آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. عصام نعمان
عن الكاتب :
محامٍ لبناني منذ 1973 يحمل الإجازة في الحقوق ، شهادة الدكتوراه في القانون العام ، شهادة الماجستير في العلوم السياسية ، وشهادة البكالوريوس في الإدارة العامة أستاذ محاضر في القانون الدستوري ، كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية 1979 – 1989

هل أصبح شرق البحر المتوسط ساحة حروب عام 2020 على النفط وعائداته؟

 

عصام نعمان

حروب القرن العشرين كانت تبدأ في أوروبا وتنتهي فيها، منها اندلعت الحرب العالمية الأولى، من البلقان تحديداً، ثم عمّت سائر دول أوروبا وفاضت منها إلى بلدان غرب آسيا. الحرب العالمية الثانية اندلعت من اوروبا أيضاً، من بولونيا وتشيكوسلوفاكيا ثم عمّت دول القارة العجوز وفاضت منها لتغمر اليابان والصين في أقاصي شرق آسيا. حتى حروب كوريا وفيتنام وأفغانستان، يمكن اعتبارها ملاحق للحرب العالمية الثانية، ومثلها الحرب في يوغوسلافيا بعد انفصام وحدتها، ومسارعة دول غرب أوروبا (ومن ورائها الولايات المتحدة) إلى التدخل فيها لتقاسم أراضيها.
حروب القرن الحادي والعشرين لن تبدأ، على ما يبدو، في أوروبا، بل في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط. ثمة أربع ساحات مرشحة في هذا المجال:
*أولاها بين لبنان و»إسرائيل»، ذلك أن الكيان الصهيوني أقدم على إقامة منشآت للحفر، ومنصّات لاستخراج النفط والغاز في المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة شمال فلسطين المحتلة، على مقربة من المنطقة الاقتصادية الخالصة في جنوب لبنان، ما يهدد القطاع 9 (Block9) منها المحاذي لمنصتيّ لفيثان وكاريش الإسرائيليتين. وكان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قد أعلن مراراً إنه لن يتردد في تدمير منشآت «إسرائيل» النفطية في البحر، إذا أقدمت على منع لبنان من استخراج النفط من مياهه الإقليمية، أو حاولت سرقته من باطن القطاع 9.

الصراع الإقليمي وحتى الدولي على الغاز مرشحٌ لتوليد صدامات واشتباكات لا يُستبعد تطورها إلى صراعات مسلحة، بل حروب طاحنة

*ثانيتها بين سوريا والولايات المتحدة، ذلك أن حقول النفط شمال شرق البلاد، على امتداد وادي نهر الفرات والبادية المحيطة به، ولاسيما في شمال شرق دير الزور، كانت قد وقعت تحت سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي، وبعد تحريرها منه، انتقلت السيطرة عليها إلى أيدي تنظيمات كردية سورية تموّلها وتسلّحها الولايات المتحدة، وتمنعها من إعادتها إلى الحكومة السورية. أكثر من ذلك، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنشر قوات أمريكية وسط المنطقة النفطية المشار إليها، وأعلن اعتزام بلاده استثمار الحقول النفطية فيها لمصلحة التنظيمات الكردية التي يدعمها. فوق ذلك، أعلنت تركيا أيضاً اعتزامها المشاركة في عملية استثمار الحقول النفطية السورية، بغية استخدام عائداتها في توطين اللاجئين السوريين لديها في «المنطقة الآمنة»، التي أقامتها في شمال سوريا. وليس من شك في أن مبادرة الحكومة السورية، عاجلاً أو آجلاً، لإعادة سيطرتها على مناطق شمال شرق البلاد، ستؤدي إلى اندلاع الحرب ليس مع الولايات المتحدة وزبانيتها من الكرد السوريين فحسب، بل مع تركيا أيضاً، إذا حاولت منعها من بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني.

*ثالثتها بين تركيا من جهة، ومن جهة اخرى مصر وإسرائيل وقبرص اليونانية، التي وقّعت في ما بينها اتفاقاً على تقاسم خيرات المياه الإقليمية الاقتصادية، التي تحتوي حقولاً من الغاز الطبيعي، كما على مدّ أنبوب غاز تحت الماء يصل إلى اليونان، ويربط هذه الحقول ومنتوجها الغازي بأوروبا. مكمن النزاع هو في ادعاء تركيا أن لها الحق بالسيطرة على المياه الإقليمية الاقتصادية لقبرص التركية، كما في المياه الاقتصادية الممتدة بين شواطئها وشواطئ ليبيا. وعليه، تهدد تركيا بمنع وصول الغاز من منصات ليفثان وكاريش وتمار الإسرائيلية، وحقول الغاز القبرصية والمصرية، إلى أوروبا ما يزجّها في صراعٍ مع كل الدول التي تمتلك حقول الغاز هذه، كما مع اليونان التي يصل اليها أنبوب الغاز المزمع مدّه تحت الماء.

*رابعتها بين مصر وتركيا، ذلك أن تركيا، بادعائها حقوقاً وسيطرة على المنطقة الممتدة من شواطئها الجنوبية إلى شواطئ ليبيا الشمالية، تكون في وارد تهديد حقل ظُهر المصري، الغني بالنفط والغاز، الواقع في منتصف المسافة البحرية بين تركيا وليبيا، الأمر الذي يؤدي إلى اندلاع صراع بينها وبين مصر، خصوصاً بعدما هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنشر قوات في طرابلس غرب ليبيا، لدعم حكومة فايز سراج المتعاونة معه في وجه حكومة بنغازي في شرق ليبيا، الموالية للجنرال خليفة حفتر الذي تدعمه مصر وروسيا والإمارات العربية المتحدة.

إن احتمال انفجار حروب بين الدول الإقليمية الاربع أو الخمس المشار إليها، كما بين اسرائيل وحزب الله، الذي بات قوة اقليمية، لن تقتصر مفاعيلها وتداعياتها على أطرافها فحسب، بل ستشمل بالضرورة دولتين كُبريين تتداخل مصالحهما وسياساتهما بحقوق ومصالح مختلف اللاعبين الإقليميين. فالولايات المتحدة التي تتمركز عسكرياً في سوريا والعراق، وتؤكد جهاراً أنها تسيطر على حقول النفط فيهما، لن تتردد في المشاركة مباشرةً، أو مداورةً في الصراعات، وربما الحروب، بين الأطراف الإقليمية المتنازعة.

دوافعها للتدخل متعددة أبرزها اثنان: دعم «إسرائيل» إذا اقتضت أغراضها الأمنية ذلك، وتمكين الشركات الأمريكية من المشاركة في استثمار حقوق النفط، لا للحصول على النفط نفسه كون امريكا مكتفية ذاتياً منه، بل للحصول على حصة وازنة من عائداته الوفيرة.

روسيا تتمركز عسكرياً في سوريا وتساندها في حربها على التنظيمات الإرهابية، ولاسيما في محافظة إدلب القريبة جغرافياً من قاعدتها الجوية في مطار حميميم قرب اللاذقية، وقاعدتها البحرية في طرطوس. إلى ذلك تساند موسكو دمشق في بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني، ولاسيما على مناطق حقول النفط شرق الفرات، بغية تمكينها من استثمارها، والحصول تالياً على عائدات وفيرة وأساسية لمباشرة عملية إعادة الإعمار.

إلى ذلك كله، فإن ايران لن تتوانى عن مدّ يد العون لكل من سوريا والعراق، إذا ما وجدت أن تدخل الولايات المتحدة عسكرياً فيهما، اياً كانت دوافعها، بات يشكّل تهديداً لأمنها القومي. فهي مهتمة بإضعاف الولايات المتحدة إقليمياً للحدّ من نفوذها، وصولاً إلى تمكين حليفتيها سوريا والعراق من استثمار طاقتيهما النفطية والغازية وصولاً إلى المشاركة في تمويل تنفيذ مشروع مدّ أنبوب نقل الغاز من إيران، كما من سوريا والعراق لاحقاً، إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط وبالتالي إلى أوروبا.

باختصار، الصراع الإقليمي، وحتى الدولي، على الغاز، خصوصاً بعد تعاظم الحاجة إليه كبديل من النفط كونه صديقاً للبيئة، مرشحٌ لتوليد صدامات واشتباكات لا يُستبعد تطورها إلى صراعات مسلحة، بل إلى حروب طاحنة.

بدلاً من اوروبا، مهد حروب القرن العشرين، هل يصبح شرق البحر المتوسط مهداً لحروب القرن الحادي والعشرين؟
جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2019/12/30

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد