آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
فايد العليوي
عن الكاتب :
كاتب سعودي، بكالوريوس لغة عربية ، صدر له كتاب بعنوان (الثقافة السياسية في السعودية)

ليس فقط وزير التعليم!

 

فايد العليوي


يتفق معي كثيرون أنه لا يوجد سبب اقتصادي أو اجتماعي وراء تخلف التعليم لدينا، فموازنة التعليم خلال عقد كامل ربما توازي موازنة الدولة بأكملها في فترات سابقة، كما هو الحال في الوضع الاجتماعي؛ فلا يوجد تيار اجتماعي منغلق - خارج منظومة التعليم - يمكن أن يعرقل تطور التعليم في السعودية.

دخلت الجغرافيا التعليم بعدما كانت محرمة إبان فترة تأسيس الدولة وتعلمت المرأة ودخلت مادة اللغة الإنجليزية في الابتدائية ولم يعترض أحد أو بالأحرى ليس بوسع أحد أن يمنع ذلك.

برأيي تخلف التعليم لدينا يعود لإدارة ملف التعليم في البلد والتي من الضروري أن تتغير.

أولا مجاملة فئات داخل منظومة التعليم، إما لأنها نخب بيروقراطية خدمت طويلا في القطاع العام، وأن هذه النخب تستحق نوعا من التقدير والتغاضي عن عجزها في تطوير التعليم.
أو لأنها نخب دينية ترى أن لها نوعا من الوصاية على منظومة التعليم في البلد.

الأمر الآخر هو أن الحكومة لا تزال تأمل تطوير التعليم ورفع مخرجاته قبل تطوير المنظومة الإدارية المرتبطة بالتعليم، وكما يعلم الجميع أن كثيرا من شؤون التعليم لا علاقة لها بوزارة التعليم وإنما بالحكومة مباشرة، مثل توظيف الكوادر، مما يسبب عجزا في عدد المعلمين، وآلية الصرف التي لا زالت تحت رحمة وزارة المالية، وإدارة الموارد وترسية المناقصات التي عفا عليها الزمن، والتوزيع الديموغرافي في البلد وتخطيط المدن الذي بفعله لا تستطيع الوزارة تقديم خدماتها بنفس الجودة مع وجود المركزية الحالية.

لذا من الضروري أن توزع فئات المدارس على سبيل المثال إلى ثلاث فئات لا أكثر: فئة 1000 طالب في المدن وفئة 500 طالب للمحافظات وفئة 200 طالب في أكبر المراكز.

أما في التوزيع الحالي فمدارسنا الحالية مجرد كتاتيب وزوايا تشبه زوايا الطرق الصوفية، فترهق الموازنة ولا تستطيع الوزارة تجهيز مبان تليق بتعليم الإنسان.
وفي هذا الموضوع يحكي لي صديق من جنوب أفريقيا عندما سألته عن توزيع المدارس في كيب تاون فذكر لي شيئا مشابها لما ذكرته، فيقول درست الثانوية في مدرسة تضم ألف طالب ونحو 100 معلم مع بقية الكادر المتخصص بالشأن النفسي والاجتماعي والتقني فضلا عن تمتع المبنى بمسابح وصالات رياضية ومعامل وتجهيزات لا تتمتع بها أفضل مدرسة خاصة أجنبية في المملكة.

حقيقة أصابتني خيبة أمل عندما تذكرت مدارسنا الجافة التي كما لو أنها معسكرات اعتقال، ولا ألوم الطلاب حقيقة عندما يتباشرون بتعليق الدراسة.

الأمر الآخر المهم هو نظام الترقيات والتأهل الوظيفي، فجميعنا نعلم أن جامعاتنا وإدارات التعليم والوزارة نفسها مع النظام الإداري الحالي أصبحت مرتعا للصراع على المناصب والشللية.
وهذه أمور قادرة على إفشال أكثر الوزراء كفاءة.

وهناك أمر جديد ظهر على الهيكل الإداري مؤخرا، ألا وهو ظاهرة «نائب الوزير» التي انسحبت على الجامعات وبقية الأجهزة الحكومية.
فالذي لاحظته أن العمل مع كثرة النواب قد تعطل على عكس ما هو متوقع.
والسبب ببساطة أن النواب تركوا العمل وباتوا يتعاركون على المنصب الأعلى وهلم جرا!الأمر الأخير هو الرؤية الإستراتيجية، فبعد إلغاء المجلس الأعلى للتعليم ربما يخول وزير التعليم بوضع إستراتيجية مناسبة كخطة عمل ويرفعها لمجلس الوزراء، ولا نعلم ربما يغادر هذا الوزير بعد أقل من سنة، ووزارة التخطيط عودتنا أن تضع خططا خمسية للحكومة منفصلة عن الواقع، خصوصا في مجال التعليم، وباتت تقدم خططا عبارة عن مجرد تعبير إنشائي بعيد عن إمكانات وظروف الحكومة.

في هذه الحالة الوزارة أصبحت حقل تجارب ذاتية لوضع الخطط.
فمثلا أقر نظام الإشراف الالكتروني وخلال مدة ألغي وأقر نظام نور، وهناك نظام حسن ونظام الاختبارات التحصيلي ومع غياب نظام الكتروني للخطابات الرسمية أصبح تصوير الخطابات الرسمية ضوئيا وإرسالها عبر الإيميل الوسيلة الفاعلة! وعندما لا يجد المشرفون الهاربون من ميدان التعليم شيئا ليقدموه أصبحوا يهتمون بالشكليات، فالمفتش تغير اسمه إلى موجه تربوي ثم إلى مشرف تربوي، ومدير المدرسة أصبح القائد المدرسي، والتقويم الشامل تحول إلى منظومة الأداء الإشرافي، وأروقة إدارات التعليم تغص بالمعلمين الهاربين من الميدان بسبب كآبته والذين تحولوا إلى مشرفين يتفلسفون بين الفينة والأخرى على زملائهم المعلمين البؤساء القابعين في التعليم.

ولو الأمر بيدي لألغيت شيئا اسمه إشراف تربوي وأسندت مهامه إلى مدير المدرسة.
كل ذلك يجري بسبب عدم وجود إستراتيجية عليا للتعليم، وهنا بات من الضروري أن يكون هناك جهاز استشاري أو مركز أبحاث ودراسات يضم الكوادر المؤهلة في الخارج وتكون على اطلاع مستمر بالتعليم في الدول المتقدمة يرتبط برئيس مجلس الوزراء مباشرة ليقدم الخطط والدراسات والأبحاث والرؤى الإستراتيجية الثابتة ولا يتأثر بتغير الوزير.
بشرط ألا يكون من رجيع الوزارة أو النخب البيروقراطية التي أثقلت كاهل النظام الإداري.

صحيفة مكة

أضيف بتاريخ :2015/12/17

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد