تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
سامي كليب
عن الكاتب :
إعلامي لبناني يحمل الجنسية الفرنسية، مدير الأخبار في قناة الميادين الفضائية

«الحرب الباردة» فوق سوريا.. ستبقى باردة

 

سامي كليب

أن يقول رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف إن العالم يدخل في حرب باردة، فهو يُعلن ما هو قائم.. ويؤكد المؤكد. وأن يقوله من ميونيخ، فهذا المكان نفسه الذي بدأ منه الرئيس فلاديمير بوتين تحدي واشنطن بخطابه الشهير قبل نحو ثماني سنوات. وأن يُذكّر ميدفيديف بأزمة الصواريخ الروسية إلى كوبا في العام 1962 لمنع أميركا من اجتياحها، فإنما يذكّر بالخطوط الحمر لأي اجتياح بري من قبل خصوم الرئيس بشار الأسد من الشمال السوري، وتحديدا من أي مغامرة سعودية ـ تركية بغطاء أطلسي. الحرب الباردة قائمة فعلا، لكن جديدها هذه المرة أن الأرض السورية المحروقة هي التي تقرر مآلات هذه الحرب.. ويبدو من خلال اتصالات الساعات الماضية أن ضبط الوضع والتركيز على أولوية الإرهاب هما الأساس.

واللافت للانتباه في ما قاله ميدفيديف الذي يتبادل الرئاسة ورئاسة الحكومة مع بوتين مذ قرر هذا الثنائي إعادة روسيا إلى قلب العالم، أن لا حل لهذه الحرب الباردة سوى بالتفاهم الأميركي ـ الروسي.. أما الباقون، فمجرد بيادق.

 

من المرجح أن يبقى العقل متحكما بالعلاقات الأميركية ـ الروسية وألا تلتهب الحرب الباردة. فخلافا لكل التهويل والتهديد والوعيد، تواصل بوتين واوباما، أمس الأول، تماما كما فعل جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف في العام 1962. ووفق معلومات أوروبية موثوقة، فان الرئيس الروسي طالب نظيره الأميركي بـ «لجم» تركيا ووقف قصفها للأكراد ولمواقع عسكرية سورية، وبتخفيض اللهجة السعودية حول الانخراط العسكري المباشر في سوريا. حمل كلام بوتين تحذيرا واضحا للدولتين أن لم تتحرك واشنطن.

 

لنلاحظ أن البيت الأبيض هو من بادر بالاتصال بموسكو، وأصدر بيانا يقول فيه: «إن الرئيس بوتين جدد التأكيد على أهمية قيام جبهة موحدة في وجه الإرهاب.. وان وزيري دفاع البلدين سيكثفان التنسيق»... الباقون بيادق!

 

لا مصلحة لباراك أوباما في أن يورث حربا قبيل تركه الرئاسة وهو الذي صاغ اتفاقا مع «رأس محور الشر» إيران، وتصالح مع «الدولة الخارجة على القانون» كوبا في محيطه. ولا مصلحة لبوتين بأية أعباء اقتصادية جديدة لسباق تسلح.

لماذا تحذير ميدفيديف إذن؟

 

ليست مشكلة الولايات المتحدة حاليا مع الخصوم وإنما مع الحلفاء. تشعر السعودية وإسرائيل بالتهميش منذ إبرام الاتفاق النووي. تريان أن ثمة تسويقا غربيا لإيران الجديدة. وترى تركيا أن أميركا تعزز تحالفها مع الأكراد وأنها باتت قابلة ببقاء بشار الأسد.. واستعادته الشمال السوري. ليس طبيعيا أن يقول رجب طيب أردوغان، وهو رئيس دولة أطلسية، لأميركا زعيمة الأطلسي «إن سياستكم حولت المنطقة إلى بركة دماء».

 

هل صارت الدول الإقليمية قادرة على عصيان أميركا وجرها للحرب؟

 

الأكيد لا، لا تستطيع العصيان، لكن الأكيد أنها قادرة على إشعال بؤر نار كثيرة ما لم ترفع واشنطن عصا التأديب الفعلي.. وهي ستفعل ذلك.

في المعلومات، أن اتصالات أميركية وأوروبية تكثفت مع جميع الأطراف الإقليمية. هذا ضروري خصوصا أن طهران قدمت جوابين: أولهما تحذيري يقول إن الرد سيكون قاسيا جدا وقد يصل الى قلب السعودية، وإن القوات السعودية ستتعرض لهزيمة كبيرة لو دخلت، والثاني كان عبر مد اليد إلى الرياض من خلال كلام وزير الخارجية محمد جواد ظريف، نجم الإعلام الغربي منذ الاتفاق النووي. قال ظريف أنه «من خلال التعاون مع أشقائنا في السعودية وتركيا، بإمكاننا أن نسوي القضايا والمشاكل الإقليمية».

 

وجاء كلام مماثل من وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بقوله: «يسعدنا أن تربطنا بإيران علاقة جيدة، ولكن يجب عليهم إبداء خطوات جادة وعدم التدخل بشؤوننا»، مع تكراره طبعا مقولة ان الأسد سيسقط سياسيا أو عسكريا في نهاية المطاف. العبرة، أنه كلما تقدم الجيش السوري شمالا، كلما اضطرت السعودية لترديد هذه المقولة لأسباب داخلية وخارجية في آن معا.

 

لعل كلام وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن عودة السعوديين بتوابيت خشبية، استند الى قرار مركزي سوري ـ إيراني وبغطاء روسي بمواجهة أي تدخل دولي لا يكون متفقا عليه بين الأميركيين والروس بعنوان ضرب الإرهاب فقط.

 

هل يمكن الانزلاق إلى حرب أوسع؟

 

لا شيء ينذر بذلك حتى الآن، لكن ثمة معلومات موثوقة تقول إن السعودية وضعت منذ فترة طويلة خططا عسكرية للتدخل المباشر في سوريا. تم وضع هذه الخطط قبل التقدم الكبير للجيش السوري وحلفائه شمالا، لكنها كانت تشعر بأن ما يفعله المسلحون كافٍ ولا ضرورة للقيام بذلك. الآن هي وتركيا تعيشان ضغوطا معنوية كبيرة، وتريدان دورا ما. ليس المطلوب الدخول في حرب تعرف الرياض سلفا مدى تكلفتها، لكن المطلوب هو الإبقاء على دور سعودي ـ تركي في ما يخطط لمستقبل سوريا.

 

لنلاحظ أمرا مهما: لا تقول تركيا والسعودية حتى الآن أنهما ماضيتان بتدخلهما العسكري بدون غطاء. هما تقولان إن ذلك يتم في إطار خطة دولية لمحاربة «داعش». فنجد مثلا ان وزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو يعلن انه «إذا كانت هناك إستراتيجية ضد تنظيم داعش، فسيكون من الممكن حينها ان تطلق السعودية وتركيا عملية برية»... الـ «إذا» التي يبدأ بها جاويش أوغلو كلامه، مهمة جدا، كما أن عادل الجبير يقول لـ «سي ان ان» إن السعودية «مستعدة لإرسال قوات خاصة للمشاركة في التحالف البري بسوريا»، أي في سياق منظومة تشرف عليها أميركا.

 

الانزلاق إلى اشتباك أوسع.. وليس إلى حرب شاملة؟

 

هذا الاحتمال قائم إذا حصلت الأمور الآتية:

- لو تورطت السعودية وتركيا مباشرة على الأرض أو من الجو بدون غطاء دولي. بوتين حذر أول أمس، وأوباما منزعج من القصف التركي لحلفائه الأكراد. وقد وصلت رسائل أميركية وأوروبية لأنقرة.. بهذا الصدد.

 

- لو أسقطت تركيا طائرة أو طائرات جديدة لروسيا أو سوريا فوق الأرض السورية. ويبدو أنها ما عادت تجرؤ على فعل ذلك.

 

- لو حصل صدام عسكري إسرائيلي إيراني في المجالين السوري أو اللبناني، مباشرة أو عبر «حزب الله».

 

- لو نفذت بعض أجهزة الاستخبارات عملية اغتيال كبيرة أو قامت بتفجير كبير له رمزية معينة.

 

ماذا تريد تركيا والسعودية؟

 

تريد تركيا والسعودية أما وقف زحف الجيش السوري وحلفائه شمالا، وهذا بات مستحيلا، أو الحصول على دور في الخطط المقبلة (هما تعتبران ان الفترة الحالية مناسبة جدا للضغط على الديموقراطيين الأميركيين قبيل الانتخابات الرئاسية)، أو قبول قوات لهما في «التحالف الدولي»، وهو ما رفضه الأسد في مقابلته الأخيرة، معتبرا أن حرب الشمال هي حاليا «لقطع الطريق بين حلب وتركيا»... ولنا أن نتخيل أردوغان وهو يقرأ هذا التصريح، ويخوض حربه الداخلية مع الأكراد، ويشعر بأن الأمور قد تفلت من يديه.

 

ماذا سيفعل حلفاء الأسد؟

 

- فلاديمير بوتين كعادته، سيستمر برمي البسكويت والحبوب المهدئة للغرب، ويواصل رمي حمم مقاتلاته على أعداء الأسد. سيستمر في ذلك مهما حصل، فهو والأسد يقولان أن لا علاقة للمفاوضات بالاستمرار بضرب الإرهاب.

 

- إيران تكثف انخراطها المباشر أو عبر «حزب الله» في الحرب السورية، وتقول كلاما معسولا للسعودية، مدركة سلفا، انه يثير السعودية أكثر مما يهدئها، لكنه يحافظ على علاقة ممتازة مع الغرب وعلى غطاء للعمل العسكري.

 

أمام هذا المشهد السوري المعقد إقليميا ودوليا ، يبقى السؤال الأبرز: ما هي حقيقة الموقف الأميركي من الأسد؟ والى اين وصل الاتفاق الأميركي الإيراني، وما هو حجم التفاهم الأميركي الروسي في سوريا؟

 

يبدو أن وليد جنبلاط التقط الإشارة. قال إن العالم سيسلم حلب للأسد باسم السلام. لا شك أنه كان يتمنى ألا تكون الإشارة صحيحة وألا يلتقطها. انتهى زمن إسقاط الأسد. محاربة الإرهاب هي سيدة الموقف. والإرهاب المقبل سيكون أكبر وأخطر. قالها بوضوح رئيس الوزراء الفرنسي ايمانويل فالس في ميونيخ. الجيش السوري هو الأهم. لا شك أنه يحظى أيضا بغطاء أميركي للتقدم شمالا. لن يسمح أوباما لأحد بجره إلى حرب أوسع قبل مغادرته البيت الأبيض.

 

صحيفة السفير اللبنانية

أضيف بتاريخ :2016/02/15

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد