آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. عبد الحي زلوم
عن الكاتب :
مستشار بارز لشؤون البترول منذ أكثر من 45 سنة. أنهى دراسته الجامعية الاولى والعليا في الهندسة والادارة من جامعات تكساس، لويزيانا، كاليفورنيا، و هارفرد في الولايات المتحدة بعد انهاء دراسته الثانوية في القدس. عمل في الولايات المتحدة واوروبا. كما ساهم في الاعمال التأسيسية للعديد من شركات البترول الوطنية العربية في الخليج والعراق وافريقيا،

بعد تجربة شخصية لأكثر من نصف قرن: العلاقة والمصالح الامريكية العربية والاسلامية من جورج واشنطن وحتى دونالد ترامب

 

د. عبد الحي زلوم


في منتصف القرن الماضي نشأ فرع جديد في علوم الادارة اسمه السلوك التنظيمي (organizational behavior )وملخصه أن العوامل  الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والحضارية بمجموع مكوناتها  تؤثر في سلوك المجتمع الصغير كالشركات والكبير كالدول. وعلى سبيل المثال هناك حالة دراسة في كلية الادارة لجامعة هارفرد تبين أن مصنعين متطابقين تماما (Mirror image ) لشركة سوني في اليابان واخر في الولايات المتحدة وكانت الكفاءة مختلفة بين المصنعين حيث لم يستطع المصنع الامريكي أن يصل الى كفاءة المصنع في اليابان بعد كل المحاولات وذلك نتيجة لاختلاف السلوك التنظيمي لكلا البلدين .

نتيجة لمعايشتي للمجتمع الامريكي لاكثر من 65 سنة والتي تعادل اكثر من ربع عمر الدولة الامريكية منذ الاستقلال حتى اليوم بالاضافة الى الابحاث التي اجريتها عند كتابتي كتبي توصلت الى ان الخصائص الرئيسية للمجتمع الامريكي هي :

ـ التوسع: بدأت الولايات المتحدة ب13 ولاية في شرق الولايات المتحدة وانتهت ب50 ولاية  من  المحيط الاطلسي وحتى المحيط الهادي  بنهاية القرن التاسع عشر . بدأ التوسع ليشمل نصف الكرة الارضية في القرن العشرين ومحاولة التوسع والهيمنة على العالم بأكمله عبر العولمة خلال القرن الواحد والعشرين والذي بدأ بالحروب على  العالمين العربي (غزو العراق ) والاسلامي ( افغانستان ) بالاضافة الى العديد من الدول الاخرى عن طريق حروب الجيل الخامس (كالربيع العربي ) والذي ما نزال نعاني من هذه الحروب حتى اليوم  .

ـ المكفالية : من الجدير ذكره أن مبدأ الولايات المتحدة هو  أن الغاية تبرر الوسيلة فتم الاستيلاء على الولايات والاراضي عن طريق الحروب ، كما تم عن طريق الشراء من فرنسا كما في ( صفقة لويزيانا) أو روسيا كما تم في شراء  الاسكا . وهي جوهر العقيدة الرأسمالية التي تبرر فيها الغاية الوسيلة للوصول اليها بما في ذلك الطرق اللاأخلاقية والحروب . شنت الولايات المتحدة 102 حربا وتدخلا عسكريا في القرن التاسع عشر وحربين عالميتين في القرن العشرين وكانت اول من استعمل القنابل الذرية ضد السكان المدنيين  وكذلك حروب الجيل الخامس والحروب بالوكالة اللامنتهية في القرن الواحد والعشرين .واللافت للانتباه هو المقدرة العجيبة  لحكومات الولايات المتحدة على غسيل دماغ الشعوب بما فيها شعب الولايات المتحدة نفسه فحروب الاستيلاء على مقدرات الاخرين تتم تحت اسم الحرية والانقلاب على الدول الديمقراطية الوطنية تتم باسم الديمقراطية .
ـ النظام الشمولي : اذا كان امتلاك 400 ملياردير على اكثر من نصف ثروة الولايات المتحدة بما في ذلك وسائل غسيل الدماغ من الاعلام الرسمي وتنصيب الحكومات عبر تحويل الانتخابات الى عملية ميكانيكية تتحكم بها الاموال لا البرامج اذا كان يمكن لذلك  ان يعتبر نظاما شموليا فالاكيد ان الولايات المتحدة لا تستطيع تحقيق مصالحها الا عبر انظمة شمولية والامثلة كثيرة . ولا تسطيع ان تتعايش مع انظمة ديمقراطية حقيقية تراعي مصالح شعوبها.

ـ الابادة الجماعية والجريمة المنظمة : وأكبر دليل على ذلك ابادة 20 مليون من السكان الاصليين ممن اسموهم بالهنود الحمر والذي لم يبق منهم سوى اعداد قليلة في محميات خاصة بهم . وهل يمكننا اعتبار قتل ما يزيد عن 50 مليون اثناء الحرب العالمية الثانية بما في ذلك القنابل الذرية ابادة جماعية؟
ـ دولة بروتستنتية متعصبة تدعي العلمانية : كان اول ما نطق به  وليام برادفورد  أحد المهاجرين البيوريتان وهو يضع قدمه على الأرض الأمريكية عام 1620 وهو يغادر السفينة ماي فلاورز:” تعالوا لنعلي كلمة الرب في أرض صهيون”.

كانت السفينة تحمل اول من وطأ ارض القارة الامريكية سنة 1620  وكانوا من البيوريتان ذوي المعتقدات الدينية المختلفة عن التيار المسيحي التقليدي والاقرب الى الديانة اليهودية  حيث كانوا يعارضون إقامة مراسم القداس ونأوا بأنفسهم عن الكنائس التقليدية وأسموا مكان تعبدهم ب” بيوت اللقاء ” خالية من الصلبان ، وكان يوم السبت عطلة رسمية كما علموا اللغة العبرية في مدارسهم . من هنا بدأت الصهيونية المسيحية والتي عملت على اعادة اليهود الى فلسطين وانشاء دولة لهم هناك باعتبار ذلك اساسا لرجوع المسيح . وبهذه المناسبة هناك طرف اخر مساند لهذا الفكر هو الفكر الماسوني والذي يضع شعار اعادة بناء هيكل سليمان في مكان المسجد الاقصى هدفاً له كما جاء في صفقة قرن نتياهو ترامب لتقاسم المكان والزمان في المسجد الاقصى . وبالمناسبة جاءت الماسونية مع  أوائل المهاجرين الجدد القادمين من إنجلترا. وفي ذلك كتب جون روبنسون يقول:” رأينا ملامح الفكر الماسوني واضحة في نص الدستور الذي كتبه جون لوك للمستعمرة المقترح إقامتها في كارولينا الجنوبية، وذلك قبل حوالي نصف قرن من الظهور العلني للماسونية في ( 1717).

ومن الجدير ذكره أن الثورة الامريكية التي قادت الانفصال عن بريطانيا كانت ثورة ماسونية ابتداءا من جورج واشنطن نفسه والذي تم تنصيبه في محفل نيويورك الماسوني  من رئيس محفله     وكان 41 جنرال من جيش جورج واشنطن من مجموع 81 جنرال من الماسون حسب موقع (   SCHOTTISH RITE OF FREEMASONRY )  .

ـ من الجدير ذكره أيضاً أنه وبالرغم من ان الكاثوليك مثلا يمثلون ربع سكان الولايات المتحدة الا ان  جميع وأكرر كلمة جميع رؤساء الولايات المتحدة كانوا من البروتستانت والكثير منهم من الماسون  عدا جون كندي الذي كان كاثوليكيا وتم اغتياله في منتصف فترة رئاسته. كما أن أكبر تكتل انتخابي مرجح لوصول اي رئيس الى السلطة هو تكتل الصهاينة المسيحيين البروتستانت  واليهود  والذي يزيد عددهم عن 70 مليونا ً.فهل الجمهورية الاسلامية الايرانية جمهورية دينية اكثر من الجمهورية الامريكية  ؟

من ما ذكرناه اعلاه فان علم السلوك التنظيمي سيقول لك بأن محاولة فرض الحضارة الرأسمالية الامريكية يتناتقض كليا مع مكونات الحضارة العربية الاسلامية وأن تحالفات الانظمة العربية والاسلامية مع الولايات المتحدة ستكون تحالفات انظمة لا شعوب محكوم عليها بالفشل لانها تتناقض مع  المكونات الحضارية والاقتصادية والسياسية ومصالح شعوب تلك الانظمة. وهذا وضع لا يمكن بقاؤه .

تدرك الدولة العميقة في الولايات المتحدة استحالة الهيمنة على منطقة العالم الاسلامي ما دامت ركائز الحضارة العربية الاسلامية متجذرة بين شعوبها . لذلك بدأت منذ مئتي سنة حرباً ثقافية لمسح الحضارة العربية الاسلامية مما اوصلنا الى ما نحن فيه .

بين التاريخ ان الامبراطوريات تلفظ وتتخلى عن عملاءها بعد أن تقضي غرضها منهم والامثلة كثيرة وليس اولها ولا اخرها ماركوس الفلبين وشاه ايران وانور السادات وحسني مبارك وزين العابدين  والقائمة تطول .

وسيبين المقال القادم التسلسل التاريخي لعملية غسيل دماغ الشعوب  وتغريب الفكر لتدمير حضارتنا والذي اوصلنا الى ما نحن فيه .

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2020/03/08

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد