آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
لمياء باعشن
عن الكاتب :
أستاذة النقد والأدب الإنجليزي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة

يا وزارة التعليم.. (قد أعذر من أنذر)


لمياء باعشن

لا شكَّ أنَّ كلَّ مَن شاهدَ المقطعَ المتداولَ لطلابِ ابتدائي يمزِّقُونَ كتبَهم في الشارعِ، بعد الامتحانات قد شعرَ بالامتعاضِ والاستياءِ من الحدث، لكنَّ الامتعاض الأكبر، والاستياء الأشد، ناله بامتيازٍ قرار معالي وزير التَّعليم بإعفاءِ قائد المدرسة «فورًا» كردَّةِ فعلٍ أوَّليَّةٍ لتصرُّفات الطلاب.

لم يختلف اثنان على أنَّ القرارَ جاء متسرِّعًا، وأنَّ تعليق الذنبِ على تربويٍّ فاضلٍ قضى من عمره 28 سنةً في خدمة التعليم، هو إهانةٌ لكلِّ قائدِ مدرسة.

والأمرُ فعلاً مزعجٌ، ليس لأنَّ عقوبة الفعل تقعُ على غير فاعلها، لكن أيضًا لأنَّ تبعيَّة هذا الحكم المتسرِّع ستقعُ موقعًا معاكسًا في نفوس الطلاب. إنْ ظنَّت الوزارةُ أنَّها تُرسِّخ درسًا تربويًّا وأخلاقيًّا في نفوس أبنائها ومعلِّميها، فما سيفهمونهُ هو أنَّ الفردَ ليس مسؤولاً عن أعمالهِ، هو يخطئ، وغيره يدفعُ الثمن، وهذا أمرٌ مقبولٌ ومُعتمدٌ (رسميًّا) من أعلى سلطةٍ تعليميَّةٍ.

هل أخطأ قائدُ المدرسة؟ ينصُّ قرار الوزير على بدء «التحقيق لمعرفة أسباب ضعف الإشراف والمتابعة من المسؤولين والمشرفين في المدرسة، لكنَّ قائد المدرسة المُعفى يقول: إنَّ لا أحدَ قد حقَّق معه، بل إنَّه عرف بقرارِ إعفائهِ من الإنترنت! إذًا، تتمُّ معاقبة القائد «فورًا» لخطأ لم يتم التحقُّق منه، ولم يثبت عليه. وكيف يكون قد أخطأ والطلاب قد مزَّقوا الكتبَ خارج المدرسة، حيث لا يمارس صلاحيَّاته كقائد؟ ولو أنَّ الطلاب ابتعدوا بضعة أمتار عن المبنى، أو مزَّقوا الكتب في منازلهم، أو أنَّهم أحرقُوها، أو أنَّهم ألقوها في حاويات الزبالة، فهل كانت الوزارةُ ستـُحمِّله المسؤوليَّة؟.

هذه المدرسة لا تنفرد بفعل تمزيق الكتب المشين، هي فقط مدرسة قليلةُ حظٍّ، إذ سجَّل الحادث شخصٌ ما بشكلٍ عابرٍ. في غيرها من المدارس، يقترفُ طلابُها هذا الذنبَ حتَّى في داخل المدرسة، وذلك مؤكَّدٌ؛ لأنَّنا جميعًا نعرفُ أنَّ تمزيق الكتب بعد الامتحانات هو ممارسة مجتمعيَّة سائدة، ومنذ زمن بعيد. فلماذا تنتفضُ الوزارةُ غضبًا هذه المرَّة، وكأنَّها لم ترَ ولم تسمع إلاَّ اليوم؟.

ثالثًا: ماذا فعلت الوزارةُ على مدى السنوات الماضية لتمنعَ هذه الظاهرة، أو لتفهم أسبابها ودوافعها؟ ربما كانت هناك دراساتٌ سابقة، وحلولٌ عمليَّة، لكنَّ الواضحَ من قرار وزير التَّعليم أنَّ وفاضها خالٍ تمامًا من سابقةٍ، ففي القرار يطلبُ الوزيرُ تشكيلَ «لجنة تربويَّة لدراسة سلوكيَّات التمزيق، وإيجاد الحلول، ورفع التوصيات». هل طلب الوزيرُ النظرَ في الملفاتِ السابقةِ، ومعرفة ما فعلته اللجانُ التي تمَّ تشكيلها قبل اليوم؟

هل من حقِّنَا أنْ نستنتجَ أنَّ هذه هي المرَّة الأولى؟

وما دامت هذه هي المرَّة الأولى، فهل عمَّمت الوزارةُ على قائدي المدارس أنْ يفعلوا أيَّ شيءٍ لتلافي مشكلة تمزيق الكتب؟ ليس هناك أيُّ تعميمٍ، ولا إلزام، ولا اقتراح! كيف تجد الوزارةُ مدخلاً يسمحُ لها بمعاقبة قائد المدرسة، وهي لم تنذره، ولم تكلِّفه أصلاً؟ الرجلُ مظلومٌ مرَّتين، مرَّة لأنَّه يُعاقب بما قام به غيرُه، ومرَّة لأنَّه لم يقم بما لم يُطلب منه.

والآن تقع الوزارةُ في نفس الفخِّ اللامنطقيِّ مع طلابها، فهي تأتي في آخر العام لتلزم الطلاب بإعادة الكتب كشرطٍ لتسلُّم الشهادات، بلا إنذار مسبق. صدر تعميم الوزارة «فورًا» بعد الامتحانات، فمن أراد أن يمزِّق كتابه فقد فعل، وهو لا يدري أنَّ هناك عقوبة ستقع عليه إن لم يسلِّمه. وهنا أيضًا لا يحقُّ للوزارةِ حرمان الطلاب من استلام الشهادات، دون أن تكون قد أنذرتهم منذ بداية العام الدراسي. هي تسرَّعت بطلب جمْع الكتب دون النظر في عواقب عدم تسليم الشهادات، وكذلك دون تهيئة المكان، وسبل التخزين، وطرق النقل، ثمَّ دون تحديد وجهة الكتب المُسْتعادة.
    
صحيفة المدينة

أضيف بتاريخ :2017/05/18

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد