تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. سعيد الشهابي
عن الكاتب :
كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

تناقضات سياسات العراق تتجلى في الحملات الانتخابية


د. سعيد الشهابي

العراق سيظل، كما كان دائما، البلد العربي الذي يستعصي على «التطويع» من أي طرف يسعى لذلك. فقد تمرد على الخلفاء والأئمة. كان شيعيا ولكنه قتل عليا والحسين، وكان سنيا ولكنه اعتقل أبا حنيفة وعذبه حتى الموت. من أرضه انطلقت الحروب، ولكن لم تصل إليه الغزوات، وعلى ترابه حسمت المعركة ضد الفرس في معركة القادسية.

حارب الاستعمار وخاض ثورة العشرين، ولكنه خضع للانكليز بعد ذلك. ثار علماؤه ضد الاستعمار فأبعدهم، ولكنهم وافقوا على ترك السياسة في مقابل العودة لاحقا. حكمه حزب البعث ولكنه رفض الوحدة مع سوريا البعثية أيضا. رفعت حركاته الإسلامية شعار العداء للغرب، ولكنها تعايشت مع الوجود الغربي بعد إسقاط النظام السابق. هو في عمق الإسلام ولكنه لم يعاد النصارى أو اليهود الذين تعايشوا مع غالبية سكانه المسلمين. هو شيعي لكنه يحتضن السنة، وسني لكنه لا يرفض الشيعة. انطلقت منه إيديولوجيات العلمنة ونشط فيه الشيوعيون وحكمه البعثيون، ولكنه لم يستطع التنكر للإسلاميين. نظامه السياسي أعدم كبار العلماء مثل محمد باقر الصدر وعبد العزيز البدري، ولكنه بقي معقلا للعلماء والفقهاء ماضيا وحاضرا. أنه بلد يحمل تناقضاته علنا، ولكنه يتعايش معها. أقام نظامه السياسي الحالي في ظل الاحتلال الأمريكي، ولكنه لم يقبل بوجود ذلك الاحتلال، فحاربه بالسلاح والسياسة معا. يحكمه اليوم خليط من الإسلاميين وغيرهم ومنهم حزب الدعوة الذي ينتمي إليه رؤساء الوزراء الثلاثة منذ العام 2005 ولكنه لا يدعي تطبيق المشروع الإسلامي الذي تأسس الحزب من أجله. طرح سياسة اجتثاث البعث، ولكنه لم يقطع الطريق أمام البعثيين الذين ابدوا استعدادا للتعايش ضمن المنظومة السياسية القائمة، فأصبحوا أعضاء في برلمانه ويستعدون لخوض انتخاباته المقبلة. سياسيوه يشتم بعضهم بعضا، فبعضهم متهم بالعمالة لأمريكا، وآخر لإيران، وثالث للسعودية ورابع لتركيا. وتتصاعد الحرب الباردة بينهم (في أحسن الأحوال بعد أن تعبوا من الاحتراب العسكري والاقتتال وفق خطوط التمايز العرقي والديني والمذهبي). يتهمون السعودية بالتدخل في شؤونهم وتمويل بعض المنظمات الإرهابية التي لم تتوقف حتى الآن عن التفجير والاغتيال، ولكنهم مستعدون للتطبيع معها وقبول «هدية» من ولي عهدها لبناء ملعب عملاق وسط بغداد. وما أصدق الشاعر الشيخ أحمد الوائلي الذي قال:

بغداد يومك لا يزال كأمسه صور على طرفي نقيض تجمع
هل هذه نقاط قوة أم ضعف؟ أهي ناجمة عن خطة أم فرضها واقع العراق الذي لا يرضى عنه أحد؟ الأمريكيون منزعجون لأنهم يواجهون رفضا عاما لفتح القواعد العسكرية على أراضيه برغم وجود آلاف الجنود، وبرغم الحجم غير المسبوق للسفارة الأمريكية التي تضم أكثر من 3000 «موظف» وتحتل واحدا من أكثر المواقع مركزية على ضفاف دجلة.

والإيرانيون غير راضين عن إداء حكومة العراق خصوصا في علاقاتها مع أمريكا والسعودية وتصريحات بعض مسؤوليها السلبية تجاه إيران. والرياض لم ترض عن العراق يوما لأنها ترى فيه منافسا تسعى لتحييده بالمال والنفوذ والضغط السياسي من قبل الحلفاء الغربيين. في مثل هذا الواقع يصعب وصف هذا البلد الكبير على صعيد الأيديولوجيا والانتماء والسياسة الخارجية. فلاهو بلد ديني تحكمه المؤسسة الدينية كما في إيران، ولا هو نظام علماني يتنكر للدين في الحياة العامة. فللدين موقعه في السياسة، وللسياسة موقع بارز لدى الدينيين. كان بإمكان العراق تقديم نموذج للحكم «الوسطي» على هذا النمط، ولكن تجربة السنوات الخمس عشرة منذ الحرب الأنكلو ـ أمريكية التي أسقطت نظامه السابق لم ترق لتكون موضع إعجاب الآخرين. فالحرب المذكورة ما تزال مثيرة للغط الكثير لأنها انطلقت على أسس واهية وذرائع خاطئة. فلم تعثر قوات التحالف الأنكلو ـ أمريكي على أي أثر لأسلحة الدمار الشامل التي قيل أن العراق يمتلكها آنذاك واستخدمت لتبرير الحرب. والنظام السياسي الذي تمخض عن تلك الحرب ما يزال أسيرا لدى ذلك التحالف، وما يزال يبحث عن هوية سياسية أو أيديولوجية لإعادة بناء العراق بما يعيد له موقعه ونفوذه الإقليمي. بل أن هذا البلد العملاق ما يزال أرضا خصبة لتدخلات الآخرين بذرائع شتى وأساليب متنوعة. كما أن هويته السياسية ما تزال مشوشة. فلا هو نظام ديمقراطي حقيقي، بل اعتمد نظام المحاصصة التي تلغي جوهر الديمقراطية. ولا هو نظام يحكم بلدا متماسكا. فما تزال أقاليمه بنزعاتها المذهبية والعرقية تتنازع على ثرواته وتنطلق ليس بدوافع وطنية بل ذرائعية ومناطقية ومذهبية وعشائرية.

يسجل للعراق أنه استطاع التصدي لظاهرة الإرهاب، وحزم أمره عندما وصلت مجموعات داعش في العام 2014 إلى أطراف بغداد وكادت تقتحمها، فتأسس «الحشد الشعبي» إثر فتوى المرجعية الدينية، وتواصلت المعارك، بدعم أمريكي حتى تم استعادة المناطق التي سيطرت عليها داعش في شمال العراق وغربه. مع ذلك فمن السابق لأوانه الاعتقاد بانتهاء خطر العنف والإرهاب، وأن كانت الأزمة الطائفية قد تراجعت كثيرا. ويسجل للعراق رفضه المشروع الطائفي الذي أحدث استقطابات في المنطقة ساهمت في أضعاف جبهة التصدي للاحتلال الإسرائيلي من جهة، وتنامي النفوذ الأمريكي من جهة أخرى.

وكان يتوقع للعراق أن يستعيد مكانته على الصعيد العربي خصوصا بعد أن أظهر شيئا من التعافي السياسي والمجتمعي. ولكن الواضح أن الظروف ما تزال غير مهيأة لقيام محور تقدمي يتصدى للاحتلال والهيمنة الأجنبية ويساعد الشعوب على استعادة حريتها وسيادتها. فالدول العربية الكبرى مشغولة بنفسها بشكل غير مسبوق، وأصبح بعضها مهددا بالتقسيم والتصدع الداخلي في ظل أجواء من القمع غير مسبوقة. مشكلة العراق، كغيره من الدول العربية الكبرى، أنه يفتقد المبادرة للتصدي لظاهرة «الغوغاء السياسية» التي دفعت دولا صغيرة هامشية لتصدر المشهد السياسي وبسط النفوذ على دول أكبر منها وأقدم وجودا وحضارة. وزعماء العراق الحاليون يفتقدون المشروع السياسي الذي يعيد بلادهم إلى خريطة التوازن السياسي والعسكري الإقليمي، ويعيد تأهيل شعبه ليكون لاعبا في مشروع نهضوي شامل قادر على إعادة تأهيل الأمة للتحرر والتنمية والوحدة والاستقلال واستعادة السيادة.

يضاف إلى ذلك أن العراق الذي يستقبل الذكرى الخامسة عشرة للتغيير السياسي الذي فرضه التدخل العسكري الأجنبي، لم يقدم مثالا ناصعا للنزاهة وحسن الأداء والكفاءة في الإعمار والتطوير والتنمية. فما يزال الفساد سمة ملتصقة بنظام الحكم، وممارسة مقبولة في المعاملات العامة. وهو فساد يزكم الأنوف لأنه في بعض الحالات، يتصل بنهب المال العام وتبديد ثروات البلاد، والاستحواذ بقوة السلاح والانتماء الحزبي على مباني الدولة وأراضي الشعب. وتصنف العراق اليوم بأنها واحدة من أكثر الدول فسادا. فمنظمة «ترانسبيرنسي انترناشيونال» تقول أن العراق لا يحظى إلا بـ 18 بالمائة في مجال الفساد العام، وأن تصنيفه انحدر إلى 169 من بين 180 دولة.

وبرغم أن كل من وصل إلى رئاسة الوزراء أعلن عزمه على مكافحة الفساد إلا أن شيئا لم يتغير حتى الآن. وقد أصبح الفساد ظاهرة عامة في البلاد تبدأ بالمواطن العادي وتصل إلى الوزراء وأعضاء البرلمان وزعماء الكتل السياسية. فالرشوة وتبديد المال العام والسطو على الممتلكات العامة والاستيلاء على الأراضي خصوصا في المواقع المهمة، أصبحت ظواهر شائعة. والأخطر من ذلك أن هناك من يبرر هذا الفساد بذرائع دينية (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء). وفي خضم الحملات الانتخابية الحالية تبرز قضية الفساد عنوانا ضمن المانفستو الانتخابية للكتل السياسية، ولكن تعمق جذوره يحول دون اجتثاثه بسهولة خصوصا مع غياب القيادات القادرة على صنع المواقف التاريخية.

جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2018/04/09

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد