آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
شتيوي الغيثي
عن الكاتب :
كاتب وشاعر سعودي

هشاشة التضخيم ومتانة السيطرة

 

شتيوي الغيثي ..

غالب ما يحصل في السعودية من تراجع وبعض مظاهر المنع التي تحصل من قبل بعض الوزارات مع ضخامة المشاريع التي لا نرى نتائج لها على المستوى الإنساني راجع إلى حالة السيطرة التي تسير في الذهنية العامة

 

يتساءل البعض عن الأسباب التي قادت إلى تراجع الاقتصاد السعودي، ومآلات ذلك على الأوضاع الاجتماعية والثقافية والتنموية في البلد، وهي تساؤلات مشروعة تنتظر إجابات واضحة وتطمينات حتى مع الإعلان عن الرؤية، فهي ما تزال تحتاج إلى رؤية عملية آنية قبل أن تكون رؤية مستقبلية، وإن كنت لست متخصصاً في المسائل التي تثيرها علوم الاجتماع إلا أنه بحكم حجم الأحداث الثقافية والاقتصادية وحجم ما يكتب عن الحالة السعودية من الداخل والخارج فإنه بالإمكان إعطاء رأي في ما يحصل، وباعتقادي أن أحد تلك الأسباب التي قادت إلى ما قادت إليه هو سياسة التضخيم في مقابل هشاشة تحتية لكثير من المستويات في الوقت الذي كان الحديث عن المتانة غائبا تماما، فلم نسمع عن متانة ثقافية أو متانة تنموية بقدر ما كنا نسمع عن مفردات التضخيم أكبر وأطول وأول وأوسع وغيرها، وأدوات التفضيل هذه كانت تصب في تضخيم الحالة أكثر من الحديث عن تمتينها، إذ كان الهم هو الإبهار البصري أو الإبهار الوجداني دون أن تتكئ كل تلك المشاريع على دراسات معمقة تستهدف الإصلاح بدلا عن التضخيم، بحيث يستطيع المجتمع وقبله بالطبع، الدولة من تجاوز أزماتها وعدم اللجوء إلى الحالة الطوارئية التي غالبا ما تكون هي سيدة الموقف العملي في أغلب ما يدور في الوضع السعودي.

 

لقد كان الإنفاق على المشاريع ضخما جدا في كل المجالات، لكن النتائج لم تكن بحجم ما يصرف عليها، وزارة التعليم ووزارة الصحة في السعودية مثلا تحصلان على أضخم ميزانية من بين كل الوزارات حسب ما يعلن في ميزانية الدولة كل سنة، لكن في المقابل فإن النتائج ضعيفة مع حجم الإنفاق عليهما، فلا التعليم قد أصبح على أفضل المستويات ما لم نقل بالتراجع، ولا الصحة تحظى بقابلية في خدماتها، إضافة إلى تراجع خدماتها وضعف بنية بعض المستشفيات، وتعثر بناء مستشفيات أخرى، فضلا عن أن بعض المناطق كالشمال والجنوب لا تحظى بخدمات طبية تساوي كبر المنطقة، مما يلجئ بعض أبناء الشمال إلى معالجة ذويهم في الأردن لجودة ناتج الخدمات الطبية بالمقارنة مع ناتج الخدمات الطبية في السعودية. هذا مظهر من مظاهر ثنائية الضخامة والهشاشة التي ركزت عليها مؤخراً.

 

ليست القضية هي في حجم الصرف ولا بضخامة المنجز الشكلي بقدر ما أن المسألة هي عملية بيروقراطية تستهدف المزيد من إعادة المنجز إلى الدولة نفسها، بمعنى أن التضخيم التنموي هو في شكل من أشكاله تضخيم للحالة البيروقراطية في مؤسسات الدولة المختلفة، وتضخيم البيروقراطية هذا يهدف إلى توسيع نفوذ الدولة وعدم استقلالية أي مجال من مجالاتها عن نفوذها وتغلغلها في القطاعات كافة، سأعطي مثالا على ذلك من الناحية الثقافية التي داخلتها العملية البيروقراطية رغم تضخيم الحالة الثقافية التنموية ـ إذا صح الدمج ـ من خلال وزارة الثقافة والإعلام، فميزانية الوزارة كبيرة جدا، وتصرف هذه الميزانية في عدد من المشاريع الثقافية والإعلامية كل سنة أو ربما كل موسم، لكن الناتج يكون ضعيفاً عادة، فمثلا ميزانية معرض الكتاب في الرياض والذي تشرف عليه الوزارة بدأ في التراجع من ناحية فاعليته الثقافية، إذ بدأت تصادر العديد من دور النشر، إضافة إلى تغييب كتب ودور أخرى لا يتناسب وضعها مع ما تريده الوزارة من توجهات، وقبل أيام أيضا صادرت الوزارة من أحد المقاهي عددا كبيرا من الكتب، رغم أنها قد اقتنيت من معرض الكتاب في الرياض نفسه، والسبب في رأيي ليس في عدم صلاحية ما يعرض من كتب بقدر ما هو راجع إلى الذهنية البيروقراطية التي أفرزتها ذهنية السيطرة، والوزارة جهاز من أجهزة الدولة وتعمل وفق آلياتها.

 

مثال آخر في مجال البلديات، إذ تم منع عدد من المتطوعين في حائل لتشجير مدينتهم، والسبب في رأيي هو ذات الذهنية التي منعت المقهى في الرياض من مزاولة نشاطه الثقافي، فالتطوع لتشجير حائل خارج إطار مفهوم البيروقراطية التي هي سمة من سمات سيطرة الدولة التي هي خارج مفهوم الاستقلالية... وفي مجال الاستقلالية هذه سبق أن كتبت الكثير عن استقلالية المجال الثقافي عن المجالات الأخرى، ولكن كل ذلك ليس إلا حبرا في ورق الصحيفة، لم يتم الالتفات له لأنه يخلخل ما تقوم عليه الوزارة من مفهوم السيطرة.

 

هشاشة البنى التحتية في كل المجالات وعدم متانتها، بحيث يتم هزها بسهولة، يتم تغييبها في حالة التضخيم، وهي في الأساس تضخيم للحالة البيروقراطية التي هي تضخيم لحالة السيطرة، وفي هذا الموضوع كتب نزيه الأيوبي كتابه (تضخيم الدولة العربية)، مرجعا الحالة العربية في توسيع البيروقراطية إلى أنها إيغال في المكانة التقليدية للوظيفة الحكومية، إضافة إلى تنامي الحالة الريعية للدولة، فتحولت الوظيفة الحكومية إلى أشبه ما يكون بالهبة التي تمنحها الدولة الخليجية لرعاياها، لكن بمظهر حديث. (ص 613 ـ 616)، وبالطبع فإن هذه الحالة راجعة إلى تمسك الدولة الحديثة بمفرزات الثقافة العربية القديمة، لكن من خلال أساليب جديدة، وكل هذا، في رأي الأيوبي في كتابه المذكور، يهدف إلى مجال السيطرة بحيث تكون السلطة مركزة في القمة الإدارية (ص 633 وما بعدها).

 

من هذا المنطلق فإن غالب ما يحصل في السعودية من تراجع وبعض مظاهر المنع التي تحصل من قبل بعض الوزارات مع ضخامة المشاريع التي لا نرى نتائج لها على المستوى الإنساني راجع إلى حالة السيطرة التي تسير في الذهنية العامة وتحتاج إلى تفكيك هذا ما لم يمكن أن يكون على المدى القريب المنظور لأسباب عديدة وخاصة جدا، ليس هنا مجال الحديث عنها.

 

صحيفة الوطن أون لاين

أضيف بتاريخ :2016/11/13

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد