بنر العيد

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. خيام الزعبي
عن الكاتب :
كاتب سياسي

ترنّح داعش... يفرض على أميركا الحضور بقوة

 

د. خيام الزعبي

 

تساؤلات كثيرة عن أسباب تحفّز الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتحرّك في هذه المرحلة باتجاه التدخل المباشر في سورية؟ وكأنّ الرؤساء الأميركيين لم يسمعوا بما فعله داعش طوال السنوات القليلة الماضية، وما زال رغم تآكل قدراته يواصل ارتكابه مجازر وجرائم ضدّ الإنسانية في سورية والعراق في حدود ما تسمح له تلك القدرات بذلك.

مما لا شك فيه، أنّ ما حدث في سورية من مفاجآت لم تكن في حسبان أميركا وحلفائها والتي من أبرزها صمود سورية وقدرة جيشها وصلابته في مواجهة مخططاتهم الإجرامية وتنظيماتهم الإرهابية ومجاميعهم التكفيرية، الأمر الذي حال دون تحقيق مشروعهم في المنطقة، رغم تعويلهم على أخطر هذه التنظيمات وأكثرها شراسة وعنفاً وإجراماً «تنظيم داعش» الذي أصيب بشيء من الضعف والوهن والترنّح أمام الضربات التي تلقاها من كلّ القوى التي تقف صادقة في مواجهة الإرهاب، وهذا ما أحدث شعوراً لدى الأميركيين بضرورة التدخل المباشر في سورية، وما كان لهذا التدخل وبهذه الطريقة أن يكون لو أنّ هذا التنظيم في حالة تمدّد لا تبدّد.

ومن هنا نرى أنّ التحرك الأميركي جاء لاعتبارات لا علاقة لها بالقضاء على داعش أو حتى إضعافه، بل تريد واشنطن أن تدخل على خط الجيش السوري وحلفائه الذين يحرزون الآن في الميدان انتصارات عظيمة على مرأى ومسمع من كلّ العالم، فالحقائق على الأرض تؤكد أنّ محور المقاومة غير عابئ بالتهديد والوعيد الأميركي بعد أن تمكن من إفشال المؤامرة، وهو ما جاء على لسان وزير الخارجية السوري وليد المعلم عندما تحدث عن أولوية عمليات البادية السورية في وقت أعلنت فيه واشنطن تعزيز وجودها في منطقة التنف السورية.

في الآونة الأخيرة، وضع الرئيس الأميركي خطة لإقامة مناطق آمنة في الأماكن التي يتمّ تحريرها من عناصر «داعش»، وعلى هذا الأساس كانت هناك إرادة أميركية تقضي بانسحاب عناصر داعش من الرقة باتجاه البادية ودير الزور، وطبعاً الهدف من هذا الانسحاب هو السيطرة على مدينة الرقة، الأمر الذي تحتاجه الإدارة الأميركية للقول إنّ استراتيجيتها على مستوى محاربة الإرهاب والتطرف ناجحة، بالإضافة إلى تحقيق هدف أميركي آخر، وهو عرقلة التقدّم الذي يحرزه الجيش السوري وحلفاؤه في البادية، بغرض تحقيق رغبتها بالسيطرة على المناطق المتاخمة للحدود السورية العراقية، لكن جاء الردّ الروسي – السوري الموجع عبر استهداف عناصر «داعش»، التي كانت قد انسحبت في الأيام الماضية من الرقة باتجاه دير الزور ومنها إلى ريف حمص الشرقي، ليثبت أنّ ما كان يفعله التنظيم بقيادة أميركا ما هو إلا لمحاولة الوجود على الساحة وادّعاء كاذب لمحاربة الإرهاب.

على خط مواز، بدأت واشنطن بتجهيز أعداد كبيرة من المسلحين للقتال إلى جانبها وتمّ إعداد مراكز تطوّع وتدريب لرفد هؤلاء أثناء المجابهات مع الجيش السوري، خاصة مع استمراره في التقدّم نحو البادية السورية والمعابر الحدودية مع العراق، الذي استطاع السيطرة على مساحات شاسعة من البادية في أرياف حمص ودمشق، بالإضافة إلى التمدّد في ريف السويداء الشمالي الشرقي، وذلك لمنع الأميركي من التمدّد داخل البادية، ثم إمساك الحدود السورية – العراقية وتحقيق التواصل البري مع «الحشد الشعبي» العراقي، ومن ثم محاصرة مدينة دير الزور وتحريرها من داعش وأخواته، بذلك فشل الأميركان من التمركز في البادية لسرعة استدراك الموقف من قبل الجيش السوري وحلفائه، الذي لم يعط للأميركان وحلفائهم الوقت الكافي لإتمام تحضيراتهم وخططهم وتطبيقها، بل جاءت عمليات الفجر الكبرى التي قام بها محور المقاومة لتحطم بسرعتها المخططات الأميركية الخبيثة للتمدّد إلى عمق البادية السورية والسيطرة على الحدود السورية العراقية لمنع التقاء الجيش السوري بالقوات العراقية.

 

في المحصلة، نجح الجيش وحلفاؤه في تكريس معادلة جديدة من خلال رسم خط لجبهة تبدأ من شمال غرب الطبقة بشكل مباشر وتصل إلى منطقة الجنوب، هذا الخط سيستكمل بانتهاء العمليات في جنوب تدمر وشرق القلمون التي أدّت إلى تحرير مناطق واسعة، وإصابة الجماعات المسلحة المدعومة من واشنطن بنكسات كبرى ترتّب عليها تبدُّد مئات المسلحين في الصحراء تحت نيران القصف الجوي الروسي، وتقدّم الجيش السوري، بالإضافة إلى فتح طريق دمشق -تدمر القديم الذي يعتبر أقصر من حيث المسافة لجهة الإمداد من الطريق الذي كان يربط دمشق بتدمر عبر حمص. في المقابل يقوم الجيش السوري بفتح معركة مزدوجة في ريف حماة الجنوبي الشرقي حيث يتقدّم باتجاه الجنوب الشرقي والغربي، وهذه العمليات تستهدف تطويق الجماعات المتطرفة بكافة أصنافها وانسحابها باتجاه الشرق، وفي هذا الاتجاه تراقب «إسرائيل» نتائج المعارك الجارية بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة وهناك تقديرات يومية وجمع للمعلومات لما يجري في الميدان، تؤكد أنّ إمكانية حسم هذه المعارك لصالح الدولة السورية كبيرة، خاصة مع وجود الضغط غير المسبوق، وتناقص قدرة العديد من الأطراف على تقديم الدعم لهذه المجموعات.

تأكدت واشنطن أنّ الرياح لا تتحرك في صالحها، وأنّ نتائج الحرب لم تحقق أهدافها، وأنّ استمرار التصعيد ربما سيورّطها في الحرب التي أرادت التلويح بها، هذه الاحتمالات المرعبة أجبرت القوات الأميركية على وقف زحفها نحو الأراضي السورية، ومن المؤكد أنّ جنرالات البنتاغون قد أوضحوا للرئيس ترامب أنّ الرئيس الأميركي الأسبق بوش الابن لم يربح حربه مع العراق، رغم نزول الآلاف من المقاتلين الأميركيين على أراضي العراق، وأنّ الرئيس السابق أوباما لم يربح حربه مع سورية رغم استعانته بمئات آلاف المسلحين من مختلف الجماعات التكفيرية، والذين تدعمهم دول حلفاء أميركا بالمال والسلاح.

مجملاً… اليوم سورية لا تحتاج إلى شهادة من إعلام الغرب وحليفه لتؤكد أنها تنتصر، فنحن نفهم عمق الخيبة التي يشعر بها الأميركان، وحجم الصدمة بالهزيمة التي حلت بهم بعد أن قدّم الشعب السوري نموذجاً في الصمود والتضحية والفداء بكلّ ما يملك من أجل أن تبقى سورية منيعة قوية بجيشها الذي سطر كلّ أنواع الملاحم البطولية لتبقى سورية قلعة الأسود تنكسر على أسوارها كلّ المشاريع وتتحطم على أبوابها مخططات أدواتهم، لذلك نستطيع أن نضع أيدينا في «ماء بارد» لإدراكنا إدراكاً يقينياً بأنّ أميركا واستراتيجيتها ستلقى ذات المصير وذات الفشل الذي لقيته أدواتها في سورية، وبهذا يتمّ إسقاط أول هدف من أهداف العدوان على سورية والمتجسّد بمحاولة خلق حواجز تعزل الشعب السوري عن المقاومة ونهجها المقاوم، لذلك ستظلّ دمشق دوماً رأس حربة في وجه أميركا والحصن المنيع بوجه الكيان العبري وبوجه إجرامه.

باختصار شديد، ستزول داعش والإرهاب من سورية لكونها أداة مأجورة للضغط والترهيب لتحقيق مكاسب سياسية انتهى مفعولها بعد تثبيت أساس وحدة سورية عن طريق الحوارات واللقاءات الوطنية بين أبناء شعبها، كما أثبت الجيش السوري للعالم أجمع بأنه الأقدر على لجم أميركا ومن يلفّ لفها أمام الكواليس وخلفها.

 

جريدة البناء

أضيف بتاريخ :2017/06/19

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد