آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
قاسم حسين
عن الكاتب :
كاتب بحريني

الغرب الذي يعبث بمصائرنا لمئة عام

 

قاسم حسين

قبل مئة عام رسم الغربيون حدود الدول العربية في المشرق، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، واليوم يعودون لإعادة تقسيم بلداننا إلى أجزاء أصغر، ورسم خريطة الشرق الأوسط الجديد.

قبل أسبوعين، بشّرنا قائدان عسكريان، أميركي وأوروبي، بأن الشرق الأوسط الذي كنا نعرفه، لن يعود كما كان، دولاً وشعوباً موحدة. وتتمة البشارة السوداء بأننا مقبلون على تشكيل دولٍ صغيرة، رُسمت حدودها وفق معايير وتقسيمات طائفية بحتة، تعيش فيها كل طائفة أو أقلية أو أكثرية، في عداءٍ وعزلةٍ عن المكوّنات الأخرى، التي شاركتها العيش المشترك لقرون طويلة. والأدهى أن التقسيم الجديد - إذا نجحوا في مسعاهم - لن يجلب لهذه الدول أمناً ولا سلاماً ولا استقراراً، وإنّما ستعيش هذه الدويلات متطاحنةً لعقود قادمة. إنه مشروع حروبٍ تتناسل في المستقبل لإغراق شعوب المنطقة في مستنقعات من الدم، وليس مشروعاً لإنهاء الصراعات والحروب الحالية.

إنها مشاريع ومخططات دول كبرى، مازالت تنام على أمجادها الاستعمارية، وتفكّر بعقليتها الإمبراطورية، التي تقيمها على أشلاء الدول والشعوب المتخلّفة المشدودة إلى الماضي بعُقده وحروبه وأغلاله الثقيلة.

حدود دولنا العربية التي نعيش فيها حالياً في المشرق، رسمها شخصان أجنبيان، هما وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا، (مارك سايكس، فرانسوا بيكو) لاقتسام منطقة الهلال الخصيب. وقد بدأ الرجلان عملها سراً، في نوفمبر/ تشرين الثاني 1915، وأكملاه في مايو/ أيار 1916، وبذلك قرّرا خلال ستة أشهر، مصائر شعوب المنطقة لمئة عام مقبلة. وويلٌ لأمةٍ يرسم مستقبلها لمدة قرنٍ رجلان أجنبيان.

في تلك الفترة، كانت الدولة العثمانية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وخرجت من الحرب مهزومةً ليتقاسم المنتصرون أراضيها كما تُقتسم الغنائم والأسلاب بين السرّاق وقطّاع الطرق. هذه هي السياسة الدولية ولاتزال.

كانت هذه المنطقة موزّعةً بين ملوك وزعماء متناحرين، وراهنت بريطانيا عليهم في حربها على الأتراك، وقدّمت لهم الأماني والوعود بالحرية والاستقلال. وحين تقرأ كتاب أمين الريحاني «ملوك العرب» مثلاً، ستكتشف عمق الخلافات في أنحاء الجزيرة العربية، من الحجاز وعسير ونجد واليمن بقسميه، الشمالي بقيادة الإمام يحيى والجنوبي الخاضع للاحتلال البريطاني.

هذه الأوضاع والخلافات التي تذكّرك بأوضاع ملوك الطوائف المتناحرين في الأندلس، هي ما استغلته بريطانيا لبسط نفوذها في المنطقة وترسيخ هيمنتها؛ والتفاهم مع منافستها اللدود، على تقسيم الهلال الخصيب، فرسّخت سيطرتها على العراق، واقتطعت فلسطين وإمارة شرق الأردن، وتركت لبنان وسورية للفرنسيين.

اليوم يعود الغرب نفسه، متأبّطاً مشروع إعادة تقسيم المنطقة، وعينه على الجزيرة العربية والهلال الخصيب، قلب الشرق الأوسط. وكما كانت هذه المنطقة محور التغيرات والتقسيمات سابقاً، فإن الغرب يعِدُنا بأنها ستكون محور التغيرات والتقسيمات الجديدة. لقد نشروا الخرائط المقترحة منذ سنوات، والتنفيذ جارٍ على قدم وساق.

في 1915، استغل البريطانيون العرب في الثورة ضد الأتراك، ومنّوهم بالاستقلال مقابل اشتراكهم في الحرب، ولم تكتشف الزعامات العربية الخديعة إلا بعد تحويل هذه الدول الجديدة إلى محميات تشرف عليها وزارة المستعمرات. لقد نام العرب قرناً ليصحو على مشروع تقسيم وهيمنة أخرى.

قبل مئة عامٍ، استغل الإنجليز «الثورة العربية» للتخلّص من السيطرة العثمانية، واليوم يستخدمون «داعش» وأخواتها لتدمير المنطقة وتمزيق شعوبها وتحقيق التقسيم. لقد رسم باراك أوباما خارطة الطريق: «سنطور إستراتيجية جديدة للحرب بدون إرسال جنودنا للميدان، ولا حروب خارجية بعد اليوم».

لا حاجة اليوم لجنودكم، فلدينا الآلاف من الشباب المتطوّعين لتنفيذ خارطة طريقكم للانتحار الجماعي.



صحيفة الوسط البحرينية

أضيف بتاريخ :2015/11/17

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد