ التي لولاها لحسمت «إسرائيل» حروبها الثلاث ضد حزب الله وحماس. تلك الحروب أزعجت الإسرائيليين كثيرا واصابتهم بالهلع بعد أن ثبت بالدليل الميداني استحالة تكرار نتائج الحروب التي خاضتها قوات الاحتلال ضد الجيوش العربية في العقود الستة السابقة. ومع أن من يمتلك هذه الصواريخ قد لا يستطيع حسم الحروب لصالحه، ولكنها أيضا تمنع الطرف الآخر من حسم الحرب لأنها تبقى مصدر تهديد لمنشآته وأمن شعبه. وهذا ما أدركته السعودية منذ أن شنت الحرب على اليمن قبل أكثر من ثلاثة أعوام. فبرغم امتلاكها أحدث الطائرات الأمريكية القادرة على اختراق الحدود والحاق أذى بالمنشآت والأرواح، إلا أن هذا التفوق النوعي لم يساعد القوات السعودية والإماراتية على تحقيق انتصار حاسم في الحرب التي كانوا يعتقدون انها لن تطول. وقد أصبحت المدن السعودية الكبرى، ومنها الرياض، هدفا للصواريخ اليمنية.

عندما وقعت الدول الست (أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا بالإضافة لألمانيا) الاتفاق النووي قبل ثلاثة أعوام، رفض الإيرانيون طرح مشاريعهم الدفاعية ومنها الصواريخ للنقاش أو التفاوض. وبرغم الضغوط الإسرائيلية على إدارة أوباما إلا أن الجميع أصر على الاتفاق. ولكن تغيرت الأمور في السنوات اللاحقة. فدخلت السعودية على الخط بعد شنها الحرب على اليمن، فقد حالت الصواريخ اليمنية التي تتهم إيران بتزويدها لحلفائها اليمنيين، دون تحقيق انتصار حاسم، وشعرت بما شعر الإسرائيليون به، فبدأت هي الأخرى، خصوصا بعد أن أصبح محمد بن سلمان هو الحاكم الفعلي للمملكة، بممارسة ضغوط هائلة على البيت الأبيض للتخلي عن الاتفاق واعادة مناقشة اتفاق آخر يتضمن المشروع الصاروخي الإيراني. وقد رفض الإيرانيون ذلك تماما واعتبروا ان شؤونهم الدفاعية لا يمكن اخضاعها للنقاش او التفاوض.

الأوروبيون ما يزالون مصرين على الاتفاق النووي، ولكن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الإصرار صادقا أم خاضعا للاعتبارات الأخرى خصوصا الاقتصادية. كما سيتضح تدريجيا ما إذا كانت «المسايرة» الأوروبية الظاهرة للاتفاق تخفي أجندة سرية للضغط على إيران للقبول بمبدأ مناقشة مشاريعها العسكرية الأخرى ومنها المشروع الصاروخي.


جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2018/05/14

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد