آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
سعادة مصطفى أرشيد
عن الكاتب :
*سياسيّ فلسطينيّ مقيم في الضفة الغربية.

«كوفيد 19» لاعب دولي وناخب ذهبي

سعادة مصطفى أرشيد
 
لكلّ معركة انتخابية رئاسية في الولايات المتحدة خصوصياتها وتفاصيلها المثيرة، وظروفها المتبدّلة حسب حالة البلاد والعالم، يتابعها ملايين الأميركيين وغيرهم من المهتمّين عبر العالم، تتميّز تلك المعارك الانتخابية بالضراوة السياسية واللفظية خاصة في المناظرات العامة بين المرشحين، ولكنها تنتهي بهدوء، حيث يهنّئ الخاسر الفائز ويتمنّى له التوفيق في قيادة البلاد.
هذه الانتخابات تبدو ذات خصوصية استثنائية وظروف لم يمرّ ما يشابهها من قبل، أو ما عرفناه في الأجيال الموجودة، فالمرشحان: أحدهما بايدن العجوز الضعيف، وقد سبق أن جرت تجربته من قبل كنائب للرئيس باراك اوباما، فكان حضوره باهتاً، وحامت حوله شبهات فساد وإشارات ضعف، فيما المرشح الآخر الرئيس ترامب، ليس شاباً، وحامت – ولا تزال – حوله شبهات الفساد والإثراء غير المشروع والتهرّب الضريبي، عرفه الناخب لأربع سنوات كانت عجافاً، بدا خلالها شخصاً مهووساً، غريب الأطوار وعدواني النزعة لا تجاه العالم الخارجي فحسب، وإنما في الداخل الأميركي أيضاً، لا يتورّع عن استخدام مفردات وعبارات خارجة عن قاموس أسلافه من الرؤساء، فيما تصرفاته لا يقبلها الذوق السليم، تراجع في عهده الاقتصاد، وانتشرت العنصرية، وضعفت مؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية، ولم يستطع النظام الصحي التصدّي لجائحة كورونا التي استخفّ بها.
مما لا شكّ فيه أنّ أداء المرشح وما سبق له أن حققه من إنجازات ونجاحات في حياته السياسية والمهنية والشخصية مهمّ لدى الناخب، كذلك فإنّ الناخب يهتمّ أيضاً بإطلالة الرئيس، وأدائه الخطابي والحواري، ولكن من يستطيع إبراز ذلك وتسويقه لدى جمهور الناخبين، هو أولاً شركات العلاقات العامة التي تدير الحملات الانتخابية وتختار لهم ملابسهم وربطات أعناقهم، وتحدّد تسريحات شعورهم، وتكتب لهم الخطابات وتدرّبهم على إلقائها، وتتوقع أسئلة الصحافيين وتضع لها الإجابات النموذجية، وثانياً فإنّ للإعلام ومؤسّساته وشركاته دوراً بالغ الأهمية، من صحافة ورقية وإلكترونية وفضائيات، وهذه الشركات بدورها مملوكة ولها ارتباطها الوثيق برأس المال والمجمعات الصناعية الكبرى وبيوت المال، يُضاف إلى ذلك إنْ لم يسبقه، جماعات الضغط (lobbys) وهي وإنْ كانت لا تعدّ لكثرتها، إلا أنّ أصحاب التأثير المهمّ منها قليل العدد، وأهمّها اللوبي اليهودي ( AIPAC ) وتجمع الكنائس الأنجليكانية، ومجمعات الصناعة الثقيلة والحربية، وشركات النفط العملاقة، ووادي السلكون المنتج للرقائق الإلكترونية، وجماعات حماية المستهلك، وهناك جماعات أقلّ تأثيراً، كجماعات الحقوق المدنية وحقوق المرأة والطفل الجنسية، أو تجمّعات الأقليات من آسيويين ولاتينيين وعرب وغيرهم.
تختلف هذه الانتخابات عن سابقاتها لأسباب متعدّدة، ففي حين تنتهي كلّ انتخابات بشكل سلس وبأجواء احتفالية، يطلق الرئيس ترامب إشارات تفيد بغير ذلك، فهو يطعن بنتائجها من الآن في حال لم يكن الفائز بها، ويتوقع أن تأخذ عملية فرز الأصوات وقتاً طويلاً – جداً بسبب التباعد الذي سبّبته جائحة كورونا، وذلك في وقت تمرّ به العلاقات داخل المجتمع الأميركي بالاحتقان على خلفيات عرقية واقتصادية، وتنتشر العنصرية أو أنها تبعث من جديد عند أنصار ترامب بما يشبه الأجواء التي سادت الولايات الجنوبية عقب الحرب الأهلية، ونبت في تربتها فكر عنصري عبّر عن نفسه من خلال منظمات إجرامية مثل (كولكس كلان)، كما تفيد الأنباء عن إقبال غير مسبوق على شراء وتخزين الأسلحة النارية وذخائرها، بالطبع للاستعمال الداخلي هجوماً أو دفاعاً. ومن الأمور التي جعلت من هذه الانتخابات مختلفة هو الوافد الجديد على العالم وعلى الانتخابات الأميركية، وأقصد به فايروس كورونا، ويتبدى تأثيره على الانتخابات في ظروف عملية التصويت وفرز الأصوات، وفي الفشل وفي معالجته، ثم في إصابة الرئيس ترامب بالمرض وهو الذي لطالما استخفّ به، الأمر الذي مثل مفاجأة أكتوبر الانتخابية (أو إحدى مفاجآت أكتوبر) التي تحصل عند كلّ انتخابات رئاسية وفي هذا الشهر الحاسم.
هذا الفايروس الشرس، والذي لا يُرى بالعين المجردة، أخذ يملك قدرات هائلة، فهو جيش غير مرئي، ولكنه لا يقلّ هو لا عن الجيوش المدعّمة بالأسلحة النووية أو الجرثومية، وأخذ يملك قدرة على تحويل مجرى الانتخابات، إما بشكّ الناخب في قدرات الرئيس المصاب، وإما بالتعاطف معه، كيفما تدار المسألة انتخابياً، وهو لا يقلّ تأثيراً عن جماعات الضغط المعروفة، أو أجهزة الأمن الذكية التي تحمي الرئيس. كورونا سوف يدخل عالم السياسة ولغتها، عنصر جديد من عناصرها بالغ الأثر في صناعة القرارات أو التشويش عليها.

ولما كان ما سبق هو حول كوفيد – 19 المستجدّ، فإنّ فلسطين والمشرق وعموم العالم العربي لا يعانون منه فقط، وإنما يُستزاد عليه كورونا فوق 19 والأكثر جدّة وأذى، فالتحديات التي نواجهها بالغة الجدية والخطورة، ولا نرى من يعمل على مواجهتها إلا منطق الخطاب القديم، والحوارات التي تسودها لغة المداهنة والمجاملة، لا الصراحة والوضوح ووضع اليد على الجرح، إنه تقطيع الوقت من أجل انتظار كوفيد – 19 لمن سيمنح صوته في الانتخابات الأميركية المقبلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة البناء اللبنانية

أضيف بتاريخ :2020/10/08

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد