آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
العربي بجيجة
عن الكاتب :
باحث في جامعة محمد الخامس- الرباط

أردوغان يجهز على دولة القانون

 

 العربي بجيجة ..

لا شك في كون دولة الحق والقانون تتميز بنموذجها الفريد في الفصل بين السلط واحترام مشروعية المؤسسات الدستورية القائمة على مبادئ التأسيس القانوني وشرعته، وجعل قوة القانون فوق كل اعتبار. فلا يمكن محاكمة المتهمين حتى تثبت إدانتهم، ولا تنتهك ضمنها الحقوق والحريات العامة، بل إن الإرادة الشعبية تمثل أحد أسمى تمثلات التعبير عن الإرادة العامة. وإذا كان هذا هو النموذج الحق لدولة القانون، فأين يمكن تصنيف تصرفات الحكومة التركية بعد الأحداث التي عرفتها نهاية الأسبوع الماضي؟

 

إذا ما حاولنا مقارنة ما حصل نهاية الأسبوع المنصرم في تركيا، واختلاف الباحثين في دلالات توصيفه بين من اعتباره “انقلاب عسكري”، وبين من اعتبره مجرد “محاولة انقلابية مفبركة” لتصفية حسابات السلطة مع معارضيها السياسيين والأمنيين والعسكريين بمختلف مناصبه ورتبهم، فإن ما يمكن الخروج به بعد إفشال هذه “المحاولة الانقلابية” على حد تعبير الرئاسة والحكومة التركية بعد ساعات من إعلانها على شاشة التلفزيون الرسمية، أن ما حدث وفي كلتا الحالتين يمثل خطة متقنة الإخراج بسيناريوهات كلها تفضي إلى إدخال تركيا في دوامة العنف والعنف المضاد، ومن ثم خندقتها في حالة اللااستقرار الذي تشهده الدول الإقليمية المحيطة بها، بعدما كانت استثناءا خلال الخمس سنوات الماضية.

 

يمكن الجزم بأن السيد أردوغان قد ابتلع الطعم الذي قدم إليه على سمن من عسل، بعدما كان بين خيارين أحلاهما مر، خيار مهد لإحداث “انقلاب عسكري” يعيد دولة تركيا لحكم الجيش والقبضة الأمنية الحديدة، تفرض فيها حالة حظر التجوال ويتم التضييق على الحريات، يرجؤها سنوات إلى الخلف بعد كل ما قطعته من أشواط في التأسيس لانتقال ديمقراطي رصين، وبين خيار آخر مبني على إفشال “المحاولة الانقلابية” إن كانت بالفعل كذلك، واستعادة الحكومة لزمام الأمور، وجعل هذا الفعل شماعة تعلق عليها تصفية حساباتها مع معارضي الحكم، فتعمل الحكومة على اعتقال المشتبه بهمم في الضلوع في هذه المحاولة “الانقلابية الفاشلة” كمرحلة أولى، ثم تقدم على فرض تضييقات على الحقوق والحريات كمرحلة ثانية، إلى أن تصل إلى فرض حظر للتجوال وجعل البلاد في حالة طوارئ كمراحل متعاقبة لهكذا تدابير تفرض تعميم التمادي في توجه التحكم والسيطرة، لاعتبارات تتعلق أساسا بأن مظاهر “الانقلاب” لم تنتهي بعد.

 

لقد اختار أردوغان الخيار الصعب الذي سيكلفه الكثير في الأشهر القليلة المقبلة، لأنه عمل بعد ساعات فقط من المحاولة “الانقلابية الفاشلة” على حد تعبير الحكومة التركية، إلى فتح لائحة طويلة من الأسماء بين حالة اعتقال وتسريح من العمل وحالة متابعة، والتي شملت العديد من المجالات العسكرية والأمنية وحتى القضائية أيضا، والتي بلغت إلى حدود الآن 6000 عسكري 8000 رجل أمن و3000 قاضي، بالإضافة إلى توقيف رجال تعليم واعتقال صحفيين ومدنيين… والعدد مرشح للزيادة حسب تقدير المعنيين بتحديد هذه اللائحة، ولو أن نجاح الانقلاب كان سيضفي شرعية للحزب الحاكم أكثر مما هي عليه اليوم، فإن الإجهاز عليه بهذه الطريقة من شأنه إفقاد حزب العدالة والتنمية الكثير من بريقه وشعبيته، التي تتوزع بين مشكك في أهداف الحزب من السلطة بجعلها آلية للتحكم والسيطرة، وبين ما أصبح يرى أن الإصلاحات الدستورية ليست في نظر الدائرة الضيقة المحيطة بأردوغان سوى وسيلة للعودة إلى نظام الحكم الإمبراطوري. بعد أن شرع في عملياته التطهيرية في صفوف معارضيه السياسيين والعسكريين، وأن هذه المقاربة ستفرز جدلية من التوتر القديم الجديد بين السياسيين والعسكريين، على مستوى اختلاف تصوراتهم حول طبيعة منظومة الحكم وحدودها، وستطفو على السطح في مستقبل المشهد السياسي في تركيا.

 

وإذا كانت دولة القانون ترتكز على سيادة القانون، واحترام العدالة، وشفافية المحاكمات، واستقلالية القضاة، فإن السلطة القضائية تمثل بحق صمام أمان دولة الحق والقانون والركن الأبرز التي تنبني عليه، وما محاولة اعتقال القضاة سوى إجراء غير محسوب العواقب، من شأنه التأثير على التراكم الحاصل في التأسيس لدولة القانون خلال السنوات الماضية، وهو إجراء يهدف من بين ما يهدف إليه إلى:

 

 أولا: السعى إلى قطع الطريق أمام القضاة المستقلين، الذين من شأنهم التصدي لحالة التعسف والشطط في استعمال السلطة الذي أقدمت عليه الحكومة التركية، من اعتقالات وتسريح ومتابعات.

 

 ثانيا: السعى إلى ترهيب باقي القضاة غير المشمولين بالمتابعة، لأجل ثنيهم عن إتباع المساطر القانونية بكيفية سليمة، التي من شأنها معارضة أعمال السلطة في ما تقوم به من حالات متابعة وإدانتها بفعل شططها في استعمال سلطها، وبالتالي تماشيهم مع مخطط الحكومة من تأييد وتبرير لحملة الاعتقالات القضائية بأحكام قاسية في حق المتابعين.

 

إن من شأن ما تعرفه تركيا أن يؤدي خلال الأسابيع المقبلة إلى حالة من الفوضى، ستمس انقسام الفئات الشعبية على مستوى مواقفها من أعمال الحكومة، التي أظهرت خرقا واضحا للقانون وتجاوزا مفضوحا له بفعل ممارساتها ضد بعض المؤسسات القانونية والدستورية، التي شجبتها العديد من الدول الغربية، دون أن تجد أي مساندة أو دعم من قبل حلفائها على مستوى التدابير التي تقوم بها لمواجهة اثأر العمل الذي طالها نهاية الأسبوع الماضي.

 

ينذر العمل الذي عرفته تركيا نهاية الأسبوع المنصرم إذانا بدخول تركيا لمأزق من الفوضى واللااستقرار الذي يعرفه محيطها الإقليمي، بعدما عرفته العراق وسوريا ومصر واليمن، أفضى إلى حالة من الحروب والاقتتال الداخلي بإيعاز وتدخل ودعم مباشر وآخر غير مباشر من دول أجنبية، هاجسها الأساسي استمرارها في إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط ومن ثم شمال أفريقيا كمرحلة مقبلة، وقد تشكل بداية سنة 2017 بداية حاسمة لواقع جديد بالنسبة للدولة التركية، عنوانه العريض، غياب عوامل الاستقرار.

 

باحث في جامعة محمد الخامس_الرباط

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/07/25

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد