آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

لماذا برأ أوباما إيران واتهم السعودية ودول الخليج بنشر التطرف ورعاية الإرهاب ؟!

 

عبد الباري عطوان

 

لماذا برأ أوباما إيران واتهم السعودية ودول الخليج بنشر التطرف ورعاية الإرهاب في أكثر أحاديثه الصحافية صراحة وجرأة؟

وهل "ندمه" على قصف ليبيا مبرر؟ ولماذا قرر الإنسحاب من الشرق الأوسط وحروبه إلى آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية؟ وهل نصيحته لطهران والرياض بـ"السلام البارد" ستجد تجاوبا؟

 

 

عندما يقول الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مقابلته المطولة مع مجلة "اتلانتيك" التي نشرتها الخميس، أن الحروب والفوضى في الشرق الأوسط لن تنته حتى تتمكن السعودية وإيران التعايش معا والتوصل إلى سلام بارد”، فان هذا يعني أن هذه الحروب والفوضى، وحالة الحرب بالوكالة بين هاتين القوتين الأقليميتين العظميين (السعودية وإيران) لا تدمر المنطقة فقط، وإنما تخدم إسرائيل.

 

في الماضي القريب، وقبل “الربيع العربي”، وصعود خطر الحروب والتقسيمات الطائفية، كانت الجملة المأثورة التي تتردد على السنة المسؤولين العرب والغربيين، وفي البيانات الختامية لمؤتمراتهم وزياراتهم للمنطقة، تؤكد ان استقرار منطقة الشرق الاوسط لا يتحقق الا بحل الصراع العربي الاسرائيلي، الآن اختفت هذه المقولة كليا، وحلت محلها مقولة الصراع العربي الايراني.

الرئيس اوباما، ومن خلال هذه المقابلة، اكد على مجموعة من الحقائق التي وردت على لسان مستشاريه يجب التوقف عندها مليا لمعرفة العوامل الأساسية التي ترسم ملامح السياسة الأمريكية في المنطقة:

اولا: الصراع السعودي الإيراني أدى إلى نشوب حروب بالوكالة، ونشر الفوضى في كل من سورية والعراق واليمن، أي إنه حمل هذا الصراع، وليس تدخلات بلاده العسكرية المسؤولية عن حالة الفوضى الدموية التي تسود المنطقة.

ثانيا: برأ الرئيس الامريكي إيران واتهم السعودية بشكل مباشر بنشر التطرف والإرهاب في المنطقة والعالم بنشرها للمذهب الوهابي، وضرب مثلا بكيفية استخدام المال السعودي والخليجي في تغيير طبيعة الإسلام المعتدل في اندونيسيا،على سبيل المثال، التي تحجبت نساؤها من تأثيره، وقال ذلك صراحة لرئيس وزراء استراليا الذي التقاه في مؤتمر بالعاصمة الاندونيسية التي عاش ودرس فيها (اوباما) اربع سنوات، كما اكد في مقاطع أخرى أن من نفذوا هجمات 11 سبتمبر ليسوا إيرانيين.

ثالثا: هاجم الرئيس أوباما بشدة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ووصفه بـ”فاشل” وديكتاتور”، وأعرب عن اعتقاده بأن السعودية لا يمكن أن تتقدم مطلقا باضطهادها لنصف تعداد سكانها، أي النساء، ولمح إلى مصر عندما قال أن على مصر والسعودية أن تتوقفا عن التسامح مع الفساد واضطهاد شعوبهما، وقمع معارضيهما إذا أرادت أن تحقق الرخاء والاستقرار لشعوبها.

رابعا: أتهم أوباما دولا “جانحة” من حلفاء أمريكا بمحاولة جر بلاده إلى حروب طائفية طاحنة لا مصلحة لها فيها، وأكد أن بلاده لن تنجر إلى هذه الحروب، ولن تتدخل عسكريا في المنطقة التي لم تعد تصدر النفط فقط، وإنما الإرهاب ايضا، وقال أن بلاده ستنسحب منها وتركز على آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية حيث المستقبل.

خامسا: إعدام ثلاثة أمريكيين في سورية ذبحا من قبل مقاتلي “الدولة الإسلامية” عام 2014 هو الذي دفعه إلى تغيير سياسته في سورية، وإعطاء الأولوية لمواجهة هذا الخطر الذي يهدد باشعال المنطقة والعالم، وهذا يعني الكثير في أي محاولة لفهم تردده في الدخول في حرب لإسقاط النظام السوري وانتحاره بذلك.

***

بعد التمعن بهذه النقاط الخمس، يمكن القول أن حلفاء واشنطن القدامى في الشرق الأوسط وشمال افريقيا ربما يواجهون مرحلة من التجاهل، وربما التيتم بعد القرار الأمريكي بعدم خوض حروب من أجل الدفاع عنهم، وتركهم وحدهم في مواجهة إيران وحلفائها الروس والسوريين والعراقيين الشيعة، وقد يجادل البعض بان أوباما، واضع هذه السياسة، سيختفي من المسرح السياسي بعد أقل من عام، وأن الإدارة الأمريكية المقبلة قد تقلبها رأسا على عقب، وهذا الجدل ينطوي جزئيا على بعض الصحة، ولكن الرهان على الجمهوريين وفوزهم ليس مضمونا أولا، والإدارات تستمع إلى وصايا ونصائح ما قبلها ثانيا، وتعمل بها او معظمها.

واذا كانت هناك اخطار صراع طائفي في المنطقة، فان المسؤول عنها الولايات المتحدة نفسها، فهي التي ادخلت مبدأ المحاصصة الطائفية إلى المنطقة بعد احتلالها للعراق، ووظفت الورقة الطائفية بعد ذلك عندما كانت تحشد الحشود العسكرية تحت ذريعة ضرب إيران لأنهاء طموحاتها النووية، وعندما توصلت ألى اتفاق نووي مع إيران بعد مفاوضات سرية، رحلت أساطيلها وغواصاتها وحاملات طائراتها، ولم يستطع حلفاؤها المخدوعين التراجع عن سياسات التحريض الطائفي ضد إيران، والآن ينصح أوباما السعودية بالحوار معها للوصول إلى “سلام بارد”.

 

ولا نعرف كيف سيحارب أوباما “الدولة الإسلامية” أو غيرها من “الجماعات الجهادية” في سورية والعراق وليبيا واليمن، وهو الذي مارس كل أنواع “التهشيم” لحلفائه العرب “والمعتدلين” مثل دول الخليج وتركيا، ولكن ما يمكن استناجه أنه لا يعتمد على هؤلاء، ولا يقيم لهم أي وزن، ويضع كل بيضه في هذا الشأن في سلة روسيا وإيران، وربما النظام السوري نفسه أيضا، وهذا ما يفسر دعم حكومته للاكراد ورفضها عرضا سعوديا خليجيا بإرسال قوات برية إلى سورية تحت قيادة بلاده.

حذرنا في هذا المكان أكثر من مرة من مخاطر الفوضى الدموية في ليبيا التي جاءت نتيجة لتدخل حلف “الناتو” عسكريا لاطاحة النظام فيها، ورغم السلبيات الكثيرة لهذه الفوضى وتدميرها للنسيج الشعبي الليبي، واهدار ثرواته، وتهجير أكثر من ثلث ابنائه إلى دول الجوار التونسي والمصري، إلا أن لها إيجابية واحدة على الأقل، عبر عنها الرئيس أوباما بـ”ندمه” الشديد على تدخل بلاده العسكري، وهاجم بشراسة حليفيه البريطاني والفرنسي، واتهمهما بالفشل في هذه الحرب.

***

الفوضى الليبية، ومثلما جاء في المقابلة، أجبرت أوباما على الاعتراف بأن الحرب في ليبيا كانت “خطأ”، وقال ذلك صراحة، واعترف بأن الذريعة التي استخدمت لتبريرها، وهي إعداد العقيد القذافي لمجزرة في بنغازي، لم تكن دقيقة، أي أنه اقترب جدا من قوله أنها كانت “مفبركة”، وأعاد التأكيد أن نتائج هذا التدخل العسكري في ليبيا الكارثية أوصلته إلى قناعة “أن افضل شيء هو تجنب الشرق الأوسط وشمال افريقيا ولا يجب بأي شكل من الأشكال التورط في حروبهما.

نأمل أن يقرأ “الزعماء” العرب النص الحرفي لهذه المقابلة (36 صفحة) لعلهم يستخلصون العبر منها، وأبرزها أنهم، أو معظمهم، كانوا أدوات في المؤامرة الأمريكية لتفتيت بلدانهم ونهب ثرواتها، و

إغراقهم في صراعات طائفية، وعندما تحقق هذا الغرض، طارت الطيور بأرزاقها، وتبخرت الأموال والودائع، وحررت ثورة النفط الصخري أمريكا من اعتمادها على البترول الخليجي، انسحبت من المنطقة وتركتها تواجه مصيرها.

لا نعتقد أن هؤلاء الزعماء سيأخذون العبر، ويستخلصون الدروس، ويتعلمون من أخطائهم بالتالي، لأنهم يصرون على ارتكاب الأخطاء نفسها، بل ما هو أكبر منها، ومحاولة استبدال إسرائيل بأمريكا كحليف يوفر لهم الحماية من العدو الإيراني الجديد.

رسالة أوباما ستصل حتما إلى الشعوب التي لن تجد فيها أي جديد، لأنها لم ثق مطلقا بالحليف الأمريكي، ولكنها لن تصل إلى الحكام، وإن وصلت فنشك أن يكون لها أي مفعول.

 

صحيفة الرأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/03/12

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد