آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. زيد النوايسة
عن الكاتب :
أستاذ العلاقات الدولية ، ومحلل استراتيجي - من الأردن

إستانا: فشل أم ترحيل لقمة الكبار!!


زيد محمد النوايسة

أخفق اجتماع إستانا الخامس في التوصل إلى توافقات حول مناطق خفض التوتر في مناطق الصراع في سوريا وفشلت البلدان الثلاث الضامنة في التوقيع على أي وثيقة تضمن وجود آلية لتنفيذ مناطق تخفيف التصعيد وهي المبادرة التي قدمتها روسيا بالتوافق مع الأتراك والإيرانيين وبقبول أمريكي مبدئي بعد عملية الشعيرات وبدأ الطرفان الرئيسيان، وفد الحكومة السورية ووفد المعارضة السورية، بكيل الاتهامات وتحميل كل طرف للطرف الأخر ورعاته الإقليميين والدوليين المسؤولية عن هذا الإخفاق. لكن اللافت للانتباه هذه المرة هو توجيه رئيس وفد المعارضة السورية أحمد البري الاتهام المباشر للأردن أنه وبتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية عمل على إفشال وصول ممثلي “الجبهة الجنوبية” في المعارضة والمشاركة في المباحثات معتبراً أن هذه الخطوات تأتي في سياق الرغبة الأمريكية في السير في مخططات تقسيم سوريا وأن تواجد الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الجبهة الهدف منه حماية الحدود الإسرائيلية وليس دعم المعارضة الجنوبية.

 بالمقابل أتهم وفد الحكومة السورية صراحة الجانب التركي بالسعي الحثيث لإفشال الجولة الخامسة من خلال محاولة الابتزاز الواضحة في الحصول على موافقة تضمن دخول قواتها إلى مناطق التواجد الكردي في “عفرين” ريف حلب وصولاً إلى مناطق في أدلب وهو الأمر الذي أشار إليه رئيس وفد الحكومة السورية بوضوح عندما تسرب أن الوفد التركي رفض التوقيع على ما تم الاتفاق عليه سابقا لناحية تخفيف التصعيد في مناطق الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي إلا بعد الاتفاق على كامل المناطق فيما يبدو محاولة تركية لتكريس وجودها العسكري بشكل دائم لا سيما وأن السياسة التركية فشلت في إقناع الإدارة الأمريكية بالتخلي عن دعم قوات سوريا الديمقراطية التي تسير بشكل متسارع نحو عمق مدينة الرقة للقضاء على عصابة داعش وجل ما حصلت عليه هو وعد بإعادة الأسلحة النوعية التي حصلت عليها تلك  القوات حال تحرير الرقة والقضاء على العصابة الإرهابية.

الجبهة الجنوبية التي تشمل مناطق من درعا والسويداء والقنيطرة لم تكن أيضا موضع أتفاق بين أطراف أستانا لا سيما وأن الولايات المتحدة الأمريكية حاضره كطرف رئيسي بالرغم من أن التنسيق الروسي الأردني هو الأساس فيما يتعلق بمستقبل هذه المناطق والعمل منذ ما قبل طرح المشروع الروسي في مناطق تخفيف التصعيد على تهدئة تلك المنطقة التي تعتبر منطقة نفوذ أردني أمريكي إيراني إسرائيلي وقربها من مناطق التواجد العسكري  الأمريكي في قاعدة التنف الغربي العسكرية وهي التي عززتها بقدرات صاروخية للحيلولة دون تقدم قوات الحكومة السورية نحو دير الزور؛ بالإضافة لتحفظ إيراني على وجود قوات غير روسية في مناطق الجنوب السوري كما ساهم أيضا في تأجيل الاتفاق على مستقبل مناطق تخفيف التصعيد في جنوب سوريا إلا أن المعلومات أن حجم التوافق الروسي الأردني الذي تكرس عمليا على الأرض قد يساهم في جعل هذا الملف ثنائيا بين البلدين وبموافقة أمريكية فيما يبدو.

بالرغم من الكلام الدبلوماسي الذي قيل في البيان الختامي للجولة الخامسة من أستانا إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة وجود خلاف بين الدول الضامنة لمناطق خفض التصعيد وأن ثمة رغبة حقيقة لترحيل الملف السوري إلى لقاء القمة الأول المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الجمعة 7/7/2017 في مدينة هامبورغ الألمانية على هامش لقاء دول العشرين الذي سيعقد هناك؛ ويبدو أن الملف السوري سيكون حاضراً في هذا اللقاء إلى جانب ملفات عديدة لكن بالتأكيد سيكتسب أهمية استثنائية لأنه يتعلق بما يجري الحديث عنه من ناحية إعادة رسم خطوط النفوذ في سوريا مما يستدعي أولاً توافقاً أمريكياً روسياً ويبدو أن ثمة عناوين رئيسية تم الاتفاق عليها بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ليصار لطرحها على الرئيس بوتين وأهمها  ضمان هدوء الحدود الإسرائيلية السورية في منطقة الجولان وهو ما ساهم في تأجيل التوافق على مناطق تخفيف التصعيد في جنوب سوريا إلى ما بعد القمة حتى يتم التوافق فيما بين الطرفين الأمريكي والروسي لا سيما في ظل القلق الإسرائيلي من نجاح القوات السورية من السيطرة على الحدود المشتركة مع العراق وهو ما يعني نجاح خط التواصل البري من طهران لبيروت وهو ما لا يمكن لإسرائيل والأطراف العربية الأخرى وتحديدا المملكة العربية السعودية القبول والسماح به وكذلك القلق الإسرائيلي من وجود خطة بديلة لدى قيادة حزب الله وبدعم إيراني تتضمن قيام الحزب بإنشاء مصنع للأسلحة وخصوصا الصواريخ تحت الأرض في مناطق نفوذه في لبنان كخطة “ب” في حال فشل نجاح خطة الطريق البري نتيجة الإصرار الأمريكي على منعها وتمركز وحدات عسكرية في منطقة التنف الغربي للحيلولة دون ذلك.

قد تكون هذه القمة من أهم القمم الأمريكية الروسية لعدة أسباب أهمها أن رئيس البيت الأبيض رئيس أشكالي مختلف ما زال أسير عقلية رجل الأعمال النيويوركي الذي لا يؤمن إلا بالتسويات التي تجلب صفقات رابحه دائماً وبالمقابل فأن القيصر الروسي لا يؤمن إلا بالقمم العملية التي تحقق نتائجاً متوازنة وهو غير معني باللقاءات العابرة، فطبيعة النزاعات الدولية والإقليمية التي تتولى فيها روسيا دوراً مركزياً تحتاج حلاً وتحريكاً والوصول إلى توافقات وليس إلى تجميد وترحيل كما دلت التجارب مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

القمة العتيدة تنعقد غدا على وقع تطورات خطيرة أهمها الصواريخ البالستية الكورية الشمالية العابرة للقارات وفي اليوم الوطني للولايات المتحدة الأمريكية والتي تملك القدرة على الوصول للساحل الغربي الأمريكي وفي نبرة تحدي من بيونغ يانغ بعيد القمة الأمريكية الكورية الجنوبية ستشكل أهمية قصوى للبحث مع الرئيس الروسي بالإضافة للازمة في أوكرانيا والملف الإيراني والأزمة الخليجية والحرب على الإرهاب.

من المبكر التنبؤ بالخروج بتوافقات مفصلية أمريكية روسية على مجمل الملفات التي تشتبك فيهما القوتان نتيجة تضارب المصالح بينهما وخصوصا في الأزمة السورية بعد الضربة العسكرية لمطار الشعيرات وإسقاط الطائرة السورية في منطقة التنف وإعادة التلويح باتهام القوات السورية باستخدام الأسلحة الكيماوية لكن ثمة ما يشير إلى أن واشنطن ستؤكد أن إسقاط الرئيس الأسد ونظامه ليس من ضمن مشاريعها وأن الأولوية هي لمحاربة الإرهاب وعلى رأس تنظيماته عصابة داعش وربما تبدي الولايات المتحدة الأمريكية مرونة ملحوظة لجهة تمرير المشروع الروسي لمناطق تخفيف التصعيد مقابل الحصول على ضمانات تحد من النفوذ الإيراني في سوريا وتحديدا فيما يساهم في ضمان الآمن الإسرائيلي.

التجارب مع الرئيس ترامب منذ ما قبل الفوز لا تمنح مزيداً من التفاؤل فالانقلاب على الوعود هي صفة ارتبطت بتلك الإدارة بالإضافة إلى أن توافقات مع الرئيس بوتين وروسيا تشكل مشكلة داخلية لترامب نفسه.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2017/07/07

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد