آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
صالح السيد باقر
عن الكاتب :
كاتب إيراني

هل كان هذا ما يريده ترامب من ضغوطه على ايران؟



صالح القزويني
المبرر الرئيسي الذي ساقه المسؤولون الاميركيون وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفرض عقوبات على ايران وممارسة سياسة أقصى الضغوط عليها هو تغيير “سلوكها”، وهو التعبير المنمق لارغام طهران على التراجع عن مواقفها وسياساتها تجاه الكثير من القضايا وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وموقفها من الكيان الاسرائيلي.
ففي الثامن من ايار/مايو 2017 اعلن ترامب انسحابه من الاتفاق النووي والبدئ بفرض العقوبات على ايران، بمعني آخر أنه في يوم التاسع من ايار/ مايو القادم ستدخل العقوبات الترامبية على ايران عامها الثالث فهل يا ترى حققت العقوبات والسياسة الاميركية الغاية منها؟
لست بصدد مناقشة ما اذا كان ترامب حقا يريد تغيير السياسة الايرانية أو انه يريد تحقيق غايات أخرى من العقوبات التي يفرضها عليها، فقد ناقشت هذا الموضوع في مقال سابق تكرمت راي اليوم بنشره، وانما سأحاول الاجابة على ما هو معلن من ان الهدف من العقوبات هو تغيير “السلوك” الايراني، فهل يا ترى تغيّر السلوك الايراني بعد نحو عامين من العقوبات؟
الذي دفعني للخوض في هذا الموضوع هو نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم الجمعة الماضية في ايران، وكل متابع للشأن الايراني يعلم أن التيار المبدئي المنافس للتيار الاصلاحي الذي دعم الرئيس الايراني حسن روحاني طيلة دورتين رئاسيتين حقق فوزا كاسحا في هذه الانتخابات.
فوز التيار المبدئي في الانتخابات يوجه ضربة قاصمة لسياسة ترامب تجاه ايران، فهذا التيار وشخصياته ورموزه طالما وجهوا انتقادات عنيفة للسياسة التي انتهجها روحاني تجاه ترامب، وطالما أعلنوا أن المرونة التي يبديها روحاني تجاه ترامب وتأكيده المستمر على ضرورة حل المشاكل بالحوار وتبادل تقديم التنازلات؛ حفز ترامب على المضي قدما في فرض العقوبات وممارسة المزيد من الضغوط، بينما كان يتعين على روحاني اتخاذ سياسة صارمة تجاه ترامب وتجاه الاتفاق النووي، فحتى لو لم تثمر هذه السياسة عن تراجع ترامب عن سياسته فانها ستحفظ لايران كرامتها وعزتها.
لا أبالغ ان قلت ان ترامب وسياسة حكومته ضد ايران لعبت دورا رئيسيا في هزيمة التيار الاصلاحي في الانتخابات التشريعية، باعتباره الداعم الرئيسي لحكومة روحاني ومن المرجح أن تتغير سياسة ايران تجاه الاتفاق النووي بشكل جذري بعد تولي البرلمان الجديد مهامه في ايار القادم، بل ليس من المستبعد أن يطلب البرلمان القادم من الرئيس روحاني اعلان الانسحاب من الاتفاق النووي، فهل يا ترى الضغوط الاميركية غيّرت السلوك الايراني نحو ما يريده ترامب أم ان السلوك تعارض بالكامل مع ما يريده ترامب؟
لدى ترامب أربعة مآخذ على ايران هي (الاتفاق النووي، القدرات الصاروخية الايرانية، نفوذ ايران في المنطقة، موقف وسياسة ايران من اسرائيل) لا شك أن الفوز الكاسح للتيار المبدئي في الانتخابات البرلمانية الايرانية لن ينعكس بشكل مباشر على الاتفاق النووي وحسب وانما سيطال ايضا بقية المواضيع، اذ ليس من المستبعد أن يتخذ البرلمان القادم قرارا بتقديم المزيد من الدعم للاحزاب والقوى الصديقة لايران في المنطقة وخاصة في فلسطين الامر الذي يضاعف من نفوذها.
لقد شهدت المنطقة حدثا مدويا في الآونة الأخيرة ومع أن الادارة الأميركية سعت الى التقليل من أهميته ولكنه الحدث الذي لم تشهد المنطقة مثيلا له منذ عشرات السنوات، وهو اتخاذ البرلمان العراقي قرارا بطرد القوات الاميركية من البلاد، ومع الأخذ بنظر الاعتبار أن معظم الذين صوتوا على القرار هم أصدقاء ايران في العراق، فهل يا ترى سياسة ترامب أثمرت عن تخلي ايران عن نفوذها وتأثيرها في المنطقة ام انها أثمرت عن نتائج عكسية؟
ربما لو لم ينسحب ترامب من الاتفاق النووي ولم يفرض العقوبات على ايران ولم يقترف جريمة اغتيال الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس؛ لما كان البرلمان العراقي قد اتخذ قرارا بطرد القوات الاميركية.
ايران اليوم لاعب اساسي في المنطقة وليس بوسع اميركا ولا غيرها الحد من تأثيرها، بل ان تأثيرها تزايد عندما بدأت الحكومات الاميركية بممارسة الضغوط عليها، وارتفع منحى التاثير الايراني في المنطقة منذ عهد الرئيس الاميركي جورج بوش الابن وحتى اليوم نتيجة تضاعف الضغوط عليها، بل ربما استطاعت واشنطن التفاهم مع طهران حول بعض الملفات عندما تبدي حسن نية تجاهها وتجري مباحثات معها في منأى عن الضغوط والعقوبات والتهديدات.
أما على صعيد المنظومات الصاروخية وعموم القدرات العسكرية الايرانية، فالجميع سمع وشاهد اسقاط ايران لطائرة مسيرة اميركية متطورة وكذلك قصفها لقاعدة عين الاسد بصواريخ محلية، كما انها هددت بالمزيد، ولم تكتف بذلك وحسب بل طالبت القوات الاميركية بمغادرة المنطقة وكل ذلك لم يحدث خلال التزام واشنطن بالاتفاق النووي وانما بعد تخليها عنه وفرض العقوبات على ايران.
وبخصوص الاتفاق النووي الذي تطالب واشنطن بتمديده الى فترة طويلة، فان ايران بدات بعد عام من انسحاب ترامب منه بالتخلي التدريجي عن كل القيود الواردة فيه، والمثير للسخرية ان ترامب الذي انسحب من الاتفاق النووي يندد بتخلي ايران عن بنوده، بينما القاصي والداني يدرك جيدا أن قرار طهران بتقليص التزاماتها بالاتفاق النووي جاء نتيجة انسحاب ترامب منه.
لاشك أن ترامب وصل الى قناعة أن سياسته تجاه ايران لم تجد نفعا بل ان الخسائر التي تكبدها نتيجة هذه السياسة أكبر بكثير من المكاسب، خاصة أن خسارة الهيبة التي تكبدها جراء ضرب عين الأسد لا تضاهيها شيء، كما أن ترامب على موعد لخسائر أخرى ربما أكبر من سابقاتها لو فاز في الانتخابات القادمة وواصل سياسته العدوانية ضد ايران ولم يتراجع عن فرض العقوبات عليها.

صحيفة رأي اليوم
 

أضيف بتاريخ :2020/02/26

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد