آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد النبي العكري
عن الكاتب :
كاتب وناشط حقوقي بحريني

الربيع العربي المفترى عليه (2 - 2)


عبدالنبي العكري

حدثت تفاعلات متلاحقة تشبه التفاعلات الكيماوية إثر إحراق بائع الرصيف التونسي بوعزيزي في مدينة بوزيد المهمشة، إثر صفع شرطية بلدية له في ديسمبر/ كانون الأول 2010، وأشعل بذلك حريقاً اجتاح الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وأطلق بذلك طاقات شعبية وشبابية لا سابق لها، اندفعت محتجة إلى الشوارع والساحات في أكثر من بلد عربي.

لقد فوجئ الجميع بتسارع الحوادث ومنهم الأنظمة العربية بمخابراتها وأجهزتها، وكذلك الأمر بالنسبة لحلفائها الغربيين ومخابراتهم ومراكز بحوثهم، والشيء ذاته ينطبق على المعارضات العربية بمختلف تشكيلاتها واتجاهاتها ولذلك فوجئت جميع البلدان العربية، بدعوات مجموعات شبابية من خلال وسائط التواصل الاجتماعي للاحتجاجات والتجمعات، كما فوجئت قوى المعارضة وغالبيتها مترددة، في تجاوب الجماهير مع هذه الدعوات ويتجلى ذلك في تحشيدات الساحات في المدن العربية الكبرى لكن هناك أوضاعاً سيئةً جداً، سياسية واقتصادية، واجتماعية وصلت إلى حدود الأزمة، وشخصتها تقارير الأمم المتحدة مثل التقرير العربي للتنمية البشرية للأسكوا منذ 2003، وتقرير التنمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتقارير البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان والكثير من مراكز البحوث. كما أن احتجاجات عمالية لا سابق لها جرت في الحوض المنجمى للفوسفات في تونس (عهد انطلاقة الربيع العربي) وكفر الدوار (في مصر البلد الثاني في سلسلة الربيع العربي) واحتجاجات أخرى في معظم الدول العربية، ومعظمها عفوية لا علاقة للمعارضات العربية بها. وكانت مقاطعة الانتخابات كما في مصر والمغرب وتونس تجليات للاحتجاج. لكن الجميع تجاهلها، فالأنظمة العربية كانت لديها ثقة زائدة في استقرار أمورها إلى حد القيام أو الإعداد لعملية التوريث في الأنظمة الجمهورية، وبالمقابل فقد كانت المعارضة إما محرمة تماماً أو مستوعبة أو مهجنة، وفي حال لا فعالية ويأس، أما المجتمع المدني فقد كان محاصراً أو مستوعباً أو محرماً.

كيف يمكن اتهام ملايين العرب الذين نزلوا إلى الشوارع ومطالبهم وشعاراتهم «خبز، حرية، كرامة، إنسانية» بأنهم عملاء للغرب وأميركا تحديداً؟، وكيف تتهم قياداتهم ومعظمها من الشباب المهمش، بأنهم ضالعون في مؤامرة لقلب الأنظمة الحاكمة لصالح مشروع أميركا بالفوضى الخلاقة، وقلب الأنظمة وتفتيت البلدان العربية في حين أن هذه الأنظمة حليفة للولايات المتحدة ومتعاونة معها عسكرياً وسياسياً ومخابراتياً؟ إن مراجعة الوقائع والتحركات الأميركية، وما وثقته وزيرة الخارجية الأميركية حينها هيلاري كلينتون في مذكراتها، وما كشف عنه وزير الدفاع غيتس ومندوب الخارجية لبلدان الأزمات فيلتمان، يؤكد تمسك الولايات المتحدة بحلفائها، ومحاولة إنقاذهم من الاحتجاجات المتصاعدة، ومن أنفسهم، وذلك بطرح تسويات تستجيب جزئياً لمطالب المحتجين وتدخل الحد الأدنى من الإصلاحات، وفي الوقت ذاته تحافظ على الأنظمة الحليفة لها.

هذا فعلاً ما جربته الولايات المتحدة في تونس ومصر والبحرين مثلاً. لكن الولايات المتحدة وفي ظل الرئيس باراك أوباما والذي طرح إستراتيجية الانسحاب العسكري الأميركي من بلدان الحرب وخصوصاً أفغانستان والعراق، لم يكن مستعداً للتورط لإرسال قوات أميركية لإنقاذ هذه الأنظمة واستمرارها في الحكم على الضد من إرادة الشعوب.

كما أن مراجعة الوقائع تظهر أن طابع الحراك أو الثورات أو الانتفاضات سمها كما تريد، كان سلمياً وسقط المئات من المدنيين العزل برصاص قوات الأنظمة، كما أنهم طرحوا مطلب الإصلاح والمطالب المشروعة (خبز، حرية، كرامة، إنسانية) ولم يطرحوا شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» إلا بعد سيل الدماء، وحملات القتل والقمع التي لا سابق لها. هناك عوامل ساهمت في مصائر مختلفة للربيع العربي، وتحوله في بعض البلدان إلى ربيع دموي وانتهى نهاية مأساوية إلى حروب ونزاعات مسلحة، كما في ليبيا واليمن وسورية، وأهمها عدم تجاوب الأنظمة مع مطالب التغيير، وتدخل الغرب والولايات المتحدة وأنظمة عربية لتصفية حسابات مع هذه الأنظمة، واستغلال قوى لا تحمل مشروعاً إصلاحياً أصلاً ولم تبادر للتحرك، مستفيدة من تنظيمها الجيد والدعم الخارجي، وأهمها تنظيم الإخوان المسلمين في مصر وليبيا لركب موجه الثورة والوثوب إلى السلطة، ما جرّ عليها وبال سلطة الدولة العميقة لإزاحتها بطريقة دموية.

النجاح الوحيد والاستثنائي جرى في تونس، ولعدة أسباب ومنها ترسخ قوى المعارضة والمجتمع المدني، وتحييد المؤسسة العسكرية، وتفاهم قوى المعارضة والمجتمع على خريطة طريق الانتقال بالنظام، على رغم احتواء النظام الجديد على كثير من النظام القديم. وكذلك الأمر نسبياً في المغرب حيث تظافرت إرادة ملك البلاد مع الأحزاب السياسية في إحداث تغييرات مهمة استوعبت الكثير من مطالب المحتجين وعبرت بالبلاد لبر الأمان.

إذاً لا يمكن اعتبار هذا الحراك في مصر أو تونس أو غيرها محاولة انقلابية، فلم تكن هناك جيوش انقلابية ولا تنظيمات عسكرية، ولا خطة سرية فقد كان قوامها الجماهير العزلاء التي نزلت إلى الشوارع محتجة وبطريقة سلمية تطالب بمطالب إصلاحية مشروعة. والأمر المحير أن من يطرحون ذلك يشيدون بالأنظمة المنبثقة ولو جزئياً عن هذا الحراك كما في مصر وتونس واليمن وليبيا مثلاً، والتي هي جزء من المنظومة العربية وجامعة الدول العربية، وتقيم أوثق العلاقات مع الأنظمة الأخرى التي شهدت احتجاجات ومحاولات للتغيير الإصلاحي.

على رغم إجهاض الثورات أو الانتفاضات أو الحراك، سمه ما شئت، فإن ذلك لم ينهِ طموح الشعوب العربية للخروج من الهوة العميقة التي انتهى إليها الوطن العربي، في سابقة تاريخية أسوأ من حقبة الغزو المغولي، كما أن ذلك لن يطفئ الأمل الذي أشعله البوعزيزي، والذي ألهم الملايين العربية لتنزل إلى الشوارع مرددة شعارات (خبز، حرية، كرامة، إنسانية) وأيام الحلم العربي بالخلاص من الاستبداد والتخلف والبؤس، لقد حفر الربيع العربي عميقاً في النفس العربية، وبرزت نماذج بطولية وقدم شهداء أرواحهم من أجل غد أفضل، وهناك الآلاف خلف القضبان وملايين حجرت قسراً أو هرباً من جحيم الأنظمة وحروبها وقمعها.

وإذا كان هناك من عقلاء، فليمعنوا التفكير في أسباب ما جرى، وتحليله والإقرار بالاختلالات العميقة في الأنظمة العربية، وفي بنية المجتمع العربي، وفي التاريخ العربي للاستبداد المديد، وفي الثقافة العربية الساندة المسوغة لكل ما هو خاطئ، وفي الأحزاب والنقابات والجمعيات، وعلاقات الفرد بالمجتمع والشعب بالدولة، وعلاقات العرب مع بعضهم بعضاً شعوباً ودولاً، وفي علاقات العرب مع الجوار ومع الدول الكبرى وغيره وغيره. ذلك أكثر جدوى من تحريض الأنظمة ضد المعارضة، وبالتالي تحريضها ضد جزء إن لم تكن غالبية شعوبها، وضد النخب المخلصة، في سلوك زبوني وانتهازي، وخصوصاً أنه بعد قمع محاولات الإصلاح أو التغيير فإن العرب يواجهون جميعاً وبدرجات متفاوتة أزمة اقتصادية طاحنة، ومداً يمينياً شوفينياً تجلى في رئاسة ترامب لأميركا، ويزحف على أوروبا، وسيولد شوفينية قومية مضادة، حيث أضحى العرب أرضاً وشعوباً وأنظمة نهباً للدول الكبرى وللقوى الإقليمية المتصارعة على السيطرة، وتقرير مسار الصراع الدائر على أرضنا وبأيدينا، حيث أضحت إسرائيل الدولة المستقرة الوحيدة والمرحب بها حتى من قبل العرب والاستقواء بها ضد بعضهم بعضاً.

إن الذين أدمنوا الاستبداد والفساد والتسلط لا يمكن لهم التخلي عن ذلك على رغم ناقوس الخطر الذي دقه الربيع العربي، كما أن من أدمنوا الزبونية والارتزاق والتحريض لا يمكن لضمائرهم أن تصحو. ولكن إذا لم يتم تدارك الأمور فإن موجة قادمة أعنف مما جرى في 2011 ستجتاح الوطن العربي، من قبل ملايين الشباب الفاقدين للأمل، ضحية البطالة والتهميش في عالم القرية الصغيرة وتدفق المعلومات، وهم يعرفون حقوقهم المسلوبة، وأن هناك ملايين الشباب أمثالهم يتمتعون بالحرية والعمل والعيش الهانئ والمشاركة السياسية. وأنهم يستحقون حياة أفضل بكثير من تلك التي يعيشونها.

صحيفة الوسط البحرينية

أضيف بتاريخ :2017/05/13

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد