آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
علي آل غراش
عن الكاتب :
كاتب وإعلامي

القمم العربية في ظل استبداد الأنظمة وقمع الشعوب

 

علي آل غراش

من يراقب الأحداث في دول العالم العربي الكبير من الشرق إلى الغرب لا يجد أرخص من كرامة الشعوب العربية التي تسحق وتداس من قبل الأنظمة الحاكمة التي تتفنن في الاعتقالات التعسفية والتعذيب وسفك الدم العربي الأرخص في العالم. والأسوأ أن تلك الانتهاكات الصارخة ترتكب ضد الشعوب العربية باسم الدين تارة وباسم الوطنية والقومية العربية تارة أخرى من أنظمة تتخذ من الجامعة العربية منبرا لتحقيق مصالحها واستمرار حكمها وقهر الشعوب وتضييع الحقوق العربية كقضية فلسطين والقدس. فمع عقد كل قمة عربية يشعر المواطن العربي بالخوف والقلق من وقوع مصيبة في الأمة، فمن خلال القمم العربية صدرت قرارات بالسماح لأعداء العروبة بشن الحروب على بلدان عربية. والتجييش والتحريض ضد دول عربية، وتأييد أنظمة عربية حاكمة لشن حروب عدوانية وحصار على دول عربية لتدمير البلدان وقتل المواطنين العرب. والسكوت وعدم المبالاة على قيام أنظمة بسحق مواطنيها العرب بسبب مظاهرات سلمية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية. إنها قمم لم تقف مع مصالح الشعوب بل هي تعمل على عكس ذلك لتكريس دكتاتورية واستبداد الأنظمة الحاكمة.

ما فائدة القمم العربية؟

هل ماتت الجامعة العربية وأصبحت بلا قيمة، وكرامة الميت دفنه؟
لماذا تتمسك بعض الأنظمة العربية الغنية ببقاء الجامعة ولو مجرد اسم؟

قمم بلا جدوى

تأسست الجامعة العربية في عام 1945 وعقدت أول قمة عربية في مصر سنة 1946. ولغاية اليوم عقد القادة العرب 39 اجتماع قمة آخرها في مكة المكرمة في شهر أيار/مايو 2019. لم يحقق الشعب العربي طوال تلك الفترة الطويلة أي فائدة فالقمم مصيرها الفشل. فالقمم العربية أصبحت بلا فائدة كما يرى معظم الشعب العربي حسب الاحصائيات الأخيرة، وأنها نسخ مكررة للشجب والتنديد والاستنكار، وغياب نصف القادة، ونوم نصف الحضور خلال القمة والنهاية الفشل لغياب المشروع والأهمية، وأن الجامعة العربية قد ماتت منذ عقود من الزمن، ولكن هناك أنظمة عربية غنية تدفع أموالا طائلة كي لا تدفن الجامعة واستخراج شهادة وفاة لها، لأنها تستفيد من الوضع القائم الضعيف للسيطرة على الجامعة واستغلال جسدها الميت لتمرير مصالحها عبر إصدار قرارات باسم الميت حسب أهوائها كما حدث في قمة مكة بصياغة البيان الختامي بدون مشاركة الجميع، لأنها تملك المال والإعلام لنشر أصداء القمم وقراراتها التي تصدر ميتة ولا تعني للشعوب شيئا، فلا صوت لهم خلال هذه القمم.

بلاد العرب أوطاني… أنشودة طالما رددتها وتفاخرت بها الشعوب العربية من جميع الدول العربية. قبل فترة زمنية بسيطة كانت الشعوب أكثر ارتباطا رغم تمزيق الاستعمار الغربي لخريطة العالم العربي وتقسيمها إلى دويلات ذات حكومات متصارعة فيما بينها فيما هي تتفق وتتعاون في ممارسة الاستبداد والفساد والانتهاكات ضد الشعوب المغلوبة، والسكوت حول اغتصاب أرض فلسطين من جسد العالم العربي عبر احتلالها من الكيان الصهيوني. ومع كل الظلم والظلام والويلات والآلام بقي الشعب العربي الذي يقدر بنحو 400 مليون نسمة يعيش في 22 دولة، يحلم بتحقيق الوحدة العربية عبر تحرير فلسطين والقدس وأن تعود كما كانت واحدة لتشييد وطن حضاري يمثل حقيقة إرادة وطموح الشعوب، فالحلم والمعاناة لكل الشعوب في معظم الأقطار العربية واحدة بين تشرذم وتهميش ومعاناة واستبداد وفساد وغياب للحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.

من المسؤول عن معاناة الشعوب العربية ولماذا يعيشون في حالة غضب وغليان دائم واحتقان بشكل دائم جاهزة للانفجار في أي لحظة في وجوه الأنظمة الحاكمة، وما دور الجامعة العربية فيما يحدث؟

أزمة ثقة

من يتابع أوضاع وأحوال الشعوب في الدول العربية يكتشف بسهولة أن المسؤول عن معاناة مئات الملايين من العرب يعود لسياسة الأنظمة الحاكمة التي تتميز بالدكتاتورية والاستبداد، أنظمة غير قادرة على التطوير بمستوى تطور وعي وثقافة الشعوب. كما يكتشف أن العلاقة بين الشعوب والأنظمة الحاكمة متوترة قائمة على عدم الثقة، فالشعوب دائما تشعر بالقلق الشديد عند اجتماع القادة العرب في قمة ما، كما حدث مؤخرا في مكة بالسعودية أو التي قبلها بشهرين في تونس، إنها قمم تكشف حجم الخلافات الشخصية بين الحكام، فرغم أنهم يختلفون على كل شيء إلا أنهم يتفقون على القمع والاستبداد ضد الشعوب، أنظمة تعمل على التفرقة بين الشعوب والأسوأ استخدام الشعوب كأدوات لتصفية خلافاتها!

من أسوأ أعمال الحكومات العربية ضد الشعوب، هو قيامها بزرع بذور الكراهية بين الشعوب عبر إجبار كل نظام لشعبه بتأييد مواقفه ضد شعوب دول شقيقة كما حدث من قبل أربع دول عربية منها ثلاث خليجية بمحاصرة قطر وشن حملات إعلامية ضد قطر ومنع التواصل بين العوائل في هذه الدول، ومن يقوم بذلك فهو خائن وعميل ويتم اعتقاله ومحاكمته في محاكم متخصصة بالإرهاب، وكذلك لمن لا يؤيد ويدعم الحروب في اليمن وسوريا وليبيا، ويطالب بالحلول السلمية والديمقراطية!

قمة التحريض

في القمة العربية الأخيرة 2019 في مكة المكرمة – بجوار بيت الله الحرام في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك – قامت الدولة المضيفة التي دعت لهذه القمة الطارئة وهي السعودية، باستغلال الدين الإسلامي وموقع مكة، عبر إقامة معرض – شكوى وبكاء – لرؤساء الدول بعنوان حقائق في دقائق لفرض أجندتها على القمة فالهدف من القمة هو التجييش والتحريض ضد اليمن وبالخصوص ضد جماعة انصار الله “الحوثيين” لقيامهم باستهداف محطات وأنابيب النفط بالقرب من مدينة الرياض من خلال طائرات مسيرة؛ كرد على ما تقوم به الرياض من شن حرب مدمرة عدوانية على اليمن منذ خمس سنوات استخدمت فيها السعودية أفضل الطائرات الحربية واقوى الأسلحة من جميع دول العالم، وجلب جنود من دول عديدة من العالم. إنها حرب عبثية حيث فشلت السعودية من تحقيق أي نصر بل دمرت اليمن وجعلت الملايين يعانون من الجوع والمرض وقتل وإصابة الملايين من المدنيين، إنها أعظم كارثة إنسانية تقع في بلد عربي وعلى يد تحالف عربي بقيادة السعودية وببركة من القمم والجامعة العربية أي من الحكومات.

السلطات السعودية دعت لعقد قمة عربية طارئة في مكة المكرمة لمصالحها فقط لأنها تريد دعما عربيا لحربها على اليمن، ولكنها لم تهتم بما يحدث في فلسطين والقدس والعدوان على غزة، وما يخطط له ببيع القضية الفلسطينية في البحرين تحت ورشة السلام والازدهار ببركة سعودية وبتخطيط أمريكي صهيوني، كأول الخطوات لفرض صفقة القرن، وما يحدث في ليبيا من حرب مدمرة وسقوط قتلى وجرحى عرب، ولا بما يحدث في الجزائر والسودان وغيرها من تطورات بعد قيام الشعوب بثورة سلمية أجبرت الحاكم على مغادرة كرسي الحكم في البلدين. إنها أحداث تستحق الاهتمام ودعم الشعوب واحترام الإرادة الشعبية وعدم اللجوء للعنف والسلاح.

عبث وضعف

أثبتت التجارب أن القمم العربية عبثية واستعراضية وكلامية ومجرد شعارات للتنديد والاستنكار بما يتعلق حول من يعتدي على حقوق الأمة كما يفعل دائما الصهاينة الذين يعتدون على دول عربية أو ما يحدث ضد أهلنا في فلسطين المحتلة وفي لبنان وسوريا. فالحكام العرب وعبر القمة العربية دائما يردون على الاعتداءات الصهيونية بدعوتها لقبول السلام، وإسرائيل لا تستجيب لأنها تحصل على ما تريد بيدها وبفرض أمر واقع بالقوة على العرب، فالعرب في حالة ضعف شديد ويتسابقون بشكل فردي للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

ولكن الحكام العرب الضعفاء تجاه الأعداء وعبر القمم العربية دائما يقفون ضد مصالح العرب وبالخصوص الشعوب المغيبة عن المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرارات، وكلما حاولت الشعوب العربية تغيير الحال السيئ إلى حال أفضل عبر القيام بالمطالبة بالحقوق المدنية والسياسية والوحدة العربية من خلال ثورة شعبية، وقدمت التضحيات الجسيمة دماء وشهداء يتم إجهاض الحراك والثورة من قبل أعداء الأمة وبالخصوص من قبل الأنظمة الوحشية أو تقوم دول عبر قرارات القمة العربية بدعم العنف والتسلح في دول باسم الحرية والعدالة ليغرق الشعب في الفوضى وبرك الدماء، بينما هي من تمارس أصناف القمع ضد شعبها.

بعد عقد القمة العربية بأيام وبالخصوص في ليلة العيد قام المجلس العسكري في الخرطوم بارتكاب مجزرة وحشية ضد المتظاهرين والمعتصمين السلميين أمام القيادة العامة، مذبحة سقط خلالها أكثر من 100 شهيد ومئات الجرحى، هجوم كالذي وقع في البحرين ضد المتظاهرين في ميدان دوار اللؤلؤة وكذلك في ميدان رابعة العدوية في مصر. ويأتي هذا الهجوم الدموي الإجرامي من المجلس بقيادة البرهان بعد حصوله على الدعم والضوء الأخضر والخطة لفض الاعتصام الشعبي والقضاء على الثورة الشعبية من القادة الذين التقى بهم خلال مشاركته في القمة العربية بصفته حاكما يمثل دولة السودان حيث استقبل بحفاوة من قبل القيادة السعودية المستضيفة ومن الإمارات حيث حصل على الدعم، كما استقبل بحفاوة في مصر. هذا دليل على دور القمم ضد الشعوب ودعم العنف والتسليح والحروب، ودعم الأنظمة الاستبدادية والقتلة.

في 2010 اندلعت ثورة شعبية في الدول العربية تحت شعار الشعب يريد تغيير النظام، والبداية كانت من تونس، ولكن للأسف الشديد بعض الأنظمة العربية عملت بفكر إجرامي بتغيير بوصلة الحراك والثورة وتشويه سمعته وذلك بالتعاون مع الدول الغربية بدعم الفوضى والدمار والعنف واستخدام السلاح عبر تيارات دموية، والقيام بثورة مضادة لإجهاض أي حراك شعبي سلمي والمساهمة بوصول أنظمة أشد قمعا واستبدادا وفسادا باسم وتبرير الحفاظ على الأمن والاستقرار لتعود حليمة لعادتها القديمة ليستمر قمع الشعب؛ وكل ذلك عقاب للشعب على حراكه وثورته ورغبته بالتغيير.

العنف والحروب

من أسوأ الأساليب التي استخدمت لإجهاض ثورة الشعوب العربية وتشويه سمعتها هي التغذية والترويج للعنف والفوضى والتجييش الطائفي البغيض والتخوين والتفرقة والاعتداء وشن الحروب. وكل هذه الأعمال التي دعمتها بعض الأنظمة الحاكمة الرافضة للحراك الشعبي للتغيير والإصلاح خلال عقد القمم العربية. والأخطر من ذلك إشعال نار الكراهية والعنف والتحريض والتجييش عبر الزج بالشعوب المهمشة والمحرومة من حقوقها ليكونوا حطبا لتلك النار، وحتما من يلعب بالنار لن يسلم منها فإنها ستحرقه عاجلا أو آجلا فهي لا تميز بين الأشخاص ومكون وآخر، وبالخصوص عندما يشعل النار صبيان يفتقدون للحكمة والخبرة والحلم والعلم والدراية.

لقد ارتكبت بعض الحكومات العربية جريمة فادحة من خلال دعمها للعنف والتسلح والحروب في بعض الأقطار العربية لتحقيق مصالحها ضد الأنظمة الحاكمة في تلك الدول، لقد تم هدر المال العربي وسفك الدم العربي وتدمير بلدان عربية وتهجير الملايين من العرب من أوطانهم! وأشارت إحصائيات دولية بأن قيمة ما يشتريه العرب من أسلحة كل عام يزيد عن 100 مليار دولار سنويا. وقالت شركة متخصصة إن السعودية تدفع واحدا من سبعة دولارات تنفق على شراء الأسلحة في العالم. ولو تم صرف جزء من هذه المبالغ على التنمية في العالم العربي لجعله أفضل بيئة للعمل والاستقرار.

لا شك أن السلطات الحاكمة المستبدة والمفسدة في المنطقة هي سبب ما يحدث في المنطقة العربية من مشاكل وأزمات وحروب عبثية وإشعال الأزمات وإثارة للفتن بشعارات وطنية ودينية وطائفية بغيضة، واستهداف للنشطاء والحقوقيين الإصلاحيين السلميين بالاعتقال والقتل.

وتلك لعبة خبيثة وخطيرة من قبل الأنظمة الحاكمة التي تحاول استغلال الوطن والقومية والدين والقمم العربية لمصالحها السياسية. والحقيقة أن الأديان والمذاهب والطوائف بريئة لا علاقة لها بما يحدث.

من يثير الأزمات والحروب والخلافات ويزج بالشعب العربي في وطنه ضد الشعوب العربية في الدول الاخرى لا يهمه الدين ولا مصلحة البشر ولا الأمة ولا الوطن ولا المواطن ولا نجاح القمم العربية، بل هو يستغل الدين كما حدث مؤخرا خلال قمة مكة المكرمة، ويستخدمه لتحقيق مآربه وأهدافه الخاصة التي هي ضد أهداف رسالات الأديان السماوية الحقيقية التي نزلت لمصلحة الناس من كل الأديان والألوان.

المشكلة في السلطات الحاكمة المسؤولة عن فشل القمم نتيجة غياب المشروع العربي الحقيقي الذي يمثل إرادة الأمة العربية، وغياب المعاملة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، وغياب الحقوق والمشاركة الحقيقية للشعوب في تقرير المصير واختيار النظام والدستور حسب إرادتها عبر صناديق الانتخابات المباشرة، وغياب الحرية واحترام التعددية والتنوع وانتقال السلطة بسلمية.

قمع وخوف

الشعوب العربية تعاني في معظم الدول العربية من القمع والاعتقال التعسفي والتعذيب في السجون أو التهجير وسحب الجنسية أو الإعدام الذي هو مصير من ينتقد أو يعارض سياسة السلطة الحاكمة كما يحدث في السعودية.

معظم الشعوب العربية تعاني من مشاكل وأزمات ومنها الدول الغنية، مما أدى الى هجرة الملايين لأوطانهم وتعريض حياتهم للخطر ومنهم نساء والسبب عدم الشعور بالأمان والكرامة واحترام حقوق الإنسان واحترام إرادة الشعب في ظل سيطرة الأنظمة التي لا تترك الشعوب في حالها إذ تعتقل وتعذب وتغيب من ينتقد سياستها وليس فقط من يعارضها. ومن يتمكن من الهرب فالأنظمة القمعية الدموية تلاحقه وترسل فرقا أمنية متخصصة في الاغتيالات والتقطيع لجلب كل من يعارضها في الخارج حيا ذليلا أو ميتا أو مجرد قطع من جثته كما حدث مع الإعلامي جمال خاشقجي الذي تم قتله داخل القنصلية السعودية في تركيا على أيدي فرقة أمنية استخباراتية سعودية متخصصة تعمل مباشرة بتوجيه من مكتب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كما أكدته الأدلة وأجهزة الاستخبارات ومنها الأمريكية.

القمم العربية سيكون مصيرها الفشل في ظل الإصرار على تغييب مصلحة الشعوب وقمعهم وعدم حصولهم على حقوقهم في أوطانهم أولا.

ما يحدث في أغلب الدول العربية من مشاكل وأزمات هو بسبب غياب العدالة والحرية واحترام التعددية والتنوع، والإصرار على تبني فكر أحادي وسياسة ضيقة حسب مزاج السلطات الحاكمة والإساءة والتجييش ضد المكونات والتيارات الأخرى، وتبني ودعم ونشر كل ما يؤدي لقتل التعايش السلمي والتأجيج الطائفي البغيض والعنف والقتل. فتلك الأعمال شعلة من النار ستحرق الجميع وبالخصوص من يشعلها، وهي لا تتناسب مع الدولة الحديثة ودولة القانون والمؤسسات، ودولة تمثل جميع المواطنين، ولهذا لابد من المبادرة بالإصلاح والتغيير الشامل بما يريده الشعب: العدالة والحرية والتعددية والمشاركة المباشرة في إدارة الوطن وانتقال السلطة بشكل سلمي حسب دستور يمثل إرادة الشعب.

جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2019/07/02

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد