آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

أمريكا تمهد لإقامة “ناتو خليجي” كنواة للحلف الخماسي السني.. لماذا استثناء ثلاث دول؟

 

عبد الباري عطوان ..

يبدو أن هناك مؤشرات تتزايد حدة تفيد بأن منطقة الخليج، بشقيها العربي والإيراني، ستكون ميدان الصراع السياسي والعسكري المقبل بعد الانقلاب المفاجيء للإستراتيجية الأمريكية في الأزمة السورية، والتخلي عن أبرز أهدافها وهي تغيير النظام السوري ورئيسه، والإيحاء باستعداد للتعامل معه باعتباره عنصر استقرار، ولاعب رئيسي في مكافحة الإرهاب.

المواجهة الجديدة التي تستعد لخوضها الإدارة الأمريكية ربما لن تكون على الأرض السورية، وإنما في الساحة الخليجية، وضد إيران على وجه التحديد، ولا نستبعد أن تحاول هذه الإدارة دق إسفين الخلاف بين طهران ودمشق في المرحلة المقبلة، كنوع من المقايضة، أو المساومة، لتغييرها قواعد اللعبة في سورية، وخلط الأوراق، وتغيير خريطة التحالفات.

ما يدفعنا إلى هذا الاحتمال هو التصريحات التي نشرتها السبت صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية للجنرال الأمريكي جيمس جونز، القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وطالب بإقامة حلف “ناتو” خليجي.

الجنرال جونز قائدا للسلاح البحرية الأمريكي، ومستشارا للأمن العربي في زمن إدارة الرئيس باراك أوباما، إلى جانب رئاسته لقوات حلف الناتو، وهذا يعني أنه يعرف طبيعة “الطبخة” الأمريكية الجديدة في المنطقة، مع قدوم الرئيس دونالد ترامب.

من أهم ما قاله الجنرال جونز إنه وضع هذا الاقتراح كفكرة، لأنه كلما اتحدت دول الخليج ضد “الخطر الوجودي الإيراني”، وأصبحت قوية عسكريا، وحسنت الاتصالات، وأقامت شبكة تبادل معلومات أمنية، فان الولايات المتحدة سترحب بالعمل مع هذا الكيان، وستنضم إليه.
***
نحن نعيش في الغرب منذ أربعين عاما، ونعرف أن الجنرالات عندما يتقاعدون من مهامهم الرسمية، يستمرون في العمل، ولكن خلف ستار، وبعيدا عن الأضواء، ويتم الاستعانة بهم وخبراتهم، والجنرال جونز ليس استثناء، واختيار صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية للإدلاء بهذه الأفكار، وفي هذا التوقيت، ليس صدفة.

الرئيس ترامب يريد إقامة حلف سني عربي نواته أربع دول، وهي السعودية والإمارات ومصر والأردن، ويقوم بالتطبيع والتنسيق مع إسرائيل، وفي إطار إستراتيجيته الجديدة لحصار إيران، وربما شن الحرب عليها.

إذا تمعنا في هذا التوجه الأمريكي الجديد نجد أنه يركز على دولتين خليجيتين، هما المملكة العربية السعودية ودولة الأمارات العربية المتحدة، ويستثني، ولو مؤقتا، ثلاث دول أخرى، هي سلطنة عمان والكويت وقطر، ولا توجد أي إشارة للبحرين لأنها ستنضم بشكل آلي إلى أي ناتو خليجي بحكم علاقاتها “الوثيقة” مع الرياض، ووجود قواعد للأسطول الأمريكي فيها.

القاسم المشترك بين الدولتين المؤكد أن تكونا نواة التحالف السني، والناتو الخليجي، وهما الأمارات والسعودية، ودورهما الكبير والأساسي والمحوري في “عاصفة الحزم” في اليمن، وهي الحرب الذي يخطط الرئيس ترامب للتدخل عسكريا فيها بصورة أكبر، لمواجهة النفوذ الإيراني، حسب تصريحات منسوبة إليه.

الاستثناء “الأولي” للدول الثلاث وهي سلطنة عمان وقطر والكويت، فيعود إلى حياد الأولى في حرب اليمن، وضعف دور الثانية، والمساهمة “شبه الرمزية” للثالثة، ومن المفارقة أن الدول الثلاث تقيم علاقات جيدة جدا مع إيران، وزار الرئيس الإيراني حسن روحاني قبل شهرين اثنتين منها (الكويت وعمان)، وفاجأ الشيخ صباح الأحمد زملاءه في قمة البحر الميت بالمطالبة بالحوار مع طهران على أرضية الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

الخطورة في هذا الطرح الأمريكي الجديد الذي نعتقد أنه تبلور بشكل أكثر وضوحا أثناء زيارة للأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودي، الأخيرة إلى واشنطن، والحفاوة التي استقبل بها من قبل الرئيس ترامب، إنه يعني تحويل الأرض العربية، والخليجية منها بالذات، كساحة لأي حرب طائفية مستقبلية ضد إيران.

الدول التي ستكون “محور” الناتو الخليجي المقترح في حال تطبيقه عمليا، وهذا هو الأرجح، ستتحمل أعباء التأسيس المالية الضخمة، وما يمكن أن يترتب لاحقا من أعمال تسليح بالطائرات والأنظمة الدفاعية الحديثة، من بطاريات صواريخ وأجهزة رادارات، مما يعني أن الكلفة ستكون باهظة جدا، في وقت تتآكل فيه الأرصدة والاحتياطات المالية بسرعة، وترتفع في المقابل أعباء سياسات التقشف على كاهل المواطن الخليجي في معظم هذه الدول.
***
“الناتو الخليجي” قائم فعلا، جزئيا أو كليا، ويخوض حربا في اليمن منذ عامين، ولم يحقق معظم أهدافه، فهل سيكون حاله أفضل في مواجهة إيران حتى لو أضيفت له دول مثل مصر والأردن، وحتى إسرائيل نفسها، وتزعمته أمريكا؟

وحتى لو افترضنا أن التحالف السني انتصر، وهذا افتراض ربما يكون غير واقعي، ولكنه غير مستبعد، فالسؤال هو كيف سيكون ثمن هذا الانتصار؟ وكيف سيكون حال الدول الخليجية والعربية بعد هذا الانتصار؟ وكم من المدنيين، ناهيك عن العسكريين سيقتل؟ ومن أجل أي قضية؟

نطرح هذه الأسئلة، في هذه العجالة، ليس بحثا عن إجابات، وإنما للتحذير من خطورة المصيدة الجديدة التي تنصب لدول الخليج، ومعظم العرب، تحت عنوان التصدي للخطر “الوجودي” الإيراني.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2017/04/01

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد