آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الحميد العمري
عن الكاتب :
عضو جمعية الاقتصاد السعودية

ثاني التحديات الاقتصادية .. أزمة الإسكان


عبد الحميد العمري

تأكيدا لما سبقت الإشارة إليه؛ أن ترتيب التحديات الاقتصادية، لا يعني وجود مسافات بينها، فجميعها يقف على مستويات عليا من الأهمية، تقتضي تسخير أكبر قدرٍ ممكن من الموارد والجهود، للتصدّي لها ومواجهتها بما تتطلب لحلها وتجاوزها.

انتهى المقال السابق إلى تحديد مهمة الحد من البطالة، كأقوى التحديات الاقتصادية الراهنة والقادمة، كونها المعضلة التنموية التي تمس تعطل توظيف الشرائح الشابة والفتية من الأفراد، وتشكل نحو ثلاثة أرباع المجتمع السعودي، ولما يحمله تأخر توظيف تلك القوى العاملة الشابة من خسائر مادية فادحة جدا، عدا المخاطر العديدة اجتماعيا وأمنيا واقتصاديا التي لا يمكن تقديرها بلغة الأرقام.

هنا تأتي مهمة مواجهة أزمة الإسكان، التي تتطلب أهميتها تخصيص جزءين متتالين للحديث عنها، كونها أحد أقوى التحديات الاقتصادية اللازم التصدي لها ومعالجتها، التي نشأت في أصلها عن اتساع دائرة هائلة من التشوهات المسيطرة على سوق العقار، بدءا من احتكار الأراضي بمساحات شاسعة جدا لعقودٍ طويلة دون أي تكلفة، مرورا بارتفاع وتائر المضاربات المحمومة على ما بقي متاحا للتداول منها، ما تسبب بدوره في ظل التنامي الهائل لأحجام السيولة المحلية خلال العقد الأخير 2006 - 2014، وضعف وجود القنوات الاستثمارية آنذاك، لامتصاصها وتوظيفها. كل هذا تسبب في كثافة تدفّق أغلبها دون قيد أو شرط أو تكلفة إلى سوق العقار، أو إلى أوعية الأراضي بمعنى أكثر دقّة بما تعانيه من تشوهات، التي ترتّب عليها اتجاه أسعار الأراضي والعقارات والإيجارات نحو ارتفاعات قياسية، فاقت بنسب عالية جدا معدلات نمو جميع المؤشرات الاقتصادية (النمو الاقتصادي، نمو السيولة، نمو أسعار النفط، نمو الإنفاق الحكومي، نمو الائتمان، نمو الدخل السنوي للأفراد إلخ).
أفضت هذه التطورات المتسارعة في سوق العقار، إلى مزيد من تشوهاتها ومزيد من تضخّم أسعار الأراضي بنسبٍ فاقت 1000 في المائة في أغلبية المدن والمحافظات خلال أقل من عقدٍ زمني، نتج عنه ارتفاع تكلفة المنتجات العقارية باختلاف أنواعها، وارتفاع تكلفة إيجاراتها السكنية والتجارية والصناعية والخدماتية، وتحوّلت تلك النتائج في مجملها إلى أحد أكبر مزودات التضخم المحلي، وارتفعت على أثرها تكلفة التشغيل والإنتاج على منشآت القطاع الخاص دون استثناء، أدّى بدوره إلى ارتفاع أسعار بيع منتجاتها وخدماتها على المستهلك النهائي، الذي عانى الأخير بدوره ارتفاع تكلفة إيجار مسكنه، لترتفع عليه في المجمل تكلفة معيشته بمعدلاتٍ هائلة، فاقت في نموها السنوي المطرد جميع الزيادات التي طرأت على دخله السنوي، ولم يقف الأمر عند هذا الحد من السوء! بل امتد حتى إلى من تملّك مسكنه عن طريق الائتمان المصرفي (التمويل العقاري) خلال تلك الفترة، انتهى به الحال لاحقاً إلى استقطاع نحو 65 في المائة من دخله الشهري لسداد الأقساط المصرفية المستحقة عليه لفتراتٍ زمنية تمتد إلى 20 - 25 عاما قادمة، ويزداد الأمر سوءا أكبر عند تقاعد المستهلك أو المشتري، الذي سينخفض دخله التقاعدي الشهري إلى مستوى أدنى من القسط الشهري للقرض العقاري، وقد يواجه أيضا معضلة ارتفاع ذلك القسط نتيجة ارتفاع معدلات الفائدة، وهو الجانب المقلق جدا حتى لمن لا يزال على رأس عمله، دع عنك من قد يفقد عمله ومصدر دخله الشهري الوحيد، إذا كان يعمل في القطاع الخاص، نتيجة التطورات المعاكسة التي شهدتها منشآت القطاع خلال العامين الأخيرين، ولجوء كثير منها إلى الاستغناء عن عشرات الآلاف من العمالة الوطنية (مواد نظام العمل الجديد 74، 75، 76، 77).

لقد وقعت الآثار السلبية أعلاه وغيرها على الأطراف كافة اقتصاديا ومجتمعيا، وتحمل أوزارها غالبية الأفراد والمنشآت، وحتى القطاع الحكومي الذي تحمل خلال الفترة الماضية تكاليف مالية باهظة، بدءا من اضطرار المالية الحكومية إلى رفع أجور ورواتب العاملين لديها وحتى البدلات الشهرية، مرورا برفع حجم القرض العقاري من 300 ألف ريال إلى 500 ألف ريال، ويواجه اليوم استمرار العمل به معوقاتٍ بالغة الصعوبة، هذا عدا ارتفاع تكلفة إيجارات منشآتها ومؤسساتها المستأجرة. كل هذا وغيره من التطورات المعاكسة التي لا يمكن حصرها هنا، أسهم بشكلٍ مباشر في زيادة تعقيدات أزمة العقار والإسكان على حدٍ سواء. وفي الوقت الذي كان يؤمل أن تتكاتف الجهود والسياسات الحكومية في حل هذه الأزمة، تحديدا وزارة الإسكان التي وضعت الدولة في يدها إحدى أقوى الأدوات المحاربة للاحتكار والمضاربات على الأراضي، ممثلاً في نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي أقرته الدولة بعد نحو عقدين من الزمن منذ أول اقتراح له، إلا أنّ النتائج على أرض الواقع جاءت أيضا بعيدة عن ملامسة أساس وصلب الأزمة العقارية والإسكانية التي تتمثّل في التضخم الهائل لأسعار الأراضي والعقارات باختلاف أنواعها وتكاليف إيجاراتها، حيث دخل تطبيق نظام الرسوم على الأراضي وتيرة بطيئة جدا، أراحت كثيراً مارد الاحتكار العقاري، ومنحته مهلا زمنية طويلة جدا، تمكن على أثرها من التقاط أنفاسه، ولم يؤثر إلا في خفوت أشكال المضاربات على الأراضي، كما ساعد التشوهات العقارية لتدوم فترة أطول؛ اندفاع وزارة الإسكان في طريقٍ ثالث (زيادة التمويل العقاري)، كما سيأتي إيضاحه الآن.

إذ اندفعت وزارة الإسكان في طريقٍ ثالث، أبعدها كثيراً عن الاقتراب من معالجة الأزمة العقارية والإسكانية، واندفعت بسرعةٍ هائلة خلف حلول زيادة التمويل العقاري، الذي اصطدم بضعفٍ شبه شامل لقدرة الأفراد على زيادة الائتمان، نتيجة ارتفاع حجم القروض الاستهلاكية على كاهلهم، وفي الوقت ذاته لتدني مستويات أجورهم الشهرية، وضعف حظهم من الاقتراض العقاري مقابل ارتفاع أسعار الوحدات السكنية. إن هذا النوع من الحلول؛ يكاد يكون معدوم الجدوى قياساً على ما وصلت إليه المعطيات الاقتصادية الراهنة، وفي ظل ما تعانيه السوق من تشوهات وتضخم سعري سبقت الإشارة إليه، مثلت في حقيقتها صلب الأزمة!
ودائماً ما تؤول أي حلول مقترحة لأي أزمةٍ كانت إلى الفشل وعدم التحقق، إذا وقعت في مطب الاعتراف والقبول التام بـ "نتائج" الأزمة، وفي الوقت ذاته تجاهلت التصدي الحقيقي "لأسباب نشوء الأزمة"، وهو ما حدث فعلاً في خصوص الأزمة العقارية والإسكانية محلياً. سيستكمل الحديث بمشيئة الله تعالى في الجزء التالي من هذا المقال، حول آليات الخروج من وعثاء الأزمة العقارية والإسكانية، التي تختلف في فعاليتها وقوتها كثيراً عما هو معمول به في الوقت الراهن، وهو الأمر الذي يؤمل أن يجد اهتماماً واستجابةً من لدن وزارة الإسكان بالدرجة الأولى، ومن بقية الأجهزة الحكومية ذات العلاقة. والله ولي التوفيق.
 
صحيفة الاقتصادية

أضيف بتاريخ :2017/08/16

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد