آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

الصفقة “السرية” الجديدة: حلب للروس وحلفائهم.. الموصل لأمريكا وحلفائها

 

عبد الباري عطوان ..

نعترف بأننا عندما نتناول أمور منطقتنا العربية وتطورات أزماتها لا نتردد في إعلان إيماننا بنظرية “المؤامرة” دون أي تحفظ، ليس لأننا مندفعين أو نميل إلى إطلاق الأحكام دون تمحيص ودراسة، وإنما لأننا اكتوينا، وما زلنا، بنيران هذه المؤامرات، وندفع ثمنا غاليا من دمائنا، واستقرار بلداننا، ووحدتها الترابية والجغرافية.

نطرح هذه المقدمة بمناسبة ما يجري حاليا في مدينة حلب من أوضاع إنسانية مؤلمة، وتخلي المجتمع الدولي، بما في ذلك “أصدقاء الشعب السوري”، عن هذه المدينة، وأكثر من ربع مليون من أبنائها يعيشون تحت حصار خانق.

اليوم (الأربعاء) أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي تعهد في مناسبات عديدة بأنه لن يسمح بسقوط حلب، وسيدافع عن سكانها، أنه اتفق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، خلال مكالمة هاتفية بينهما، على انسحاب مقاتلي “فتح الشام” أو “النصرة” سابقا، من حلب، وأضاف في كلمة ألقاها أمام نحو 400 من ممثلي المناطق والأحياء التركية (المخاتير) في أنقرة “أعطينا أصدقاءنا الأوامر الضرورية في هذا الشأن” ورأى الرئيس التركي “أن انسحاب جبهة فتح الشام والتي كانت محسوبة على شبكة القاعدة الإرهابية، سيحقق السلام للسكان في حلب”.

***
فرص نجاح هذا الاتفاق التركي الروسي الذي أعلن عنه الرئيس أردوغان، تبدو كبيرة جدا للوهلة الأولى لأنه يشكل خطوة مهمة لحقن الدماء، وإنقاذ أرواح السكان الأبرياء المحاصرين، لأن وجود قوات “فتح الشام” الذي قال المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا أن عددهم في حدود 900 مقاتل، لن يمنع سقوط المدينة في يد قوات التحالف الروسي السوري الذي يملك الطيران والدبابات والقدرات القتالية العالية، مثلما يملك الإرادة لمواصلة القصف الجوي والبري حتى القضاء على هؤلاء المقاتلين المصنفين على  قائمة الإرهاب الدولي، حسب القوانين الأمريكية والغربية.

جبهة “فتح الشام” كانت وما زالت مثل فصائل سورية أخرى، ضحية خدعة عربية أمريكية كبرى عندما طالبها بعض حلفائها في الخليج بفك ارتباطها بتنظيم “القاعدة” وتغيير اسمها، وتعهدوا لها وقائدها، بنفي تهمة الإرهاب عنها، وإعادة تقديمها للغرب كفصيل سوري معتدل يكون له مكان بارز في مستقبل سورية.

قيادة “النصرة” بلعت هذا الطعم، وصدقت هذه الوعود، لتكتشف أن هناك اتفاقا أمريكيا روسيا على تصنيفها، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة لهذا الهدف لأنها جبهة إرهابية، أسوة بغريمتها “الدولة الإسلامية”.

أين الحلفاء العرب، أين ذهبت وعودهم وتعهداتهم ومحطات تلفزتهم؟ الجميع اختفوا وتركوها وجنودها وحلفاءها من فصائل أخرى تواجه قدرها وحدها، تواجه هذا الخيار الصعب، أما البقاء وفي هذه الحالة استمرار القصف الجوي دون أن تملك القدرات العسكرية لمواجهته، وهذا يعني الفناء التام ومعهم آلاف من أبناء المدينة، وأما الانسحاب إلى ملاذ آمن، ولكن إلى حين.

لا نعرف ما إذا كانت جبهة “فتح الشام” ستقبل بهذا الاتفاق بين أردوغان وبوتين، ولكن ما نعرفه انه ليس أمامها أي خيار آخر غير القبول به والخروج من حلب الشرقية، لأن رفضها يعني إعطاء الذريعة للقضاء عليها وقواتها، والحاضنة المدنية الشعبية لها.
***
 
قيادة المعارضة السورية بشقيها في كل من الرياض وإسطنبول صبت جام غضبها على المبعوث الدولي دي ميستورا عندما طرح قبل أسبوع مبادرة مماثلة، وتعهد أن يرافق شخصيا قوات جبهة فتح الشام في حال موافقتهم على الخروج إلى مكان آمن، وبما يؤدي إلى فك الحصار عن المدنيين المحاصرين ووقف القصف الجوي لأحيائهم، وتلقى الرجل، أي ديمستورا، سلسلة من الشتائم واتهامات التخوين، والعمالة للنظام في دمشق، إلى جانب المطالبة لفصله من وظيفته.

لا نعتقد أن قيادة المعارضة هذه ستوجه الاتهامات نفسها ولا حتى واحد من المئة منها إلى الرئيس أردوغان، أو دول مجموعة “أصدقاء سورية” وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب يعرفها الجميع.

نظرية المؤامرة التي بدأنا بها هذا المقال واضحة.. حلب للروس وحلفائهم.. والموصل للأمريكان وحلفائهم.. أما غير ذلك فهو فصول لمسرحية جرى إعدادها بشكل مدروس، وستكشف الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة عن فصول جديدة ومرعبة منها مليئة بالمفاجآت.. والأيام بيننا.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/10/20

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد