تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. سعيد الشهابي
عن الكاتب :
كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

ثلاث سنوات دمار: قصة الحرب الفاشلة على اليمن


د. سعيد الشهابي

ثلاثة أعوام متواصلة من الحرب على اليمن لم تحدث تغيرا حقيقيا على التوازن السياسي والعسكري في اليمن، ولم تحقق السعودية التي تقود التحالف المشارك في تلك الحرب تقدما ملحوظا سواء على الجبهة العسكرية أم في المفاوضات التي تواصلت وانتقلت من الكويت إلى جنيف ومسقط. هذا يعتبر أخفاقا كبيرا خصوصا للسعودية والأمارات اللتين تصدرتا التحالف برغم التفوق الهائل لهما في المعدات العسكرية. ومن المؤكد أن حكام البلدين لم يتوقعوا هذه النتيجة أبدا. فحسب أغلب المحللين فأنهم كانوا يعتقدون أن القصف المكثف على المواقع اليمنية سيؤدي لسقوطها في الأيام أو الأسابيع الأولى من الحرب.

المشكلة أن كلا البلدين ربطا سمعتهما وهيبة بلديهما بتحقيق انتصار عسكري ساحق على جماعة أنصار الله (الحوثيين) وحلفائهم، ولم يتخيلوا لحظة أن هذه المجموعات المحاصرة برا وبحرا وجوا سوف تستطيع الصمود ثلاثة أعوام كاملة. وربما الأخطر من ذلك أنهم لم يتوقعوا ردة الفعل الدولية المتواصلة وتصاعد المطالبة بوقف الحرب بدون قيد أو شرط. في البداية كانت تلك المطالبة تنطلق من جماعات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، خصوصا أن البلدين انفقا مئات المليارات لكسب مواقف أغلب الدول العربية والأجنبية، وسخرا العشرات من شركات العلاقات العامة ووسائل الإعلام لدعم الحرب. السعودية من جانبها سيطرت على الجامعة العربية ووضعت عسكر مصر تحت أبطها، وجرت كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا للمشاركة العملية في الحرب. وبعد أقل من أربعة شهور على بدء الحرب اعترف وزير الدولة لشؤون الدفاع البريطاني، اللورد هاو لمجلس اللوردات أن حكومته تدعم السعودية بالمعلومات والأسلحة الموجهة (من قنابل وصواريخ) والخبراء. وعندما زار ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بريطانيا هذا الشهر كررت رئيسة الوزراء وقوفها مع السعودية في تلك الحرب، برغم اعتراضات رئيس حزب العمال المعارض، السيد جيريمي كوربين، على ذلك ودعوته الصريحة لوقف تزويد السعودية بالسلاح.

في الذكرى الثالثة للحرب أصدرت منظمة العفو الدولية يوم الجمعة الماضي بيانا شجبت فيه مبيعات السلاح الغربية للسعودية وحليفاتها في حرب اليمن. وقالت إن مثل هذه التجارة تجعل المعاهدة العالمية لتجارة الأسلحة «مدعاة للسخرية». وقالت لين معلوف، مديرة بحوث الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية: «ثمة أدلة كثيرة على أن تدفق الأسلحة غير المسؤول إلى قوات التحالف الذي تقوده السعودية أدى إلى إلحاق أضرار هائلة بالمدنيين اليمنيين». وأضافت قائلة: «بيد أن ذلك لم يردع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرهما من الدول، ومنها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، من الاستمرار في شحن أسلحة تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات».

وفي الوقت نفسه دعا وزير الدفاع الأمريكي، ماتيس، السعودية للبحث عن حل سياسي للحرب، وهو ما ردده مسؤولون بريطانيون في الشهور الأخيرة. أما الاتحاد الأوروبي فقد دعا لوقف ذلك العدوان مرارا. وقال ماتيس الأسبوع الماضي معبرا عن الدعم القوي للرياض «علينا أيضا إحياء الجهود بشكل عاجل للبحث عن حل سلمي للحرب الأهلية في اليمن ونحن ندعمكم في هذا الصدد».

ويمكن القول أن الحرب أحدثت اضطرابا سياسيا وأخلاقيا غير مسبوق في التحالف الأنجلو ـ أمريكي. ففي الوقت الذي أصبح مسؤولوه مقتنعين باستحالة حسم الحرب عسكريا وكرروا دعواتهم للبحث عن حل سياسي، فأنهم يواصلون تزويد السعودية بالسلاح. وفي الزيارة الأخيرة لولي العهد السعودي لبريطانيا وقع عقودا عسكرية بعشرات المليارات، من بينها صفقة لشراء 48 طائرة عسكرية من نوع «تايفون». وقالت وزارة الخارجية الأمريكية يوم الخميس الماضي إنها وافقت على صفقة لبيع 6600 صاروخ تاو مضاد للدبابات للسعودية بنحو 670 مليون دولار. وقالت في بيان «هذا البيع المقترح سيدعم السياسة الخارجية للولايات المتحدة وأهداف الأمن القومي من خلال تحسين الأمن في دولة صديقة كانت وتظل قوة مهمة للاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي في الشرق الأوسط». يضاف إلى ذلك رفض مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي قرارا يسعى لإنهاء دعم الولايات المتحدة لحملة السعودية في اليمن. وصوت المجلس بأغلبية 55 مقابل 44 برفض القرار الذي سعى للمرة الأولى لاستغلال بند في قانون سلطات الحرب لعام 1973 يسمح لأي سناتور بطرح قرار حول سحب القوات المسلحة الأمريكية من أي صراع لم تحصل على تفويض من الكونغرس للمشاركة فيه. ولم تنحصر انتقادات تصدير الأسلحة لدول التحالف العسكري على أمريكا وبريطانيا. بل أن فرنسا هي الأخرى تواجه ضغوطا لوقف ذلك. وتعتبر فرنسا، ثالث أكبر مصدر للأسلحة في العالم، السعودية والإمارات من أكبر مشتري أسلحتها، ولأكبر الشركات الدفاعية الفرنسية مثل داسو وتاليس عقود كبرى في الخليج. وتقول مؤسسة دروا سوليداريتيه وهي منظمة قانونية غير حكومية ومجموعة آسر المتخصصة في قضايا السلاح إن فرنسا تنتهك القانون الوطني والدولي ببيع أسلحة تستخدم في الصراع باليمن.

وقال بينواه ميراكسيول رئيس مجموعة آسر «فرنسا لا تحترم التزاماتها الدولية». وقال ميراكسيول «سنتوجه إلى مجلس الدولة اعتبارا من أول مايو إذا كان هناك رفض صريح أو ضمني من الحكومة للاستجابة». وأرسل محامون يعملون في المنظمتين رسالة إلى مكتب رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب يطالبون فيها بتعليق تراخيص التصدير. وإذا لم تف الحكومة الفرنسية بالمهلة التي حددتاها فسترفع المنظمتان القضية إلى مجلس الدولة أعلى هيئة قانونية فرنسية. ويأتي هذا التحرك فيما قلص بعض الدول الأوروبية على رأسها ألمانيا العلاقات مع التحالف العسكري الذي تقوده السعودية بسبب مخاوف من دوره في الحرب الأهلية اليمنية. ولم تحذ فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة حذو هذه الدول.

الواضح أن التصريحات الصادرة من واشنطن ولندن التي تستبطن دعوة لوقف الحرب تتناقض مع قرارات الاستمرار في تزويد السعودية والإمارات بالسلاح الذي سوف يستخدم في الحرب على اليمن.

إنها مفارقات أخلاقية ليست غريبة على الغرب الذي أصبح يمارس بشكل علني سياسة ازدواجية المعايير. فالدعوات المتواصلة لوقف الحرب من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية وبعض الأحزاب المناوئة للحرب يقابلها سياسات راسخة بالاستمرار في تزويد من يعتبرهم الغرب «حلفاء» بما يحتاجونه من أسلحة تستخدم ضد «الأخوة الأعداء» داخل البيت العربي والإسلامي الواحد. لكن هذا الغرب نفسه لا يسمح بأي سلاح يمكن أن يستخدم ضد «إسرائيل». والمعروف أن الطائرات الأمريكية من نوع إف 15 لا يسمح لها بالتمركز في قاعدة «تبوك» السعودية التي لا تبعد سوى 150 كيلومترا عن الأراضي المحتلة. كما أن بعض الطائرات الأمريكية تحتوي على مواصفات أقل كثيرا من نظيراتها التي تباع للكيان الإسرائيلي. ولم يخف الإسرائيليون رفضهم بناء مشروع نووي سعودي، برغم التقارب بين الطرفين خشية وقوع أي من الأسلحة النووية أو المتطورة مستقبلا بأيدي مجموعات غير صديقة. وإذا كان العداء لإيران دافعا لتعاون الرياض وتل أبيب في الوقت الحاضر، فأن الخطط الإستراتيجية الإسرائيلية إنما تؤسس بنظرات بعيدة. ومن المؤكد أن للإسرائيليين دورا كبيرا في تحريك الصراعات الإقليمية التي أصبحت السعودية والإمارات تتصدرانها في السنوات السبع الأخيرة التي أعقبت ثورات الربيع العربي. الأمر المؤكد أن التخطيط للحرب على اليمن لم ينحصر بالرياض وأبوظبي، بل أن الأيدي الإسرائيلية بالإضافة للتحالف الأنكلو ـ أمريكي لم يكن بعيدا عن ذلك. وترى الأطراف الثلاثة غير العربية أن وقف الحرب في الوضع الراهن لا يخدم مصالحها الإستراتيجية لأنه سيجعل اليمن بلدا أقوى كثيرا مما كان عليه، خصوصا بعد اكتسابه خبرة واسعة في الحرب، وبروز ثقافة الاعتماد على الذات في ظل الحصار البري والجوي والبحري الذي يفرضه التحالف الذي تقوده السعودية عليه.

جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2018/03/26

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد