آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. حمزة الحسن
عن الكاتب :
كاتب ومعارض سعودي

مملكة محمد بن سلمان الجديدة في مواجهة عواصف محتملة

 
د. حمزة الحسن

 زلزال جديد، ضمن سلسلة زلازل متتالية تصيب المملكة منذ تولّي الملك سلمان العرش 2015!

محور هذه الزلازل كلها، بما فيها الأخير، هو (الصراع على العرش) حتى وأن اتخذ أشكالاً إقليمية ودولية، بما فيها فتح معركة على قطر، وأخرى على لبنان، وقبلهما حرب على اليمن، وغيرها.

التمهيد لأن يصبح محمد بن سلمان ملكاً استدعى تدمير الأسس والأعمدة الحاملة للنظام، وكذلك تمزيق الحاضنة الشعبية (النجدية) للنظام. من بين ذلك مثلاً:

-عمود المؤسسة الدينية التي كانت مشاركاً ـ وإن ثانوياً ـ ليس في الحكم فقط، وإنما في صناعة الدولة السعودية نفسها، بحيث احتكر الملك سلمان وابنه الفضاء الديني، عبر تهميش المؤسسة الدينية ورجالها، وعدم الاستماع إليهم، أو عبر الاعتقالات التي جرت للمشايخ وحملات الترهيب العلنية التي تنشرها الصحافة الحكومية. وهذا يقود إلى نزيف حاد في شرعية النظام، خاصة في هذا الظرف حيث لا منجز اقتصادي تنموي للحكم الحالي، وحيث الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بشعب اعتاد على (الريع) الحكومي، وإذا ببن سلمان يتحول أيضاً إلى (الدولة الضريبية)!

-هناك عمود العائلة المالكة، فوحدتها مقدسة للحفاظ على العرش، وقد جربت صراعين سابقين: أحدهما في منتصف القرن التاسع عشر أدى إلى نهاية حكم آل سعود؛ والثاني كان صراع الملكين سعود وفيصل في الستينيات تم حسمه بنفي الملك سعود عام 1964 إلى اليونان ولم يعد إلى البلاد إلا في نعش عام 1968 ليدفن في مقبرة «العود».  ثلاثون ألف أمير وأميرة على الأقل هو تعداد أفراد الأسرة. إرضاؤهم بالحكم والمناصب مستحيل، مخصصاتهم تثقل الخزانة، والأراضي التي نهبوها أو منحت لهم تعتبر واحداً من أسباب أزمة السكن شديدة التفجّر، وتعدياتهم لا حدود لها.

الآن العائلة المالكة منقسمة بشدة: أكثرية ساخطة على محمد بن سلمان ولي العهد وعلى أبيه، وهي ترفض توليه الحكم، كما ترفض تهميشه لشراكة أبناء وحفدة الملك المؤسس ابن سعود في إدارة المملكة، أحفاد الملك المؤسس وهم بالآلاف لا يرون أن بن سلمان يفضلهم في شيء. وبالتالي فإن ما قام به الأخير من الإطاحة بالآخرين (ولي العهد محمد بن نايف وبعده متعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني وغيرهما) واحتكار السلطة لنفسه، سبب انقساماً حاداً، وهذا يضعضع الحكم، وإن قوّى الحاكم الشخص المستفرد. بل أن ابن خلدون يرى أن مثل هذا الفعل (ويسميه الانفراد بالمجد) نذير لنهاية الممالك.

– ومن الأعمدة التي كسرها الملك سلمان وابنه اعتماد احتكارية المال، والإعلام، وتدمير كل الشركات التي يمكن أن يكون مالكوها غير راضين عن سياسته، أو أن مالكيها لهم تطلعات سياسية (الوليد بن طلال مثالاً) أو هو ـ بن سلمان ـ طامع فيما لدى الآخرين (بن لادن، صالح كامل).

ما فعله محمد بن سلمان مؤخراً هو حرفياً: (عملية إنضاب الخصوم أو المنافسين الحقيقيين أو المحتملين من أي قوة) وتجريدهم من أي عنصر تميّز، مالاً أو إعلاماً. فأكبر مالكين لمجموعة «ام بي سي» هما: الأمير عبدالعزيز بن فهد، وقد اعتُقل قبل نحو شهرين، وربما تصادر أمواله؛ وخاله الوليد بن إبراهيم صاحب الأسهم الأكبر في المجموعة، واتهامه بالفساد. وباعتقال بن سلمان لرجل الأعمال صالح كامل، يكون قد سيطر على مجموعته الإعلامية «أيه آر تي» واعتقال الوليد من فوائده مصادرة مجموعة «روتانا». وهكذا يكون الاستحواذ على كل شيء تقريباً.

تجدر الإشارة إلى أن ابن سعود ـ الملك المؤسس ـ نصح أبناءه أن لا يشاطروا التجار أعمالهم، حتى لا يطلب التجار مشاركتهم في الحكم!

وبعد العملية الأمنية الأخيرة التي اتخذت (مكافحة الفساد ستاراً لها) والتي أدت إلى اعتقال وزير الحرس متعب بن عبدالله، وأخيه أمير الرياض السابق تركي، وكذلك رجال الأعمال، يكون محمد بن سلمان قد استكمل عملية التهام السلطة (بكامل حمولتها ومعانيها) السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والدينية. لقد أضحى بن سلمان (ستالين جديدا)!

لا يعني الشيء الكثير ما إذا كان الملك سلمان سيتنازل عن العرش من عدمه، فابنه قد أضحى ملكاً فعلياً وهو حيّ. وهو يستطيع أن يثق أن ابنه هذا، يمكنه الآن الوقوف على قدميه وحيداً في مواجهة ما تبقى من عواصف محتملة، ومن آثارها، حتى وإن كان دقيقاً أن الصراع على الحكم داخل العائلة المالكة لن ينتهي.
ففي النهاية لا يوجد أمير واحد في العائلة المالكة يستطيع مواجهته، فالأمراء الكبار ترجّلوا، أو ارتحلوا بالوفاة، والقلة الأحياء صامتون خوفاً، أو تحت الإقامة الجبرية (الأمير طلال مثلاً). أما أبناء العمومة المنافسون، فبعضهم استرضي في إمارات المناطق أو نيابتها أو وكالتها أو مناصب جانبية أخرى، ومن يعترض لا يسعه إلا الصمت، أو الرحيل إلى المنفى ـ أن استطاع.

نعم تغلّب محمد بن سلمان بعواصف (حزم) ناجحة حسم بها الصراع على الحكم. بعكس عواصفه السياسية الفاشلة خارجياً (حرب اليمن وقطر ولبنان وإيران). لكن الثمن كان كبيراً. والخطر داهم، ولكنه يأتي من زوايا أخرى:

ضرب التيار السلفي والمؤسسة الدينية، وكذلك ضرب التيار الصحوي، يؤذن بنمو «داعش» والفكر الداعشي، حيث لا يفيد القمع ولا العنف. وكلما تضاءلت شرعية النظام الدينية، وعدم قدرته على تعويض النقص بمنجزات اقتصادية، كلما زاد الخطر. لا ننسَى أن المصنع الداعشي مقره: المملكة العربية السعودية!

ومما لا شك فيه أن التيار السلفي الرسمي وغير الرسمي موتور بقرارات محمد بن سلمان وأبيه، خاصة تلك المتعلقة بـ (لبرلة الحياة الاجتماعية) والتي اتخذ بشأن بعضها قرارات مثل إنشاء هيئة الترفيه، وإقامة الحفلات الغنائية العلنية، والسماح للمرأة بقيادة السيارة (حتى وان كانت الأكثرية راغبة في ذلك) وغيرها.

من جهة ثانية، فإن هناك ثمناً يدفعه محمد بن سلمان للولايات المتحدة، ولشخص الرئيس الأمريكي ترامب. إذ لم يكن ممكنا أن يقوم بما قام به بدون رضا أمريكي، خاصة مسألة الإطاحة بمحمد بن نايف ولي العهد، الذي كان أثيراً لدى واشنطن. الثمن الذي طلبه ترامب بالتنسيق مع زوج ابنته الذي يتردد كثيراً على الرياض يندرج في ثلاثة محاور:

– محور الدفع المالي، حيث أخذ ترامب ما يقارب 480 مليار دولار. قيل أنها صفقات وما أشبه، وإلى ما قبل بضعة أيام، ما زال ترامب يغرد عن استعداده بيع سلاح للسعودية! حيث ستبقى الأخيرة (البقرة الحلوب) وعصر ضرعها إلى النهاية!

– محور تغيير السياسات، ليس فقط في استكمال المواجهة مع إيران، وإدامة الحرب على اليمن، كلا. بل الأهم من هذا كله هو: تطبيع العلاقات السعودية مع إسرائيل. وقد وجدنا خلال الأشهر الماضية تسارعاً في الاتصالات السعودية الإسرائيلية شبه العلنية، وترويجاً لعلاقات مع إسرائيل في الإعلام السعودي غير مسبوق من حيث الكمية ونوعية الأشخاص (ليس فقط الأمير تركي الفيصل وجماعته كأنور عشقي) بل أن إسرائيل تتحدث علنا عن تلك العلاقات، وتستعجل إعلانها على الملأ، وهذا بالنسبة لها يعتبر ثمناً لدعم اللوبي الصهيوني في أمريكا لمحمد بن سلمان وتقريبه من ترامب الذي كان بالأمس القريب شرساً في العداء لآل سعود، ومطالباً بمحاكمتهم ومعاقبتهم واستحلابهم وفق قانون جاستا.

– محور لبرلة الحياة الاجتماعية، وهذه إحدى اشتراطات واشنطن، ويندرج ضمنها: منح المرأة السعودية بعض الحقوق، وتغيير المناهج الدينية التي قيل انه تم تغييرها بعيد زلزال التاسع من أيلول/سبتمبر 2001. وكما أعلن أمريكياً مؤخراً، فإن هناك لجنة أمريكية سعودية تعكف على مراجعة المناهج الدينية السعودية.

بناءً على المعطيات الحاضرة، فإن السعودية تتحول بسرعة صاروخية عن نموذج الدولة الدينية السلفية (المزعومة) إلى دولة تختلف كلياً في الشكل عن الحالية. لعلنا نشير إلى أن مشاريع محمد بن سلمان (مشروع البحر الأحمر، ومشروع نيوم، وغيرهما) والتي ما زالت حبراً على ورق، تشي بأنه يريد تحويل البلاد إلى مركز سياحي، ليس فقط يصرف المواطن أمواله على السياحة الداخلية، وإنما أيضاً يجلب سياحا من الخارج، غير السياحة الدينية (الحج والعمرة). لكن هذا المشروع السياحي ـ خاصة نيوم الذي ترتبط به إسرائيل ومصر والأردن ـ خارج القانون السعودي كما أعلن، لأن صناعة السياحة تتطلب انفتاحاً لا تستطيع البلاد أن تتحمّله.

تغيير أيديولوجية الدولة ليست عملية سهلة، وإنما تتطلب تغييراً هيكلياً في شكل السلطة ونظامها السياسي، خلافاً لما قامت عليه.

نعترف أن الدولة السعودية قامت في الأساس على رؤية دينية وهابية عنيفة فصنعت بها وعبر اتباعها الدولة، لكن الوهابية باتت تخنق الدولة ـ بدل أن ترعاها ـ لجمودها الشديد. ولأن الدولة تحتضن الحرمين الشريفين، فإنها لا تستطيع أن تتغير وتصبح مثل الإمارات كمثال.

ولا يستطيع النظام السعودي أن يكون ديمقراطياً وعلمانيا بديلاً عن الدولة السلفية! لكن العلمانية ـ كما كتب جمال خاشقجي ذات مرة ـ ليست دكاناً تشتري منه شيئاً وتترك معظم ما فيه. هي حمولة فكرية وسياسية، فإما أن تأخذها بالكامل أو تتركها بالكامل. وإلا كيف يكون نظاماً ملكياً تسلطياً مطلقاً، علمانياً في الوقت نفسه؟

هناك قضية ثالثة تحوي بعض الألم، وهي أن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد ولا تزال، يدفع ثمنها المواطن عبر ضرائب لم تحدث في تاريخه. لقد تم تغيير جوهر الاقتصاد الريعي (الدولة التي تدفع للمواطن خدمات وغيرها مقابل التنازل عن حقه السياسي) إلى (اقتصاد ضريبي) بين ليلة وضحاها وكأنك في دولة غربية، ولكن بدون حقوق سياسية!

كيف يكون هذا؟ لا حقوق سياسية ولا حقوق اقتصادية، ولا حرية تعبير تسمح بالسؤال: أين ذهبت أموال الضرائب؟ ولا أي شكل انتخابي، أو محاسبة أو تشريعات تحفظ حقوق المواطنين؟

إذن لنقدم لهم (الترفيه) للتنفيس على الأقل ـ هكذا فكر بن سلمان وطبّق؛ ونخفض دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو نلغيها حتى! لكن هل 37 في المئة من المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر، و80 في المئة من المواطنين الذين لا يمتلكون مسكناً، هل لدى هؤلاء الوقت والمال للترفيه المُكلف؟ وهل الطبقة الوسطى سريعة الانكماش والخائفة تضحي بما لديها من رصيد أموال محدودة مستعدة للذهاب إلى آخر الشوط؟ وهل العاطلون عن العمل الذين يزداد عددهم في عهد (الرؤية العمياء) ـ وهذا باعتراف الحكومة نفسها، بسبب التقشف وإيقاف الإنفاق الحكومي على المشاريع وإلغائها، والآن أيضاً بسبب الهجمة على رجال الأعمال ـ هل لدى هؤلاء متسع للفرح والترفيه عن النفس، ودفع خمسة آلاف ريال وأكثر كثمن لتذكرة دخول حفلة غنائية؟!

ابن سلمان الذي سيطر على أرامكو وعلى ميزانية الدولة وعلى استثماراتها، وقرر مشاريعها ضمن رؤيته 2030 (التي وضعتها ماكنزي) زعم انه في 2020 سيتم الاستغناء عن النفط، وانه سيفعل الكثير. ولكن خلال عام واحد فقط، تبين ان كل الرؤية مجرد أوهام، وتحتاج إلى إعادة دراسة. ومثل ذلك المشاريع الاقتصادية والاستثمارية الأخرى.

إذا استمرت المصاعب الاقتصادية، في ظل حملة قمعية أمنياً غير مسبوقة في التاريخ السعودي، وفي ظل غياب تام لأي صوت ولأي متنفس سياسي، لا بد لنا أن نتوقع أن انفجاراً ما سيحدث.

هذا لا يحتاج إلى تحليل معقد. ففي نهاية المطاف، فإن ما يهم المواطن أن يحصل على وظيفة براتب مجزٍ، يكفي لتغطية مصاريفه التي تصاعدت بفعل زيادة الضرائب على الوقود والكهرباء والماء والسلع (القيمة المضافة) وغيرها من الضرائب. فإذا لم يجد حلاً: لن يطول صبره!
 
جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2017/11/12

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد