آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. عصام نعمان
عن الكاتب :
محامٍ لبناني منذ 1973 يحمل الإجازة في الحقوق ، شهادة الدكتوراه في القانون العام ، شهادة الماجستير في العلوم السياسية ، وشهادة البكالوريوس في الإدارة العامة أستاذ محاضر في القانون الدستوري ، كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية 1979 – 1989

نتنياهو كشف «صفقة القرن» متى يكشف بوتين «صفقة الرفات»؟


د. عصام نعمان

منذ أشهر يُمطر دونالد ترامب صديقه بنيامين نتنياهو هدايا سياسية ثمينة: سحب الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ووقف دعم أميركا لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، والاعتراف بالقدس عاصمة لـ «إسرائيل»، والتسليم بسيادتها على الجولان السوري المحتل.

الآن جاء دور فلاديمير بوتين. ها هو يقدّم لنتنياهو هدية لا تقدّر بثمن: العثور على رفات جندي إسرائيلي قتل في الحرب مع سورية في بلدة السلطان يعقوب اللبنانية قبل 37 عاماً، وذلك قبل 7 أيام فقط من الانتخابات في الكيان الصهيوني.

لا شيء في السياسة بلا ثمن. هذه القاعدة لا تسري على التعامل بين الولايات المتحدة و»إسرائيل»، خصوصاً في عهد ترامب، لكنها تسري بالتأكيد على التعامل بين روسيا والكيان الصهيوني. يوسي ميلمان، معلّق الشؤون الأمنية في صحيفة «معاريف» قال: «بالنسبة إلى الرئيس الروسي، لا يوجد شيء مجاني. عاجلاً او آجلاً سيجبي بوتين الثمن مقابل المساعدة التي قدّمتها أجهزة الإستخبارات الروسية. هذا اذا لم تكن «إسرائيل» قد دفعت الثمن حتى الآن».

أيٌّ من معلّقي الصحف الأميركية لم يتجرأ على مجرد الإشارة إلى الثمن الذي يمكن أن يستوفيه ترامب من نتنياهو، ذلك لأنّ الجميع، سياسيين وإعلاميين، يعرفون ويسلّمون بأن لا ثمن يُجبى من الكيان الصهيوني مذّ تمّ زرعه في قلب عالم العرب سنة 1948. استباقاً لأيّ شكّ أو أمل يساور العرب بأنّ ثمة ثمناً سيدفع من طرف أميركا، سارع نتنياهو الى الكشف عن «مبادئ» ما يُسمّى «صفقة القرن» التي قيل إنّ ترامب يعتزم طرحها على الملأ بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية في 9 الشهر الحالي.

ماذا كشف نتنياهو؟

مبادئ ثلاثة:

«لا تقسيم للقدس». معنى ذلك رفض، بل إسقاط، نهائي لمبدأ أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، كما جاء في مبادرة السلام العربية للعام 2002.

«لا تفكيك للمستوطنات، وبالتالي لا إجلاء لمستوطنين إسرائيليين عن الضفة الغربية». معنى ذلك تشريع الاستيطان الصهيوني في كامل فلسطين التاريخية.

«سيطرة أمنية كاملة لـ «إسرائيل» بين النهر والبحر». معنى ذلك استمرار الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وبالتالي لا سيادة لغير «إسرائيل» عليها.

إلى ذلك، أكّد نتنياهو رفضه وحدة غزة مع الضفة الغربية وبالتالي كرّر موقفه بأن لا دولة فلسطينية، مطيحاً بما يُسمّى «حلّ الدولتين».

ماذا عن «الثمن» الذي يمكن أن يجبيه بوتين من نتنياهو لقاء هديته الثمينة عشيةَ الانتخابات الإسرائيلية؟

لعلنا في عرضٍ سريع لوقائع إهداء رفات الجندي القتيل زخاريا باومل لنتنياهو ما يُساعد على التكهّن بالثمن المحتمل. فقد اتضح من تصريحات نتنياهو وبوتين في موسكو أنّ تل أبيب تقدّمت قبل سنتين من روسيا بطلب المساعدة للعثور على رفات الجندي القتيل، وأنّ نتنياهو خاطب بوتين بقوله «نحن ممتنّون لكم لصداقتكم الشخصية ولموقفكم وموقف روسيا التي تشارك «إسرائيل» هذه القيم أيّ أهمية استعادة رفات جنودها المفقودين ، وأنّ بوتين حرص على إبلاغ نتنياهو انه تمّ إجراء جميع الاختبارات الجنينية «للتأكد من انّ الرفات تعود للجندي القتيل»، وانّ احتفالاً مهيباً جرى وشارك فيه بوتين ضيفه الإسرائيلي ابتهاجه الشديد بإعلان إرسال ما تبقّى من رفات زخاريا باومل إلى القدس المحتلة، وأنّ نتنياهو غادر فوراً للمشاركة في الاحتفال غير العادي بتشييع الرفات – الهدية إلى مثواه الأخير.

غير أنه اتضح لاحقاً من بيان صدر عبر وكالة «سانا» الرسمية أن «لا علم لسورية بموضوع رفات الجندي الإسرائيلي، وأنّ ما جرى هو دليل يؤكد تعاون المجموعات الإرهابية مع الموساد». فوق ذلك، كشف ناطق بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة وجود رفات الجندي الإسرائيلي في حوزة التنظيمات الإرهابية في مخيم اليرموك قبل نجاح الجيس السوري في طردها منه. هذه المعلومة تعزز اتهام الحكومة السورية المجموعات الإرهابية بالتعاون مع الموساد.

لكن، إذا كان ذلك صحيحاً، فكيف سمحت موسكو لنفسها بالتعاون مع تنظيمات إرهابية لاستخلاص الرفات منها وتسليمه الى «إسرائيل» بدلاً من تسليمه الى الحكومة السورية أو لأيّ فصيل من فصائل المقاومة بغية تمكينها من مقايضته بأسرى سوريين أو فلسطينيين قابعين في سجون العدو الصهيوني؟ ثم، على افتراض أنّ لروسيا مصلحة «مشروعة» في استخلاص رفات الجندي الإسرائيلي من تنظيم ما على الأراضي السورية لتسليمه الى حكومته، فهل يجوز ألاّ تحيط الحكومة السورية الحليفة علماً بما تنتوي عمله على أراضيها خدمةً لدولة معادية تحتل مساحة لا يستهان بها من ترابها الوطني؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها في مجال تحرّي دافع موسكو إلى التصرف بهذه الطريقة غير اللائقة، وربما الضارّة، بالأمن العربي السوري.

فهل ثمن هديتها الثمينة لنتنياهو هي ما تردّد في وسائل إعلام صهيونية مثلاً: Ynet بتاريخ 4/4/2019 حول مطالبة موسكو الجانب الإسرائيلي بوقت إنذارٍ أطول قبل قيام سلاح الجو الإسرائيلي بعمليات في الأجواء السورية؟ أم هل تراها طلبت من تل أبيب صرف النظر عن تهديدها بتدمير بطاريتيْ منظومة الدفاع الجوي S-300 إذا قام الضباط الروس العاملون في سورية بنقل السيطرة عليها إلى السوريين؟

سيتضح يوماً الدافع الحقيقي لقيام موسكو بتلك العملية المفاجئة والغامضة، لكن ليس قبل انتهاء الانتخابات الإسرائيلية في 9 الشهر الحالي. هذه الإنتخابات التي قدّم بوتين لنتنياهو قبل 7 أيام من أجرائها خدمةً كبرى مدفوعة أو غير مدفوعة الثمن، جعلت فوزه فيها أمراً شبه مضمون.

متى سيكشف بوتين سر «صفقة الرفات»؟


جريدة البناء اللبنانية

أضيف بتاريخ :2019/04/08

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد