آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الرحمن مرشود
عن الكاتب :
كاتب سعودي مهتم بالشأن الثقافي والفكر والفلسفة

غلاء المهور مطلب أخلاقي


عبدالرحمن مرشود ..

«المَهْر» في حقيقته أقرب إلى كونه تعويضاً عن ارتهان المرأة جهدها ووقتها على أسرتها وأطفالها، وأشبه بكونه ضمانة اقتصادية عند انتهاء العلاقة الزوجيّة بطلاق أو وفاة

لأن عمل المرأة في بيتها غير قابل للقياس، تميل مجتمعاتنا إلى تصنيفها في خانة العطالة. بات من الشائع استعمال تعبير (الأم غير العاملة) دون الوعي بما يحمله من تناقض وأن كون المرأة أما من المفترض أن يثبت بالضرورة وجود ما تعمله على وجه الحقيقة. قد يهون الأمر لو كان هذا مقتصرا على الصعيد النظري أو اللغوي ولكنّه يتعدى ذلك إلى القناعات المحركة للمجتمع وآثارها على كل سلوك يستهدف المرأة.

اعتياد الناس على التعامل مع القيمة المحسوبة يسهِم في تغييب الإشارة إلى أهميّة دور المرأة الاجتماعي ويساعد في تكريس النظرة إليها باعتبارها كائناً أدنى. يؤدي هذا إلى تهميش الكلام عن حقوقها، بل قد يطال التهميش الأساسي منها بما في ذلك حقها في الحياة والأمان.

ألقى هذا بظلاله على القوانين والإجراءات الإدارية التي تنظّم المجتمع، فوقْت المرأة الذي هو عمرها في الحقيقة رخيص للغاية وفق منظورها لأنه قيمة غير محسوبة في حياة لم يعد يسيّرها سوى التعامل بالكمّ.

مع تكريس نظرة اجتماعية تخفّض من إنسانية المرأة، وتراخٍ قانوني لا يعتدّ بأهمية عمرها وقيمته، من المتوقّع أن يجد كل من تحرّكه عاهة نفسية مختلّة فرصة سانحة ليطالها بالأذى دون الاكتراث بأيّ عاقبة لعمله.

في ظل تشريعات منعكسة عن اعتبار المرأة كشيء يُعال ولا ينتج، يستطيع الرجل التخلص من زوجته بالطلاق دون أن يترتب على ذلك أي حقوق تلزمه تجاهها بشكل تلقائي، فإذا قصّر بالوفاء بمستحقاتها بعد ذلك، تطلّب الأمر منها أن تقوم هي برفع دعوى في سبيل الحصول عليها، والتعرض لكل المشقات البيروقراطية المعروفة في المحاكم. إذن فالقوانين تضع احترازاتها عندما يتعلق الأمر بحقوقه وتوكل الأمور إلى مروءته عندما تتعلق بحقوقها!

يشبه ذلك ما أشار إليه المحامي السعودي عبدالرحمن اللاحم من أن الإجراءات المعمول بها عند تعرّض زوجة للتعنيف تقتضي إخراجها من منزلها إلى دار الحماية، بينما يبقى للرجل حق الإقامة في منزله أثناء سير القضية في مسارها القانوني. أي أنّ القوانين تكفل عدم تأثّر عالم المعتدي عليها بغير إخفائها عن ناظره عبر تطويق حركتها، وإجبارها على التفاوض معه من الموقع الأدنى!

تتشابك العوامل التي أوصلت المرأة لدينا إلى هذا المستوى من الانتهاك القانوني، ولكن يبدو إليّ أن الخلفيّة الاجتماعية والثقافيّة التي تعمل كغطاء لهذا الانتهاك من الممكن أن تُفهم بعض أبعادها من خلال مقاربة اقتصاديّة.

مع تسارع عملية التمدين التي مرّت بها البلاد انتقلت المرأة من خانة الشريك المنتِج إلى خانة الراكب بالمجّان. حدث هذا في الذهنية الذكورية وإن لم يحدث تماماً في عالم الواقع. في ظلّ اتّساع الاعتراف بلغة الأرقام التي صار يحسب بها المرء دخله فيحصي بواسطته قيمة وقته وجهده بل يقيّم من خلاله ذاته وجدوى علاقاته في كثير من الأحيان، تحوّل جهد المرأة بالكامل تقريباً إلى دائرة لا تعمل فيها لغة الأرقام والقياس كالرعاية الزوجية والخدمة المنزلية. علينا أن نتذكّر مَيل الناس إلى طروق الأسهل، لذا فإنّ ما لا يقاس اليوم لا ينظر إليه، وما لا ينظر إليه لا يرى، وما لا يرى يسهُل جحوده.

لست متأكداً من علاقة هذه الزاوية بالدواعي الفلسفية التي أدّت إلى إقرار المشرّعين في المجتمعات الغربية بحق المرأة في مشاطرتها ممتلكات زوجها بعد الانفصال عنه. ولكن حاول أولئك المشرعون استعمال دخل الأسرة الإجماليّ كأداة لقياس القيمة الإنتاجية لعمل المرأة (داخل المنزل)، بحجة أن كل دولار قد يجنيه الرجل خارج منزله لا بد وأن يكون ناتجاً عن جاهزية ساهم بصنعها عمل المرأة عند قيامها برعايته أو خدمة أطفاله. إذن فهي من هذا المنظور شريك فاعل في استقطاب الدخل وليست مجرّد فم يرتقب القوت أو جسد ينتظر الكساء.

تحدّثت مرة عن الآثار السلبية والإيجابية لهذا النظام مع أحد الدارسين الجادّين للفقه الإسلامي، فأخبرني أنّ هذا المقصد ذاته متحقّق في الشريعة الإسلامية من خلال مفهوم (الصداق).

فالصداق أو (المَهْر) في حقيقته أقرب إلى كونه تعويضاً عن ارتهان المرأة جهدها ووقتها على أسرتها وأطفالها، وأشبه بكونه ضمانة اقتصادية عند انتهاء العلاقة الزوجيّة بطلاق أو وفاة. على ضوء ما سبق يلوح لي أن أتقدّم بنصيحة للفتيات المقبلات على الزواج في بلادنا:

«عليك تجاهل كلّ دعوات تخفيض المهور التي تهتف تحت شعارات تيسير الزواج وإحلال العفاف. فإلى أن يحسم مجتمعك الاعتراف بك كائناً كامل الأهلية، ويضع احترازاته التي تكفل حمايتك من ظلم الأقارب والأباعد، لا ينبغي عليك المراهنة سوى على دخلٍ جارٍ أو رصيد مدّخَر. كما عليك المطالبة بصداقك المرتفع مقدماً غير مؤخّر، فالظروف القانونية الراهنة تتيح لأي زوج ساقط المروءة ممارسة ضغوطه التي تجبر زوجته على التنازل عن حقوقها مقابل الخلاص. أخيراً، استثمري ما يمكنك استثماره من صداقك في ذهب أو أسهم أو ما شابه، واحذري أن تغريك ثقافة الاستهلاك بإنفاق صداقك على (المواعين والخلاقين)!».
 
صحيفة الوطن أون لاين

أضيف بتاريخ :2017/04/12

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد