آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. سعيد الشهابي
عن الكاتب :
كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

الصيف في المنطقة والاختلال البيئي

 

د. سعيد الشهابي

قلق شديد من التغيرات المناخية التي تجتاح العالم، خصوصا بعد انتشار جائحة كورونا وما حصدته من ارواح وما احدثته من دمار اقتصادي في اغلب بلدان العالم. هذه التغيرات المناخية لها مصاديق عديدة. فبالإضافة لذوبان الجليد في القطبين، وعطب طبقة الاوزون، هناك الحرائق الهائلة التي اصبحت متكررة الحدوث في بلدان كثيرة آخرها استراليا. تلك الحرائق احدثت دمارا بيئيا هائلا.
ووفقا للصندوق العالمي للبيئة فقد قضت الحرائق الاسترالية على قرابة مليارين ونصف من الزواحف و 189 مليونا من الطيور و 143 مليونا من الحيوانات و51 مليونا من الضفادع. أما الأعاصير التي كثيرا ما ضربت أمريكا وجزر البهاما فتمثل كوارث اقتصادية عملاقة بجانب دمارها البشري. وكان اعصار هارفي في العام 2017 أكبر ظاهرة طبيعية شهدتها أمريكا من حيث التكلفة التي تقدر بنحو 160 مليار دولار، وأدت لإغلاق مراكز التكرير في خليج تكساس التي تقوم بتكرير ثلث النفط الأمريكي تقريباً. كما كان إعصار كاترينا الذي ضرب جزر الباهاما في العام فكان 2005 الأكثر ضرراً وتكلفة من بين أعنف خمسة أعاصير في تاريخ أمريكا، حيث بلغت تكلفته المالية نحو 125 مليار دولار ونحو 1833 قتيلاً.
اما الحديث الأقدم حول ثقب طبقة الأوزون وما أحدثه من ارتفاع درجات الحرارة على سطح الأرض وذوبان الطبقات الجليدية في القطبين الشمالي والجنوبي فقد كان يفترض أن يؤدي لوعي اعمق وأشمل ينجم عنه سياسات تحد من اخطاره. ولكن لم يحدث الا النزر اليسير مما يتطلبه هذا التهديد الكبير للمناخ العالمي. هذه اللامبالاة اكدتها الشابة السويدية، غريتا ثانبيرغ، في خطابها امام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس قائلة: «عندما جئت الى دافوس قبل عام وقلت لكم ان منزلنا يحترق طلبت منكم ان تهرعوا». ولكن لم يهرع زعماء العالم لاتخاذ خطوات حقيقية من اجل وقف التداعي البيئي.
ومن المؤكد ان للسياسات الأمريكية تأثيرا مباشرا على الموقف العالمي. ولذلك ختمت الشابة كلمتها قائلة: «ما يزال منزلنا يحترق، ويساهم تلكؤكم عن العمل في اضافة الوقود للنيران». وتوقفت عند القرار الأمريكي بالانسحاب من اتفاقية المناخ قائلة: «ان انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس قد اغضب وأقلق كل انسان، وجيد ان يحدث ذلك».
الحديث عن البيئة العالمية يجر للتطرق لمعاناة منطقة الشرق الاوسط نتيجة ذلك. ولعل المثال الاوضح الذي يبعث على القلق تصاعد درجات الحرارة في اغلب بلدانه بمعدلات تفوق التوقع. ففي الاسبوع الماضي مثلا لم تنخفض درجات الحرارة في اغلب بلدانه عن 50 درجة مئوية. فمدن المنطقة تعاني من درجات حرارة هي الاعلى منذ ان بدأت عملية التوثيق. فقد تعرضت لضربة حرارية لترفع درجات الحرارة الى معدلات غير مسبوقة، الامر الذي أثار القلق ازاء ما يمثله ذلك من تهديد للدول التي تعاني من اضطرابات اقتصادية. انه ليس امرا جديدا ان يكون صيف المنطقة حارا، ولكن ما يبعث على القلق تصاعد درجات الحرارة الى معدلات غير مسبوقة، الامر الذي فرض تغيرات على نمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ومع انتشار وباء كورونا في العديد من بلدان المنطقة يتعمق الشعور بالمعاناة خصوصا بين الطبقات الفقيرة التي لا تملك ما يعينها على مواجهة التقلبات الجوية وارتفاع درجات الحرارة. وكما ان الشابة السويدية واجهت المسؤولين الذين تجمعوا في دافوس ووجهت لهم لوما لعدم تبني سياسات توقف التداعي البيئي فان لدى نشطاء البيئة والحريصين على المستقبل الطبيعي للمنطقة قلقا وخوفا من المستقبل خصوصا على الصعيد البيئي. فهذه التغيرات لم تأت اعتباطا، بل انها نتيجة لسياسات لم تضع البيئة في حسبانها، خصوصا تلك المرتبطة باستكشاف النفط وانتاجه وتكريره. ويمكن ملاحظة العديد من الاخفاقات التي صاحبت السياسات المرتبطة بالنفط. اولها الاستنزاف غير المقنن او المدروس للمياه الجوفية، الامر الذي ادى الى نضوب الماء من اغلب دول الخليجي خلال نصف القرن الماضي. ولتوضيح الصورة يمكن الاشارة الى ما وثقه المؤرخ البريطاني، لوريمر، في مطلع القرن الماضي. فقد ذكر في كتابه «فهرست الخليج» الذي اصدره في العام 1905 اسماء أكثر من مائة عين ماء في البحرين، كانت مصدرا للشرب والري. اما الآن فلا توجد منها عين واحدة، او اي مصدر آخر للماء العذب.

مع ازدياد الحاجة للماء وزيادة السكان يتصاعد الاعتماد على مصانع التحلية. هذا يعني امورا عديدة:
اولها: تكاليف مالية باهظة، تلوثا بيئيا يتوسع بازدياد عدد تلك الوحدات، ونواقص الماء المقطر، كبديل للماء الطبيعي.
ثانيها: استخدام مياه الأحواض المائية الجوفية بمعدلات اكبر من معدلات تكونها، الأمر الذي يؤدي لاستنزافها بشكل تدريجي حتى يغيض ماؤها تماما. ومن اوجه الاستخدام غير المنطقي ما قامت به السعودية في التسعينيات من التوسع في زراعة المحصولات التي تحتاج لكميات هائلة من الماء كالقمح والحنطة والشعير. بينما يمكن الاستفادة من البلدان العربية او الإسلامية ذات الوفرة المائية للقيام بذلك بدلا من استنزاف المياه الجوفية الضئيلة، كالسودان والعراق.
ثالثها: ان عمليات الاستكشاف والتنقيب والانتاج في مجال النفط ادت لتسرب المياه المالحة من الخليج الى الاحواض الجوفية، فبدأت عذوبة المياه تتراجع في البداية حتى اصبحت الآن غير صالحة للشرب. فجاء النفط بديلا للماء، وهنا يطرح السؤال: ايهما اهم للحياة البشرية: النفط ام الماء؟
رابعها: ان الوفرة المالية التي حدثت في منتصف السبعينيات غيرت طبيعة حياة أبناء المنطقة خصوصا الخليجيين. فقد بدأت موجة بناء غير مسبوقة، وشيدت المباني الشاهقة ورصفت الشوارع، وزادت معدلات استخدام الطاقة، ومن نتيجة ذلك تصاعد التلوث والانبعاث الحراري. وساهم في ذلك غياب سياسات رسمية تحمي البيئة وتمنع التصحر. لذلك كان من نتائج الوفرة المالية اقدام ملاك الاراضي الزراعية على ازالة الاشجار وتحويل المزارع الى مجمعات سكنية، وكانت النتيجة موجة من التصحر حولت المدن الخليجية الى ناطحات سحاب شاهقة على حساب التوجهات الزراعية. فقطعت الاشجار وتوجه الفلاحون للعمل في اعمال اخرى بدلا من الزراعة، وتم الاعتماد على استيراد المواد الغذائية والخضروات والفواكه. وفي الوقت نفسه لجأت الدول الزراعية لاستخدام الاساليب الحديثة من الاسمدة الى الاسمدة الصناعية. وتوازى مع ذلك قيام اغلب دول الخليج لدفن الاراضي البحرية وانشاء جزر للسكن الفاخر بدون مراعاة أثره على البيئة. فردم المناطق البحرية ادى لتدمير مساحات واسعة من الشعب المرجانية التي تؤوي انواعا كثيرة من الاسماك، الامر الذي ادى الى تغيرات كبيرة في المناخ البحري وانماط الاستهلاك. فبدلا من التوجه لاستصلاح الاراضي الصحراوية في الربع الخالي مثلا، توجهت الحكومات لبناء الجزر الخاصة في مياهها الاقليمية، الامر الذي انعكس سلبا على البيئة السمكية.
ثمة صراعات متواصلة للسيطرة على مصادر المياه، وهي صراعات يتوقع الخبراء ان تتحول الى حروب مستقبلية. تمثل «إسرائيل» أحد اطرافها حيث تصر على الاستحواذ على مياه الأنهار كالليطاني وحرمان البلدان الاخرى مثل لبنان من الاستفادة منه. ولا يستبعد ان تتوجه لبسط النفوذ على مياه النيل ودجلة والفرات ايضا طبقا لمشروعها «من النيل الى الفرات». ويعاني العراق من شحة مائية لأسباب عديدة منها بناء سدود تركية عند منابع نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من تركيا ويصبان في الخليج بعد مرورهما بكل من سوريا والعراق. ويعاني هذا البلد من تصحر واسع بسبب انخفاض منسوب المياه في نهري الفرات ودجلة، ساهم في تغير مناخه وارتفاع درجات حرارته بالإضافة للتلوث البيئي الواسع الناجم عن غياب سياسات رسمية للحفاظ على البيئة. وهناك الأزمة المتصاعدة حول مياه النيل بين كل من اثيوبيا والسودان ومصر. فقد قامت اثيوبيا ببناء «سد النهضة» عند مجرى «النيل الأزرق».
لذلك فان محاولة فهم اسباب ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة تتطلب قراءة ملفات التغير البيئي والمناخ في العالم عموما وفي المنطقة بشكل خاص.

صحيفة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2020/08/03

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد