آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الرحمن مرشود
عن الكاتب :
كاتب سعودي مهتم بالشأن الثقافي والفكر والفلسفة

أسوأ عشرة أمثال في ثقافتنا


عبدالرحمن مرشود ..

كل تبرير يشيع على الألسن يحمل وصفا لنا معادلا لمقدار شيوعه. هذا ما دعاني لترشيح أسوأ عشرة أمثال -من وجهة نظري- ومحاولة سردها في هذه المساحة

تعكس الأمثال الشعبية طبقة مهمة من طبقات وعينا الجمعي. نحن لا نستدعي الأمثال في العادة إلا عند تبرير سلوكنا أو على الأقل عندما نطلب من الآخرين تقبله. لذلك فإن احتمالية تعبيرها عن حالنا أبلغ من سواها. هناك نصوص تستعمل لرسم العالم المتوهم الذي نفترض صلاحيته لعيشنا، ونصوص أخرى تستعمل لتبرير وضعنا الذي نعيش فيه فعلا. الأمثال الشعبية غالبا ما تكون من الصنف الآخر، إذ إن كل تبرير يقتضي ضمنيا اعترافا عاكسا لواقع الحال. وهذا يتناسب طرديا مع شيوع الاستعمال، فكل تبرير يشيع على الألسن يحمل وصفا لنا معادلا لمقدار شيوعه. هذا ما دعاني لترشيح أسوأ عشرة أمثال -من وجهة نظري- ومحاولة سردها في هذه المساحة.

«بعد ما شاب ودّوه الكتّاب»:
إضافة إلى أنه مثل يحمل مقدارا من شحنات الإحباط، فهو مثل يوهم بأن هناك عمرا أو مستوى معينا يجدر بالمرء عدم تجاوزه إن عزم على التعلّم، وهذا أمر مناف لمفهوم الإنسانية نفسه. فالإنسان الحقيقي كائن ينمو بالمعرفة، فسعيه إليها لا نهائي، والمخجل حقا كفّه عن ذلك وليس الدأب فيه.

«جلد ما هو جلدك جرّه على الشوك»:
يستعمل هذا المثل أحيانا في سياقات تبرر الاستهتار بملكيات الغير، خصوصا الممتلكات العامة التي يظن الكثير منا أنها لا تعود إلى أحد، أو أنها تعود إلى (الحكومة) في أسوأ الأحوال!


«لو فيه خير ما رماه الطير»:
يحدثنا التاريخ عن ربح الكثيرين بواسطة نيلهم تحفا تخلى عنها أصحابها لأنهم لم يدركوا قيمتها الحقيقية، كما يحدثنا الواقع عن اختلاف الناس في طرق استفادتهم من الموارد، لذلك قد يزهد البعض بأمر ويرغب فيه آخرون، لا لانعدام الحكمة من أحد الأطراف، بل لاختلاف مقصد كل طرف وطريقته في الحياة. لذلك لا أرى في هذا المثل أكثر من تعبير عن استعارة مشاعر الآخرين وأفكارهم وانخفاض مستوى شعور الإنسان باستقلاله وفردانيته.

«اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»:
لست أفهم العلاقة السببية في هذا المثل المسجوع، بين مجرّد صرف المال كيفما اتفق وبين التعويض الغيبي. هذا لا يشبه الأثر القائل «اللهم أعط منفقا خلفا»، لأن الأثر يتحدث عن مصارف البر والإحسان تحديدا، فحتى لو كان هذا المقصد الأصلي للمثل، فإن سياقات استعماله الحالية بعيدة عن هذا كل البعد. إذ إنه لم يعد أكثر من دعوة للاستهتار بمفهوم الادخار الرشيد، والاكتفاء بالعيش في مساحات العبثية.

«ارضى بقردك لا يجيك أقرد منه»:
لا أرى في هذا المثل أكثر من دعوة للعيش داخل أسوار الواقع مهما كانت رداءته، وعدم السعي إلى فهمه ودراسة الحلول المقترحة للتحسين. يخبرنا تطور الحضارة بخلاف ما تدعو إليه هذه العبارة المثبطة في حقيقة الأمر.

«أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة»:
مثل يحمل في طياته تقديس التقادم بصرف النظر عن مصادر المعرفة الحقيقية والسعي إليها. هناك فرق كبير بين احترام تجارب الأكثر سنا وتقديرها، وبين إلغاء العقل أمامها والاحتجاب بها عن الوصول إلى ما قد يكون أكثر جدوى وأفضل أثرا.

«الموت مع الجماعة رحمة»:
لا يعبّر عندي هذا المثل عن أكثر من تقديم لسلطة الأغلبية على أهمية السعي المتجرد إلى الحقيقة. من المهم أن يكون للمرء فكره الناقد دون خضوع لإغواء حشد لا يحمل مبرراته المنطقية اللازمة لما يفعله.

«إذا حاجتك عند الكلب قول يا سيدي»:
هناك من يستعمل هذا المثل في ثقافتنا ليبرر به انسياقه مع الأقوى دون روادع أخلاقية أو عقلانية، بل وفق نظرة مصلحية ضيقة للأسف.

«خل بينك وبين النار مطوّع»:
مثل يحمل في طياته الدعوة إلى التحايل على الذات، والتنصل من المسؤولية ومحاولة إلقائها على أقرب من يسوغ تحميلها إياه. في حين أن التدين الحقيقي يقوم على مساءلة الفرد لذاته أمام ربه بشكل دائم، فالمرء يبعث وحده ويحاسب وحده في نهاية المطاف.

«الخير يخصّ والشر يعمّ»:
يبرر الكثير منا تجاوزه على منهم تحت سلطته بهذا المثل في ضرب صريح لقيمة أكثر اتساقا مع روح العدالة، وهو أنه «لا تزر وازرة وزر أخرى» ولكن يبدو أن ما نسوقه للوعظ شيء مختلف تماما عما نسوقه لتبرير سلوكنا.

بالنظر إلى ما سبق من أمثال سنجد أن معظمها يدور حول مفاهيم تسوق للأنانية الضيقة، والانصياع لسلطة الحشد، والخضوع لجبروت التقادم، والاحترام العاري من القيم للقوة المجردة، والتحيز للمثبطات والانكفاء عن التطور، وسوى ذلك من معان سلبية. عند تذكّر مقدار شيوعها في ثقافتنا وكثرة المتمثلين بها بيننا، ألا يحق لنا المواجهة الصريحة لذواتنا ثم سؤالها: هل هذا ما نحن عليه حقّا؟

صحيفة الوطن أون لاين

أضيف بتاريخ :2017/03/03

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد