آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. خالد رمضان عبد اللطيف
عن الكاتب :
* كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

ماذا تعني المواجهة الأمريكية الإيرانية للأسواق العالمية؟

 

د. خالد رمضان عبد اللطيف

أشعلت عملية اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس القيادي بالحشد الشعبي العراقي، الأسواق العالمية، بعدما أعادت تلك العملية المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، الغنية بالمحروقات، إلى الواجهة مجدداً كمؤثر فاعل وأساسي في حركة التداولات في أسواق النفط والذهب والعملات والبورصات العالمية، فماذا تعني توترات الشرق الأوسط للأسواق العالمية؟.

تحولت الأسواق بلمح البصر من التفاؤل إزاء الاتفاق التجاري بين الصين والولايات المتحدة، إلى الخوف من الضربات الجوية الأمريكية التي أفضت لمقتل الجنرال الإيراني، فارتفع النفط، بينما حلقت أصول الملاذ الآمن بداية من الذهب، وانتهاء بالين، وهبطت العقود الآجلة الأمريكية، وافتتحت الجلسة الأوروبية على انخفاض، وتباينت الأسواق الآسيوية.

أسعار النفط، كانت الأكثر تفاعلاً مع الحدث الجلل، نظراً إلى أن العراق يصدر حوالي 3.4 مليون برميل يوميا من الخام معظمها من ميناء البصرة في الجنوب، أي حوالي 5 في المائة من الإمدادات العالمية، فقفزت العقود الآجلة لخام مزيج برنت القياسي ثلاثة دولارات عند 69.16 دولار للبرميل لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ أيلول (سبتمبر) ، بينما زادت عقود الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط 2.60 دولار، بما يعادل 4.17 في المائة لتسجل 63.78 دولار للبرميل.

وكانت شركات الطاقة في المنطقة الرابح الأكبر، إذ ارتفعت أسهم شركة سانتوز في سيدني بأكثر من 2% ، بينما ارتفعت أسهم بتروتشاينا الصينية المدرجة في بورصة هونج كونج 2.8%.

وبعودة المخاطر الجيوسياسية على صعيد المعروض النفطي في الشرق الأوسط تكون أسواق النفط قد دخلت مرحلة جديدة وبالغة الحساسية، فقد أصبح هناك خطر دائم من أن تصبح بغداد، المنتج النفطي الكبير، وثاني أكبر منتج في منظمة أوبك بعد السعودية، ساحة صراع مشتعلة بين واشنطن وطهران.

الوضع كان مغايراً في البورصات العالمية التي تفاعلات بالانخفاض في ضوء عدم اليقين وتصاعد قلق المستثمرين من الانعكاسات المحتملة للتوترات في الشرق الأوسط، خاصة وأن الأمر في جوهره يعد أكبر من مجرد صفعة لإيران، حيث يمكن ببساطة أن يكون الشرارة التي  يمكن أن تشعل حربا جديدة في المنطقة، ولذلك هبطت بورصة لندن 0.42 في المائة، وخسرت بورصة باريس 0.52 في المائة، بينما تهاوت بورصة فرانكفورت 1.50 في المائة.

ودفعت الأزمة المستثمرين إلى التوجه إلى الخيارات الأكثر أمانا، وبالتحديد رالي الذهب القوي، والين الياباني، وهما من الملاذات الآمنة الكلاسيكية، حيث ارتفع الين 0.6% مقابل الدولار، ومن المؤكد  أن أسواق العملات الآسيوية ستظل تحت ضغط بعد انعكاس معنويات المخاطرة، ويبدو أن الدولار سيجد له موطأ قدم، لأن تصاعد التوترات ستحفز جني أرباح للعملات الآسيوية، ولهذا فإنه يمكن أن  يرتفع الين  الياباني إلى مستوى 106 مقابل الدولار بنهاية الربع الأول، كما أن المخاطر الجيوسياسية تحدث صدى عميق في الأسواق نظرًا لإجازات نهاية الأعياد في الغرب.
ومثلما فعل الين الياباني، فعل الذهب الذي ربح أكثر من عشرين دولاراً بمعدل 1.35% ليصل إلى 1548 دولار للأونصة، وهذا هو أعلى معدل ارتفاع للمعدن الأصفر منذ نحو سبع سنوات.

ونتوقف عند الذهب، الذي يحظى بشعبية كبيرة في الدول العربية، حيث يمكن أن تظل أسعار المعدن النفيس قوية على خلفية الأوضاع الجيوسياسية، وبالتالي ستتماسك الأسعار عند أعلى من 1545 دولار للأونصة، علماً بأنه على المدى التاريخي، فإن شهر يناير الجاري عادة ما يكون أفضل شهور العام للذهب، فقد سجلت أسعاره متوسط ارتفاع بنحو 2.7% على مدار العشرين سنة الماضية، وبما أنه من المتوقع رد إيراني قوي على الضربة الأمريكية، فإن هذا الأمر سيبقي الذهب مدعومًا على المدى القريب، وقد يواصل ارتفاعاته مع استمرار التصعيد في الشرق الأوسط ليلامس 1600 دولار للأوقية هذا العام.

عبر المستثمرون عن قلهم من تفاقم الوضع بسبب احتمالية الانتقام الإيراني المتوقع، حيث يعتبر ورود أية أخبار سيئة يشكل سببا لجني الأرباح، فتراجعت العملات عالية الخطورة ومن بينها الدولار، أما الاسهم فتراوحت بين الصعود والهبوط، بعد أن كانت شهدت ارتفاعا في اليوم الثاني من العام وسط تفاؤل بشأن التجارة بين الصين والولايات المتحدة، فانخفض مؤشر ستوكس 600 الأوروبي 0.6 %، وهبطت جميع مؤشرات الدول الرئيسية أيضاً، بينما في آسيا سجلت بورصة هونج كون انخفاضا 0.3%، وشنغهاي 0.1%، وسنغافورة 0.7%، وبومباي 0.5%.، في المقابل حصصت بورصات سيدني وسيئول وولينجتون، ومانيلا، وتايبيه، مكاسب.

تأتي هذه الضربة الأمريكية الموجهة لإيران، بينما لم يعد الأوروبيون والأمريكيون من عطلاتهم بعد، وبالتالي لا أتوقع أن نرى سيولة قوية إلا بحلول منتصف يناير، لذا تعطي السيولة الضعيفة رد فعل مضخم للأحداث، ويظل علينا مراقبة الوضع خلال الـ 24 إلى 48 ساعة القادمة، بالإضافة إلى أن هذا الهجوم الأمريكي يبرز المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالبترول، وربما تمر أسواق النفط بتراجع في الإنتاج خلال الربعين الأول والثاني من عام 2020.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2020/01/05