آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
صالح زياد
عن الكاتب :
أستاذ النقد الأدبي بكلية الآداب، جامعة الملك سعود .

بطالة الدكتوراة والماجستير


صالح زياد ..

إذا كانت الجامعات تُخرِّج من لا تثق في مستواه، فكيف نثق في قدرتها على اختيار أعضاء هيئة التدريس فيها، وقبول المتقدمين إلى وظائفها الأكاديمية أو رفضهم؟!

الحكايات المتداولة عن عذابات بعض العاطلين من أصحاب الشهادات العليا دالة من أكثر من جهة. فهي دالة على العقبات الكأداء التي اجتازوها للحصول على الدرجة، ودالة على صدمتهم وإحباطهم من غموض سياسة التوظيف في الأقسام الجامعية و"مزاجيتها"، ودالة على تخصصات نوعية يحملونها وبعضها نادر، ودالة على الضائقة التي تعضهم بأنيابها وهم يعجزون عن توفير ضرورات المعيشة لزوجاتهم وأبنائهم.

لن أتحدث عن حكايات لم أقف على حقيقتها، بل سأتحدث عما شهدت حقيقته عن قرب ومعرفة بالتفاصيل، وهي حكاية الدكتور "سين" الذي حظي بفرصة الالتحاق بالبعثات الخارجية إلى أميركا لدراسة الماجستير والدكتوراة في تخصص "العمارة المستدامة"  Sustainable architecture.
يقول: أخذت اتصل بالجامعات السعودية قبل تخرجي، ولم يلتفت إلي أحد. وبعد حصولي على الدرجة أوائل عام 2015، عدت مع أسرتي إلى المملكة وأخذت أراسل القسم المختص في الجامعات وفي غيرها، وأذهب إلى بعضها، من دون نتيجة.

في قسم الهندسة في إحدى الجامعات الناشئة، كان رئيس القسم من إحدى الدول الشقيقة، فقابلني وحين أخذ يقلِّب ملف شهاداتي، سألني عن تخصصي، فتأهبت للإجابة بما يليق، مبتدئاً بتوطئة عن فكرة "العمارة الخضراء" Green building، فقاطعني بسَأَم قائلاً: "آه... زَرْع يعني"!

قرأت بعد مدة لم تطل إعلاناً في موقع أجنبي عن حاجة جامعة خليجية لأكاديميين وخبراء، فأرسلت أوراقي عبر الموقع الإلكتروني المسجَّل. وجاءني اتصال من بريطانيا يجيبني على طلبي؛ فالجامعة الخليجية متعاقدة مع مؤسسة متخصصة لجلب الكفاءات من أنحاء العالم، والإعلان منشور من قبل المؤسسة.

طلب مني المتحدث التوجه إلى موقع محدَّد في برج المملكة في الرياض، وهناك وجدت من استقبلني وفتح شاشة اتصال كبيرة مع لجنة المقابلة في الجامعة الخليجية. قال: وكان مفاجئاً لي أنهم قد اطلعوا على أبحاث نشرتها في مجلات مصنفة في قاعدة بيانات ISI العالمية، واختصوها بجزء من مناقشتهم معي.

وبالفعل انتهت الإجراءات إلى قبول الدكتور "سين" وتوقيع عقد مجز بامتيازاته المالية له، وفازت تلك الجامعة الخليجية به.

إن بطالة أصحاب الشهادات العليا أشبه باللغز لدى من يعانونها من أصحاب الشهادات الذين باءت محاولاتهم المتكررة بالفشل في الانضمام إلى أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، ولدى شريحة عريضة ممن ينظرون إلى أصحاب هذه الشهادات باحترام يليق بجهدهم في الحصول عليها وبالقيمة العلمية التي تؤهلهم لها.

فكل التفسيرات المطروحة تجاه بطالتهم، والأسباب والأعذار والتبريرات المقدمة عنها، تخفق في إساغتها وتبريرها والإقناع بها، وتخلق تعمية والتفافاً على الفهم لها.

وأول ملامح التعمية عليها يكمن في التعميم والإجمال في تفسيرها؛ فالتفسير الرسمي، فيما نَطَق به المتحدث باسم وزارة التعليم، يعزو "معظمها" إلى التخصصات النظرية، ثم يصمت عن تعليل بطالة البقية من ذوي التخصصات العلمية التطبيقية.

هكذا يخصِّص هذا التفسير البطالة في تخصصات بعينها، وينتهي إلى تعميمها وإجمالها باسم هذه التخصصات.

ولا تقف التعمية على التعميم والإجمال، بل تتعداهما إلى ملمح آخر هو المخالفة للواقع، فإذا كانت التخصصات النظرية سبب البطالة لأصحاب الشهادات العليا، فلماذا لم تزل هذه التخصصات في أقدم الجامعات في المملكة وأحدثها على حد سواء، تعيِّن معيدين بالبكالوريوس، وتحوي متعاقدين على درجة أستاذ مساعد.

وكما عزا المتحدث باسم الوزارة سبب بطالة الشهادات العليا إلى التخصصات النظرية، فقد عزاها أيضاً إلى عدم تفرغ معظم من يعانونها أثناء دراستهم للحصول على الدرجة. وهذه تعمية أخرى بحَصْر السبب في عدم التفرغ، ثم في تعميمه على الجميع من تفرغ منهم ومن لم يتفرغ.

وليس عدم التفرغ شرطاً في التعيين على الوظيفة، بل هو شرط في بعض الجامعات للدراسة في مرحلة الدكتوراة. فالماجستير ليست مشروطة بالتفرغ، ولم تكن الدكتوراة مشروطة بذلك إلا بعد تعميم نظام جامعة الملك سعود على الجامعات في المملكة.

وأظن أن اشتراط التفرغ للحصول على الدرجة في التعيين على وظيفة، هو لغز في حد ذاته، إلا إذا كان لهذا الشرط نتيجة إيجابية فارقة يمكن قياسها بانتظام بين المتفرغ وغير المتفرغ من الحاصلين على شهادة عليا، وهذا ما لا يستطيع أحد إثباته.
أما إذا تجاوزنا التعمية في التعليل لبطالة الشهادات العليا، بتعميم نسبة البطالة إلى التخصصات النظرية، وإلى عدم التفرغ في الحصول على الدرجة، فسنجدها في تفسير آخر متداول يعزوها إلى جامعات التخرج.
وهنا تُنسَب البطالة إلى الحاصلين على الدرجات العليا من الداخل أو من جامعات عربية، في مقابل الحاصلين عليها من أوروبا وأميركا وأستراليا وغيرها، ضمن مشروع خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الذي تنظمه وتشرف عليه وزارة التعليم.

والتعمية هنا، مثلها هناك، ناتجة عن التعميم والإجمال وعن مخالفة الواقع؛ فالعديد من خريجي الابتعاث الخارجي يعانون من البطالة مثلما يعاني العديد من خريجي الداخل. وقَصْر نسبتها على خريجي الداخل، والصمت عن بطالة خريجي الابتعاث، يعمِّي على السبب باجتزائه ثم تعميمه.

وهذا يقودنا إلى حالة يصعب فهمها لدى الجامعات السعودية، وهي انعدام ثقتها في خريجيها الذين تمتلك تصميم برامج دراستهم ومعايير قبولهم وامتياز أساتذتهم وشروط تخرجهم وحصولهم على الشهادة.

فإذا كانت الجامعات تُخرِّج من لا تثق في مستواه، فكيف نثق في قدرتها على اختيار أعضاء هيئة التدريس فيها، وقبول المتقدمين إلى وظائفها الأكاديمية أو رفضهم؟!

وكيف نفهم رفضها للدكتور السعودي الذي حصل على درجته من جامعة عربية، في حين تقبل التعاقد مع أشقائه العرب الذين تخرجوا من نفس الجامعة التي تخرَّج منها؟!

إن من واجب الجامعات –بالطبع- أن تسد منافذ التسرب إلى هيئاتها الأكاديمية على عديمي الكفاءة والتأهيل، ولكن ذلك لا يحدث من دون معايير عملية وليست شكلية، وقياسية على الجميع وليست "مزاجية" وتكون نتائجها معلنة وإجراءاتها واضحة وشفافة.

لا يمكن قياس كفاءة حاصل على الدكتوراة، بالرجوع إلى تقدير تخرجه في البكالوريوس، ولا حاجة للاستدلال على جدارة تأهيله وصدقية شهادته، بتفرغه للدراسة وحصوله على إذن من عمله.

لذلك فإن الهمّ الذي يؤرق العاطلين من أصحاب الشهادات العليا، أكثر من عطالتهم، هو في عدم عثورهم على إجابة مقنعة لسبب رفضهم وعدم الالتفات إليهم والمبالاة بهم.

كل إجابة لا تطعن بالبرهان في كفاءتهم العلمية ليست إجابة مقنعة عنهم ولهم. وكل إجابة تكذب في وصفهم وفي وصف الواقع الأكاديمي الذي يحتاج إليهم، تقوِّي ثقتهم بأنفسهم وثقتنا بهم.

لم تكن تلك الجامعة الخليجية لتقبل بتعيين الدكتور "سين" لو كان دون مستوى الكفاءة والتميز الذي تحرص عليه وتملك الخيار بشأنه على مستوى العالم. لكنها لم تكسبه إلا بعد أن فرطت فيه جامعاتنا وأضاعته. وإذا لم يكن ضياع أمثاله جناية توجب المساءلة والتحقيق وتقتضي إصلاحاً ومتابعة من أعلى المستويات في الجامعات والوزارة، فإن المأزق يتسع ويكبر... وقانا الله الشر.

صحيفة الوطن أون لاين

أضيف بتاريخ :2017/02/19