آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
نجيب عصام يماني
عن الكاتب :
كاتب سعودي

ترمب.. تاجر على كرسي البيت الأبيض

 
نجيب يماني ..
لم يعطِ الرئيس دونالد ترمب، انطباعاً بأنّه استوعب الدروس الأولى في فنّ اللّباقة والكياسة الضرورية من مدرسة الدبلوماسية، في رحلة عبوره من «السوق» وعالم التجارة، إلى كرسي الرئاسة، وذلك قياسا على تصريحاته التي أخرجت المجتمع الأمريكي من «وقاره» الديموقراطي، لينتظم في «مظاهرات» رافضة للقبول برئاسته، في صورة تشبه مظاهرات دول العالم الثالث، المكتوية بلظى الأنظمة الشمولية والدكتاتورية، مؤكدة بذلك نتائج الانتخابات التي كفلت لترمب النجاح من باب «الأغلبية في أصوات المجمع الانتخابي»، على الرغم من أن منافسته هيلاري نالت «الأغلبية الشعبية»، متفوقة بما يقارب المليون ونصف المليون صوت.

فالقول بأن «ترمب» جلس على كرسي الرئاسة بذات عقلية «التاجر» ورجل الأعمال تسنده العديد من الشواهد من خلال تصريحاته، والتي لم يستطع شعار «أمريكا أولاً» الذي رفعه أن يطمس ما تنطوي عليه من فخاخ خطرة، وللتدليل على ذلك نتناول بعضا من فكره ونتائجه المحتملة، وعبرها نستشرف مستقبل أمريكا والعالم في ظل هذه الإدارة الأمريكية الجديدة.

أولها تلك التي لعب فيها «ترمب» على وتر العواطف الجماهيرية تحت مظلة شعار «أمريكا أولاً»، وعزمه استرداد فاتورة «الخدمات» التي قدمتها أمريكا بـ«المجان» – على حد زعمه - لعدد من الدول في تخليصها من الأنظمة الشمولية الفاسدة، وتمكين شعبها من «الاستمتاع» بأجواء الحرية والديموقراطية، وأكد بأنه ذاهب لتحصيل فاتورة تخليص العراق من نظام «صدام» بأثر رجعي، بالاستيلاء على البترول، ورغم إلحاح المحاور له عن الكيفية والحجة المنطقية التي تسوغ له هذا العمل «الجلف»؛ إلا أنه ظل يؤكد عزمه على ذلك، دون الإشارة للوسيلة التي سيستخدمها للحصول على مبتغاه، وهي وسيلة لن تخرج عن استعمال القوة ووضع اليد والوصاية.

مثل هذا التصريح يكشف عن «عقلية» لم تستوعب المسرح السياسي بشكل دقيق بعد، وتتعامل مع «المعونة» الأمريكية المقدمة في إطار استتباب السلم الاجتماعي، على اعتبارها «خدمات» و«فواتير» واجبة السداد، من ثروات الشعوب لصالح الخزينة الأمريكية، بما يجعل من الإدارة الحالية «مكتبا للخدمات» للراغبين في الحصول عليها، ولن يجد المرء حرجا في القول بأن «التاجر» الجديد الذي حل بالبيت الأبيض في طريقه إلى إعادة سيناريو «القاتل المأجور» إلى «الشاشة الأمريكية».

إن تصريحاته المتكررة بذهاب زمن الخدمات الأمريكية المجانية، تعدى الدول النامية، إلى الدول الأوروبية، التي لم تجد بدًّا من الخروج عن الأعراف الدبلوماسية المرعية بينها وبين أنظمة الولايات المتحدة المتعاقبة، إلى إظهار الرفض لسياسة «ترمب» وعزمها تشكيل حلف موحّد من أجل النظر في مراجعة سياستها التعاملية مع نظامه.

والحال كذلك؛ فإن ما أعلنه ترمب عن عزمه محاربة تنظيم «داعش» يجب النظر إليه وفق الموجهات الأساسية في طريقة تفكيره وتعاطيه للأمور الدولية العامة، فمن السذاجة بمكان الاعتقاد أن ما تنوي أمريكا القيام به سيكون لوجه السلم العالمي، والأمن الدولي، فإن هذه غاية ليست واردة طالما أننا سنواجه «الفواتير» في نهاية المطاف، بما يخلق حالة من «الاستعمار الخفي» باستمرار التبعية الاقتصادية عبر سياسة «لي الذراع»، آخذين في الاعتبار كذلك إعلانه رفض التعاون مع المعارضة السورية، بما يشي عن تأييد مبطن، واتجاه نحو التعاطي مع نظام الأسد بشكل لا يتسق وينسجم مع الإرادة الدولية الرافضة لوجود هذا النظام الباطش.

أما على مستوى الداخل الأمريكي؛ فإن سياسته تنطوي على فخاخ من الاستعلاء والتمييز بين شعب أمريكا نفسه، المُؤلَّف من قوميات وإثنيات مختلفة، ويمكن قراءة ذلك من القرار الأخير الذي أصدره بمنع رعايا ثماني دول من دخول أمريكا، وشمل المنع حتى الحاصلين سلفا على «البطاقة الخضراء» و«الجواز الأمريكي»، الأمر الذي جوبه برفض شعبي عريض، وسجال قضائي انتهى إلى إبطال القرار، وإلزام الإدارة الأمريكية بسحبه، مع استمرار «ترمب» في «وعيده» بتحقيق غايته الرامية إلى «تنظيف» أمريكا من رعايا هذه البلدان الثمانية، حتى لو كانوا أمريكيين بالقانون، وخطورة مثل هذا التصرف أنه يعطي الجماعات الإرهابية الذريعة لإحداث كثير من الفوضى، بحجة مجابهة التمييز على أساس العرق والدين، مما يعني أن الإدارة الأمريكية لم تتعامل بحكمة وروية مع هذا الملف الشائك والخطير، كما غابت عنها الحكمة في طريقة التعاطي مع ملف الهجرة غير الشرعية مع المكسيك، وعزمها بناء جدار فاصل لوقف هذه الهجرة، والحال نفسه مع ملف إلغاء اتفاقيات التجارة العالمية؛ مثل اتفاقية «نافتا»، والتلميح بإعادة العلاقة مع حلف «النيتو»، وغيرها من الملفات العديدة سواء على مستوى الداخل الأمريكي أو الدولي، فكل هذه الملفات الساخنة التي فتحتها إدارة «ترمب»، تفتقر للحكمة، والتعاطي بروح المسؤولية، وتكشف بجلاء أن علينا أن نضبط ساعة التاريخ الحديث بتوقيت جديد، وقياسا على وضع أحداث 11 سبتمبر علامة مفرقة ما بين العالم قبلها وبعدها، يمكننا كذلك جعل وصول «ترمب» إلى سدة الحكم لحظة مائزة بين عالمين.

صحيفة عكاظ

أضيف بتاريخ :2017/03/06

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد