آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

الأمم المتحدة ترضخ لضغوط السعودية وتسحب اسمها من القائمة السوداء


عبد الباري عطوان ..

تراجع الأمم المتحدة، وأمينها العام بان كي مون بسحب التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية من القائمة السوداء المتعلقة بقتل الأطفال وتشويههم، هو استسلام للضغوط المكثفة التي مارستها حكومة المملكة على الأمم المتحدة من خلال حلفائها، وممثلها السيد عبد الله المعلمي، الحق ضررا إضافيا بمصداقية المنظمة الدولية، وسمعتها، وتواطؤها في الحروب التي تستهدف الأبرياء، ولا تلتزم بمعايير حقوق الإنسان، مثلما الحق ضررا بالحكومة السعودية نفسها في أوساط منظمات حقوق الإنسان العالمية، ولذلك فإن الاحتفالات “الرسمية” بهذا الانجاز التي شاهدنا بعضها على وسائل إعلام ربما تكون سابقة لأوانها.

صحيح أن الأمين العام للأمم المتحدة غلف هذا التراجع بالقول إن “السحب” هو إجراء مؤقت، وأن هناك مراجعة مشتركة لما ورد في التقرير لبعض الأرقام والحقائق التي وردت فيه مع حكومة المملكة العربية السعودية وممثليها، خاصة الفقرة المتعلقة بمساواة دولة عضو كالمملكة، مع المجموعات “الإرهابية”، ولكن الصحيح أيضا أن الضرر الذي لحق بالمنظمة الدولية  قد تم، والرسالة قد وصلت فعلا إلى الجهة المعنية، وهي هنا حكومة المملكة.
***
ردة الفعل الرسمية السعودية “المرتبكة” تجاه هذا الاتهام غير المسبوق بقتل الأطفال في اليمن، أو النسبة الأكبر منهم (حوالي 500 منهم و1168 قاصرا)، وتجييشها كل أذرع إمبراطوريتها الإعلامية الضاربة لنفيه، والتشهير بالمنظمة الدولية، تؤكد أن السلطات في الرياض أدركت أن الخطب خطير، والتبعيات أخطر، مثلما أدركت أنها لن تستطيع بعد اليوم إطلاق حمم صواريخ طائراتها الأمريكية الحديثة جدا لقصف المدارس، والمستشفيات، والأسواق، ومعامل تعبئة المياه، ومزارع الأبقار، وقتل ما شاءت من الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء المجوعين المحاصرين في اليمن، ودون أي حساب في الحاضر أو المستقبل.

سحب اسم المملكة من التقرير لا يعني تبرئتها من دماء الضحايا اليمنيين الذين أكدت أرقام الأمم المتحدة أن عددهم زاد عن أكثر من ستة آلاف قتيل، وحتى أن برأتها الأمم المتحدة استجابة لضغوط المال والنفوذ واللوبيات الأمريكية، فأن الشعب اليمني، والتاريخ، ومنظمات حقوق الإنسان لن تبرئ حكومتها، ولا نقول شعبها، من هذه الجرائم المستمرة منذ انطلاق “عاصفة الحزم” وشقيقتها “إعادة الامل” قبل عام وثلاثة أشهر.

أعمال القتل المستمرة من الجو، والبحر، والأرض، موثقة بالصور، ومن قبل منظمات حقوقية عالمية، ولن تذهب هباء، وستوضع في المكان المناسب الآمن، إلى أن تحين الحاجة إليها، وهي قريبة في جميع الأحوال لا يستطيع العميد أحمد عسيري المتحدث باسم “العاصفة” ولا السيد المعلمي أن ينكرا أن طائرات سعودية من طراز “اف 16″ قصفت مستشفى شهار في صعدة، الذي تديره منظمة حقوقية دولية، ومزقت صواريخها أجساد أطباء ومرضى وزوار، وأحد الأعراس في تعز، وسوقا شعبية في صنعاء بحجة استهداف أحد المسؤولين الحوثيين الكبار، والقائمة طويلة.

تقرير الأمم المتحدة المسحوب “مؤقتا”، أدان التحالف “الحوثي الصالحي” بارتكاب 40 بالمئة من جرائم قتل الأطفال، ولكن هؤلاء يدافعون عن أرضهم، في مواجهة عدوان استكباري خارجي، ثم أنهم ليسوا أعضاء في الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، وهذا لا يعني مطلقا أن من حقهم قتل الأطفال والأبرياء، فهؤلاء يمنيون أيضا.

“عاصفة الحزم” فشلت، ولم تحقق أي من أهدافها، بل أعطت نتائج عكسية تماما، وأغرقت الشعب السعودي الذي لم يستشر فيها، في ثأرات من الصعب نسيانها لعقود، وربما لقرون، ومع واحد من أكثر شعوب الكرة الأرضية كرامة واعتزازا بالنفس.
***
عارضنا هذه “العاصفة المسمومة” منذ يومها الأول، وسنستمر في معارضتها، لأننا ننطلق في هذه المعارضة من الحرص على الشعبين السعودي واليمني، ونسعى لحقن دمائهما، ولمعرفتنا بالمآسي التي تسببها الحروب ونتائج التدخلات العسكرية الخارجية “النزقة”، وغير المحسوبة، في شؤون الدول الأخرى، خاصة الضعيفة الفقيرة المعدمة منها مثل اليمن.

الأمين العام للأمم المتحدة ارتكب إثما عندما تراجع بهذه الطريقة المخجلة، وانحاز لضغوط الأقوياء، وعلى حساب دماء الأطفال والعزل، وهذه خطيئة، أو بالأحرى، ربما آخر خطاياه، قبل أن يغادر موقعه إلى عالم التقاعد والنسيان، وستظل دماء أطفال اليمن وأرواحهم تطارده، وتقض مضاجعه، حتى اللحظة الأخيرة من حياته.


صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/06/08

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد