آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عامر محسن
عن الكاتب :
كاتب بصحيفة الاخبار اللبنانية

الصّين: الشّفاء من الماضي


   عامر محسن

«لا تنسوا الإذلال القوميّ ابداً»
شعارٌ صيني، ظهر عام 1915 وأصبح مقولةً سياسيّةً شائعة

في كتابه عن علاقة الصين بجيرانها في آسيا، يستخدم الخبير الاقتصادي توم ميلر تشبيهاً طريفاً لشرح علاقة الصين بماضيها القريب. فلنتخيّل أوروبا عام 2050، يقول ميلر، وقد أصبحت «قارّة عجوز» بالمعنى الحقيقي: مدنها وساحاتها لا زالت جميلة وتخبّر عن مجدٍ قريب، وهي تجذب السياح والزوّار الذين يتأملون متاحف أوروبا وهياكلها بإعجاب، ولكن القارّة أضحت، أكثر فأكثر، «هامشية» في الاقتصاد والنفوذ الدولي. أكبر أسواق العالم أصبحت في آسيا، ومن الشرق تأتي البضائع عالية القيمة والابتكارات التكنولوجية والأسلحة المتطوّرة. ثمّ، يضيف ميلر، فلنتخيّل أنّ حرباً أهليّة تندلع في أوروبا وهي في مسار الانحدار هذا، فتُعلن إمارة إسلامية متطرّفة في لندن أو باريس وينشب أثرها صراعٌ فظيعٌ يُقتل فيه عشرون مليون أوروبي قبل أن يخمد. ثم فلنذهب مئة عامٍ إضافية إلى الأمام، إلى سنة 2150، وأوروبا تجد نفسها خارجةً من عقودٍ من التدمير المكثّف، وهي واقعة تحت احتلال أميركا ــــــ التي كانت، تاريخياً، «حليفتها الصغرى» ــــــ وقد قام الجيش الأميركي بإخضاع أوروبا بقسوةٍ رهيبة وتدمير العديد من مدنها الكبرى. القارّة تخرج، منهكةً، من سلسلة من التمزيق والحروب والاحتلالات قتلت، على الأقل، عشرين مليون مواطن آخرين في سنواتٍ قليلة.

المجد والسقوط

هذا المسار يشبه، تماماً، ما مرّت به الصين بفارق قرنين، لو أنّنا استبدلنا أوروبا بالصّين في السيناريو أعلاه، والولايات المتّحدة باليابان. والصين التي مزّقها منذ أواسط القرن التاسع عشر التدخّل الغربي والحروب الدينيّة (من غزوات الأفيون إلى «ثورة تايبينغ» الدامية)، ودمّرها الاحتلال الياباني وسقطت أقاليمها تحت سلطة أمراء حربٍ وسادةٍ محليين، كانت البلد الذي ورثه الحزب الشيوعي الصيني عام 1949، بعد قرنٍ كاملٍ من «الإذلال القوميّ» والحرب والإفقار. شعار «لا تنسوا الإذلال القومي»، يقول ميلر، صاغه مفكرون صينيون عام 1915، ولكن الحزب الشيوعي استعاده وجعله مقولةً رافقت مسيرته في العقود القادمة.

يجب أن نفهم هنا أنّ «الانحدار الصيني» لا يشبه سرديات الشعوب الأخرى عن مجدها الغابر ــــــ وكلّ بلدٍ واثنية، في العصر القومي، قد خرجت بخطابٍ مشابه عن ماضيها وأسطورة عن مكانها الذي تستحقّه في العالم. نحن هنا لا نتكلّم على «أسلافنا» العباسيين وأمجادهم، تفصلنا عنها ألف سنةٍ كاملة (كنت أقول، أخيراً، لصديقٍ عراقيّ، أثار هذه النقطة: «وهل تعتقد يا عزيزي، حقّاً، أنّ لك علاقة بالعباسيين والسومريين؟ عشيرتك كانت، منذ أقل من قرنين، تسوح في بوادي نجد»). انحدار الصين كان سريعاً وصادماً، حصل خلال عقودٍ قليلة، وقد ظلّت ــــــ حتى خلال «مرحلة الإذلال» ــــــ شواهد ماديّة تحيط بالصينيين عن الامبراطورية التي سقطت ومجدها، وبقايا مؤسساتٍ وتقاليد تذكّر بالماضي القريب، وتزيد من وطأة الاحتلال والضّعف.

قبل ثلاثين عاماً فحسب من حرب الأفيون الأولى، أي عام 1800، كانت الصّين ما تزال مطمئنّةً إلى مكانها كأكبر وأثرى مملكةٍ في العالم. امبراطورية حافظت على وحدتها لأكثر من ألفي عام؛ كان عدد سكان الصين يومها، بحسب ميلر، يفوق عدد سكان باقي الامبراطوريات مجتمعة (أي الجمهورية الفرنسية، والامبراطورية الروسية، والراج البريطاني، والامبراطورية العثمانية معاً)، ويضيف الكاتب أن اقتصاد الصين كان أضخم بكثير من أي دولةٍ (أو تجمّع دولٍ) في العالم: أكبر من حجم اقتصاد دول اوروبا الغربية مجتمعة، وأضخم من اقتصاد اليابان بعشرة أضعاف. الدّول الآسيوية المحيطة بالصين تدين جميعها للإمبراطور بطقوس الولاء، ضمن بوتقةٍ ثقافية كونفوشية تتربّع الصين على رأسها. كلّ ذلك خسرته الصين خلال فترةٍ قصيرة، حين أصبحت «رجل آسيا المريض». على الهامش، عن النموذج الامبراطوري الصيني: يرفض سمير أمين التقسيم الماركسي التقليدي لأنماط الإنتاج التاريخية (عبودية فإقطاع فرأسمالية) ويقترح تقسيماً بديلاً يعتبر أن نمط الإنتاج ما قبل الراسمالي هو، ببساطة، أشكالٌ مختلفة من «نمط الجزية»، حيث يقوم التنظيم السياسي والاقتصادي على أن يعمل أناسٌ (الفلاحون عادةً) ويقدّمون الجزية (tribute) لفئاتٍ في المجتمع لا تعمل (كهنة في سومر، جهاز دولةٍ في مصر، طبقة حاكمة في اسطنبول، الخ). بالنسبة الى أمين، الدولة المغولية والسلطنة العثمانية والامبراطورية الرومانية والإقطاع الأوروبي كانت كلها محاولات ــــــ فاشلة ــــــ لإنشاء «نظام جزيةٍ» مستدام (الرومان انهارت دولتهم بعد فترةٍ قليلة نسبياً على وصولها إلى أقصى امتدادها، والمغول تفككت امبراطوريتهم بشكلٍ أسرع من الرومان، والسلطنة العثمانية اعترتها عوامل عدم الاستقرار منذ بدايتها). الصين في عرف أمين، وحدها، هي من وصل بنمط الإنتاج القديم هذا إلى درجة تقارب الكمال، وجمعت مقدرات تقنية وإدارية تسمح بإدارة امبراطورية ناجحة ومستقرة على مدى قرون.

قد لا يوجد تجسيدٌ لفكرة «الجرح النرجسي» في ماضي الصين من مثال «القصر الصيفي القديم». في نهاية حرب الأفيون الثانية، عام 1860، وصل الغزاة الأوروبيون في حملتهم التأديبية إلى عاصمة الامبراطور، الذي فرّ إلى داخل البلاد، ودمّروا مجمّع القصور والحدائق خارج بيجينغ الذي كان يسمّى بالصينية «حدائق الضياء المكتمل». كانت روضات «القصر الصيفي القديم» ومبانيه تعتبر بمثابة أعجوبةٍ في زمانها، فنياً وهندسياً، ومفخرةً للأسرة الامبراطورية ودليلاً مادياً على حضارتها وثرائها. قام الجنود البريطانيون والفرنسيون بسرقة كلّ ما له قيمة في المكان؛ نزعوا الذهب عن التماثيل وحطموا المنحوتات، ثم أحرقوا المباني الخشبية القديمة ودمروا ما تبقى (كان المجمع الامبراطوري يحوي، مثلاً، جناحاً كاملاً فيه قصورٌ على النمط الأوروبي). ما فعله الصينيون هو أنّهم أبقوا الأطلال على حالها، وآثار الدمار والحريق ماثلة للزوّار. بحسب تحقيقٍ في مجلة «ايكونوميست»، يقوم الحزب الشيوعي سنوياً بإحضار منتسبيه الجدد إلى ذلك الموقع تحديداً، حتى يقفوا بين أطلال القصر المهدّم وهم يؤدون القسم.

الرأسمالية والحزب

في عام 1999، حين كانت النقاشات عن «مصير الثورة الصينية» لا تزال رائجة (بعد احتجاجات تيانانمين عام 1989، مثلاً، نشر الباحث رودريك ماكفاركوار مقالاً عنوانه «نهاية الثورة الصينية»)، كتب موريس مَيسنر دراسةً في الذكرى الخمسين للثورة يقدّم فيها نظرته عن «أهمية الثورة الصينية في التاريخ العالمي». بحسب ميسنر، فإنّ تفسير وتقييم الثورة الصينية يجب أن يبدأ من «المهمة التاريخية» التي جاءت لأجلها، وليس محض الايديولوجيا، أو قياس عدد الضحايا. هذه المهمّة، يقول ميسنر، تعود إلى أعوام العشرينيات، حين حصل تحالفٌ بين القوى «التقدمية» في الصين، كان على رأسها القوميون ومعهم الشيوعيّون كطرفٍ ثانوي، وأعلن هذا التحالف (الذي كان يمتلك شعبية جارفة يومها) عن هدفين أساسيين للحركة الشعبية الصينية: الاستقلال القومي والوحدة القوميّة. التحديان «التاريخيان» أمام الصين يومها كانا يتركزان تحديداً في هذين المجالين، يوضح ميسنر. أرض الصّين كانت منقسمة بين أمراء حربٍ يتنازعون السلطة عليها، بينما الأجانب يستعمرون أجزاء من البلد ويفرضون قوانينهم وأنظمتهم وتجارتهم. غياب «الوحدة» و«السيادة»، وأنماط الاستغلال التي نتجت عن ذلك، كانت بإجماع الصينيين العائق الأساس أمام «تحديث» البلد وتحرير طاقاته، وهو التغيير الاجتماعي ــــــ الاقتصادي الكبير الذي تولّته قيادة الحزب الشيوعي فيما بعد.

الإنجاز الحقيقي لماو وثورته، يحاجج ميسنر، كان في تحقيق «الشرطين اللازمين» لبناء الصين الجديدة، حتى ولو بالمعنى الرأسمالي، وأنّ هذا الهدف ما كان ليتحقق إلّا عبر ماو وحزبه وجموع الفلاحين تحديداً (حين حكم الوطنيون ونخبهم المدينية، مثلاً، بنوا دولةً ينخرها الفساد وتتصالح مع زعامات الريف ولا تسيطر عليه ولا تقدر، في الوقت نفسه، على مواجهة الأجانب). حتّى نفهم المكان البائس الذي انطلقت منه التجربة الصينية، يذكرنا ميسنر بأنّ الصين بأكملها عام 1950 (أي بعد انسحاب اليابان ونهاية الحرب وبدء الإعمار) كان إنتاجها الصناعي يقلّ عن إنتاج بلجيكا (وعدد سكانها، يومها، أقل من واحد بالمئة من عدد سكان الصين). اليوم، تصدّر مقاطعة غوانغدونغ الثرية، وحدها، بأكثر من 750 مليار دولار سنوياً.

ولكن، مقابل هذه النظرة «الوظيفية» لميسنر، نجد السردية القومية عن «استيقاظ الصين»، التي يعتمدها كتّابٌ كميلر وأكثر الإعلام الغربي. حيث تكون الصين قصّة قيامة أمّةٍ ودولةٍ تزاحم في المسرح الدولي، على طريقة ألمانيا وأميركا في بداياتها. «يرسم» ميلر طريقاً واضحاً لهذا «النهوض»، ويقول إنّه ــــــ بالنسبة إلى العديد من النخب في بيجينغ ــــــ يمتدّ على ثلاثة حقبٍ، كلٌّ منها استغرقت ثلاثين عاماً، ونحن نشهد اليوم بداية المرحلة النهائية من الصعود. الحقبة الأولى كانت حقبة ماو، حين انغلقت الصين على نفسها وحققت وحدتها واستقلالها ووضعت «الأسس». المرحلة الثانية هي عهد دِنغ تشياوبينغ والانفتاح، حين بنت الصين ثراءها وقدراتها الاقتصادية. المرحلة الأخيرة هي مرحلة الرئيس الحالي، تشي جينبينغ، التي تتحوّل الصين فيها رسمياً إلى «قوة عظمى». أما القادة الآخرون للصين، يضيف ميلر، فهم ليسوا سوى «توابع» و«تفاصيل» ضمن هذا التحقيب.

أخيراً، هناك النظرة التي تركّز على التحوّلات الاجتماعية التي أطلقتها الثورة داخل الصين، سواء خلال فترة الإصلاح الزراعي أو مرحلة التمدين والتصنيع والانفتاح. حتّى النّجاح الرأسمالي للصين قد جرى بشروطٍ «اشتراكيّة»، ولا يمكن فصله عن تراث الثورة الصينية. كمثالٍ بسيط، يتحدّث سمير أمين وغيره عن قدرة الدّولة الصينية على استيعاب مئات ملايين الصينيين في مدنٍ خلال فترةٍ قصيرة، وتقديم الخدمات والتعليم والصحّة للعمّال الذين تدفّقوا من الرّيف. لا ينتبه الكثيرون إلى أنّ «المواطن الاشتراكي» الذي خلقه النظام الصيني كان «العامل» المثالي بالنسبة إلى الرأسمالية الناشئة بعد عام 1978. ظهرت مدنٌ جديدة هائلة، وتحولت بلدات مثل «شينزِن» وغيرها إلى متروبولات بحجم نيويورك، تحديداً لأن جهاز الدولة كان يقدر على استيعاب وخدمة هذا التوسّع مع ضمان سكنٍ واندماجٍ للجميع، واستقرار اجتماعي نسبي. هكذا يصبح العامل «ليّناً»، يقدر على الانتقال بسهولة إلى مراكز الإنتاج أينما ظهرت، وهذا ما تريده المصالح الرأسماليّة وهو عاملٌ ضروريٌّ لتوسّعها. ولأن النظام يضمن تعليم أولاده وصحّته مجّاناً، ويدعم الكثير من المواد الأساسية، فإنّ هذا العامل يظلّ «رخيصاً» نسبياً، وهذا امتيازٌ ثانٍ بالنسبة إلى من يوظّفه. أخيراً، لأن النظام يهتم بصحّة وتعليم هؤلاء العمّال، فهو يؤمّن إعادة إنتاجهم وتشكيل قوة عمل صحيّة وماهرة، وهذا امتيازٌ ثالث. بتعبيرٍ آخر، قدّمت السياسات الاشتراكيّة في الصين قاعدةً مثاليّة للرأسمالية وللاستثمار (المحلّي والأجنبي)؛ وهو من الفوارق الأساسية بين تجربتها وتجربة دولٍ أخرى في «تحرير السّوق».

خاتمة

إلّا أنّنا نجد هنا بداية قصّة الصّين، لا نهايتها. المواجهة بين صينٍ صاعدة وبين القوة الامبريالية المتحكّمة، أي أميركا، لن تحصل لأسباب «جيوستراتيجية»، كالتنافس على بحر الصين أو مضيق مالاغا، يقول تقريرٌ في «فاينانشال تايمز»، بل لأسبابٍ اقتصاديّة بحتة ــــــ وهي لا ترتبط بحجم التبادل بين الصين والغرب، كما يقول دونالد ترامب، بل بـ«نوعيّته». النموّ الصيني، بحسب المجلّة البريطانية، وصل إلى مرحلةٍ ينافس فيها الصناعات الأميركية الفائقة، ويزاحمها في مجالات احتكارها التكنولوجي. لم يعد نمط النموّ بين أميركا والصين متناسقاً كما في الماضي: الصين تصدّر إلى أميركا البضائع الرخيصة والاستهلاكية، وأميركا تصدّر بالمقابل الهواتف الذكية والطائرات والتوربينات. «الأفق الجديد» للصناعات الصينية سوف يأخذ، مباشرةً، من حصّة الأميركيين والغربيين، وهم بدأوا بمنافستهم حول العالم في مشاريع الطاقة والتقانة والانشاءات (ولولا السياسة، لكانت الصين قادرةً، خلال وقتٍ قريب، على بيع أسلحةٍ توازي السلاح الأميركي في أكثر من مضمار، وبسعر أقلّ ومن دون شروط). من هنا صعد اهتمام الأميركيين أخيراً بمنع تصدير التكنولوجيا إلى الصّين والحدّ من تقدّمها في مجالات التقانة العالية (وقد يكون هذا الأمر قد جاء متأخراً، والصين لم تعد أمامها حواجز تكنولوجية كثيرة)، واشتعال الاشتباك التجاري على الهواتف الذكية وشبكات الاتصال ــــــ في قضيّتي ZTE و«هواوي».

في نقاشٍ مع الكونغرس الأميركي منذ فترةٍ قصيرة، كان البيت الأبيض يحاول إقناع النوّاب بتعديل قانون عقوباتٍ جديدٍ سُنّ ضدّ روسيا، يمنع حلفاء أميركا من شراء السلاح الروسي ويجبر الإدارة على قطع العلاقات العسكرية مع كلّ من يبرم عقوداً دفاعية مع موسكو. طالب الجنرال ماتيس بإدخال استثناءاتٍ على القانون حتى لا تصطدم واشنطن بحلفاء لها، مثل الهند واندونيسيا، لديهم ترسانة روسية ولا يمكنهم التخلي عنها دفعةً واحدة. حجّة ماتيس كانت أنّ أميركا تحتاج، في مثل هذه الحالة، إلى تجاهل الاشتباك مع روسيا والحفاظ على هؤلاء الحلفاء «لمعالجة المشاكل الأكبر التي تمثّلها الصين»، وقد اقتنع النوّاب ــــــ بحسب مساعدٍ لماتيس ــــــ بكلام الجنرال.

صحيفة الأخبار اللبنانية

أضيف بتاريخ :2018/05/24

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد