آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. وفيق إبراهيم
عن الكاتب :
باحث استراتيجي متخصص في شؤون الشرق الأوسط

ترامب يستنجد بنتانياهو لمعالجة تراجعه الانتخابيّ

 

د. وفيق إبراهيم

هذا الاستنجاد ليس مجرد اتهام اعلامي تقليدي، لأنه يرتبط بالتراجع الكبير في شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مرحلة لم تعد تفصله عن الانتخابات الرئاسية الأميركية اكثر من بضعة اسابيع فقط، حيث هبطت هبوطاً حاداً من 59 في المئة الى 41 في المئة فقط، مقابل تقدّم ملحوظ لمنافسه من الحزب الديموقراطي بايدن.

هنا استشعر الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه ترامب بشبح هزيمة رئاسية مقبلة، قابلة للتدحرج الى انهياره الكبير حتى في الانتخابات المقبلة لمجلس الشيوخ.

لذلك فإن مرحلة التجسيد العملي لتبادل الخدمات بين ترامب ونتانياهو مرشحة للتصاعد بشكل عنيف في هذين الشهرين المقبلين، المزيد من الهدايا الفلسطينية للإسرائيليين مقابل هدايا من اصوات الانجيليين الأميركيين لترامب لكي يستعيد وزنه الانتخابي المتراجع.

ضمن هذه المعطيات تحشمَ وزير الخارجية الأميركي بومبيو عناء سبع عشرة ساعة من سفر جوي بين واشنطن وتل أبيب لعقد محادثات استمرت ثماني ساعات، وسط مناخات الكورونا والكمامات التي فرضت على المتباحثين إعادة كلماتهم مرات عدة لتصبح مفهومة.

للإشارة فإن نتانياهو هو الرجل الأكثر أميركية في تاريخ «إسرائيل»، لأنه من تصنيعها المباشر منذ بداياته في رئاسات حكومات «إسرائيل» في 2009.

وازداد الاهتمام الأميركي به مع مجيء ترامب الذي وهبه تأييداً أميركياً مفتوحاً في صراعه الداخلي مع الفلسطينيين والاحزاب الإسرائيلية الأخرى مقدّماً لها هدايا بضم الجولان السوري المحتل الى الكيان الإسرائيلي وتهويد القدس الى جانب الحاق الأغوار وخمسين بالمئة من الضفة الى الكيان الإسرائيلي ايضاً بشكل تتبعثر فيه الاجزاء الباقية من الضفة المحتلة الى مجرد قرى متناثرة وغير مترابطة فتسقط اهميتها السياسية – الوطنية في القضية الفلسطينية وتصبح مجرد معالم للانتقال الجغرافي من زاوية يحتلها اليهود الى زاوية اخرى مماثلة.

حتى الآن هذا ليس بجديد، لان التأييد «الترامبي» لاستلحاق كامل اجزاء فلسطين بالكيان المحتل يعود الى اكثر من عام ونصف العام ولم يعُد قابلاً للتطبيق بعد تقهقر المشروع الأميركي بتدمير الدولة السورية والصمود الإيراني الكبير امام مشاريع العقوبات والحصار الأميركي وهزيمة الهجوم السعودي – الاماراتي – الأميركي على دولة صنعاء اليمنية.

هذه الانتصارات أرجأت تطبيق صفقة القرن على الطريقة الترامبية اي إنهاء كامل فلسطين بإضافة حل مصري لقطاع غزة او تكبيره من اراضي صحراء سيناء المصرية ليصبح قادراً على استيعاب نازحين مطرودين من الضفة بالتعاون الإضافي مع قدرات الاردن على استيعاب مئات منهم.

لكن العنصر المستجد الذي اعاد صفقة القرن الى دائرة العمل السريع هو تراجع شعبية ترامب، فعادو الهرولة الى صديقه ناتنياهو مستغيثاً وموفداً بومبيو الى فلسطين المحتلة.

هنا يجد الإسرائيليون انفسهم في وضعية المذعور، لانهم يخشون من خسارة صديقهم الحميم ترامب في الانتخابات، فتلجأ الادارة الأميركية الجديدة «الديموقراطية» الى منع تطبيق صفقة القرن إلا بموازاة اعلان دولة للفلسطينيين على قسم من القدس ومعظم الضفة وقطاع غزة.

وهم لا يريدون ذلك، لانهم واثقون من انهيار عربي كبير يجب عليهم استغلاله بأسرع وقت ممكن والدليل ان المناخ الخليجي متحالف معهم بكامله باستثناء الكويت. والسودان انفتح عليهم كذلك المغرب وقسم من تونس بالإضافة الى مصر والاردن والسلطة الفلسطينية. هذا يشجعهم على انهاء الضفة الغربية بسرعة، خصوصاً ان السلطة الفلسطينية لا تستنكر ما يجري إلا في المناسبات الكبرى وتلتزم صمتاً غريباً وتهدد ولا تنفذ شيئاً.

هذه هي المناخات التي تدفع بالإسرائيليين الى تكليف قواهم الدينية الشديدة التأثير على الانجيليين الأميركيين لتحشيدهم الى جانب ترامب؛ وهؤلاء ايضاً هم المطالبون بإعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى، من دون نسيان اليهود الأميركيين المسيطرين على عالمي المصارف والاعلام في الولايات المتحدة الأميركية.

ان تطبيق هذه الخطة التي كانت مؤجلة تستلزم جهوداً إسرائيلية وأميركية قد تأخذ أشهراً عدة بالتوازي مع تطور حملات التحشيد في الانتخابات الأميركية وبمواكبة كامل مراحلها، فـ»إسرائيل» تعتبرها مفصلية في تاريخ تطورها التأسيسي، فإذا كانت نكبة 1948 هي التأسيس الاولي لكيان يهودي تعترف به الأمم المتحدة فإن هزيمة 1967 دفعت هذا الكيان نحو التحضير لالتهام معظم فلسطين واراض سورية ولبنانية مجاورة. وهذا ما اعانهم عليه الرئيس المصري انور السادات الذي أخرج بلاده من الصراع العربي الإسرائيلي في 1979 واخذ مصر الى إسرائيل ولم تعُد بعد.

هناك تاريخان أسهما في تلاحق الانهيارات العربية واولها الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982 الذي طرد المنظمات الفلسطينية منه، مؤسساً لاتفاقي اوسلو ووادي عربة بين الكيان المحتل ومنظمة التحرير الفلسطينية والاردن.

بالمقابل هناك تواريخ تدعم بقاء القضية الفلسطينية الى درجة عالية من القوة وهي انتفاضات الحجارة والعمليات المسلحة في الضفة والمقاومة الباسلة والأسطورية لقطاع غزة وقتال حزب الله مدعوماً من الشعب اللبناني وسورية وإيران ضد «إسرائيل» منذ 1982 او حتى 2006، محرراً جنوب لبنان المحتل ومؤسساً لردع تاريخي مع عدو كان معتاداً على اختراق لبنان ساعة يشاء.

كما ان سورية بإسقاطها للمشروع الأميركي الإسرائيلي الخليجي التركي في ميادينها حمت بلادها على مستويي الدولة والشعب وابقت على القضية الفلسطينية مشروعاً قوياً لإعادة تحرير كامل فلسطين.

يكفي ان الراحل حافظ الاسد رفض عرضاً حمله اليه السادات والأميركيون، بإعادة كامل الجولان الى سورية مقابل اعترافه بـ»إسرائيل».

بدوره الرئيس الحالي بشار الاسد يقاتل منذ 2011 مشروع تدمير الدولة وهو الذي يعرف أن أقصر الدروب لكسب الأميركيين هو الاعتراف بـ»إسرائيل»، لكنه يعتبر فلسطين جزءاً من بلاد الشام والعالم العربي وتحمل الصفتين الاسلامية والمسيحية بالمسجد الأقصى وبيت لحم والقدس وكل ميادين التاريخ الحقيقي للمسيحية الفلسطينية.

هذه المعطيات تدفع نحو ارتفاع حدة الصراع بين الأميركيين والإسرائيليين من جهة وسورية وحزب الله وإيران واليمن والمنظمات الفلسطينية في غزة الجسورة والضفة الغربية وسط تآمر خليجي مصري وحيادية اوروبية وروسية وصينية تؤيد حل الدولتين.

بما يؤكد على صلابة القضية الفلسطينية التي تتراجع حيناً وتقدّم مرات أخرى، لكنها تحمل في مضمونها إمكانات هائلة تشجع على تطوير انتماءاتها المختلفة باتجاه الربط بين علاقات عميقة لتحرير فلسطين مع سورية وحزب الله والأحزاب الوطنية بالارتباط مع كل المقوّمات العربية والخارجية

جريدة البناء

أضيف بتاريخ :2020/05/18

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد