آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
نظام مارديني
عن الكاتب :
كاتب وصحافي سوري

ظهر دخان العراق الأبيض.. متى يظهر في لبنان؟


نظام مارديني

أخيراً، هدأت الضوضاء العراقية بعدما بان الدخان الأبيض، إيذاناً بإعلان «كرادلة» البرلمان العراقي وبأغلبية بأنهم تمكنوا من اختيار الرئيس الجديد، ووقع الاختيار على برهم صالح.

فبعد أسبوعين من «انتخاب» رئيس مجلس النواب، تكرّر المشهد في عملية «انتخاب» رئيس الجمهورية بعيداً عن الصفقات في الشكل وفي المضمون، وكان لا بد من وجود رابح وخاسر هنا في «الانتخابين». وهو ما يمكن تلمّسه من تعبيرات وجه رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني وتصريحه المقتضب بعد خسارة سكرتيره الشخصي فؤاد حسين لمنصب الرئاسة الأولى. ولا يغيب عن ذهننا هنا تزكية ماكغورك بريت ممثل الرئيس الأميركي لصالح من خلال إعادته إلى جسم الاتحاد الوطني الكردستاني قبل انتخابات الرئاسة.

كما يمكن رؤية خيبة الآمال والإحباط على وجه حيدر العبادي الذي عمل وكدح وتعب للإبقاء على رئاسة الحكومة بيده إلا أن تكليف عادل عبد المهدي كان صاروخاً إيرانياً بامتياز، وهو شبيه الصواريخ البالستية التي دمّرت مقار الارهابيين، ووجهت رسالة إلى الأميركيين، بأن محور المقاومة ينتصر بالسياسة داخل العراق كما ينتصر بالحرب على الإرهاب وداعميه.

صحيح أن من مساوئ الديمقراطية التوافقية بالمبدأ أنها تسمح للغرب بقيادة الولايات المتحدة بالتدخل في شؤون المنطقة والدول، وهو ما حصل العراق، وأدى هذا التدخل إلى تأخير الاستحقاقات الدستورية بعض الوقت، بسبب طبيعة نظام المحاصصة والتوافق الذي بدأ السير به منذ العام 2006، كما وضعه مندوب الاحتلال بول بريمر، بحيث جُعِلت رئاسة الجمهورية من حصة «المكوّن الكردي» في مقابل رئاسة مجلس النواب «للمكون السني» ورئاسة مجلس الوزراء «للمكوّن الشيعي».. وقد أدى ذلك إلى تقوية آليات الكوتات والحصص في النظام السياسي العراقي.

وكم هذا شبيه بالمحاصصة القائمة في لبنان!

إن ما يحصل في لبنان من تأخير بتشكيل الحكومة، بعد مرور أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية، يدل بشكل واضح وسافر على خطورة الديمقراطية التوافقية التي لا تتغلغل إلا حيث الانقسامات العمودية والأفقية في المجتمع، وما التدخلات الأميركية والسعودية في تأخير هذا الاستحقاق الدستوري إلا صورة لهذه الانقسامات القائمة. وهو ما يدل على هذا الكمّ المعقد من القضايا الشائكة والمتشابكة في لبنان والذي يفضي إلى ثلاث حقائق سيكولوجية: خلق تشوش فكري لدى متخذ القرار يضطره إلى التركيز فقط على القضايا التي فيها خطر عليه، وتعميق روح الشك في الآخر بين الفرقاء في بارانويا سياسية، وتقوية الانتماءات والولاءات للأحزاب الطائفية والعشائرية ولدول خارجية على حساب الانتماء للمواطنة والولاء للوطن.

إن العملية السياسية الجارية في لبنان تعيد الآن إنتاج نفسها في كل استحقاق دستوري، ويعيد القائمون عليها تدوير أنفسهم مرة جديدة، غير مدركين أن هذا إنّما يدفع المجتمع اللبناني إلى المزيد من الانقسام وهو ما يمكن رؤيته عند بعض البعض من فضائيات الفتنة في لبنان كما في العراق ، الذين يطبخون الكثير من الأوهام، الذين نطالبهم بأن يمارسوا وظيفة مهنية واخلاقية بدل استضافة صانعي الأبواق الذين يؤججون لداحس وغبراء جديدة في لبنان، والتي لن تحصد الاّ اصابعهم الغاطسة بالوهم والغبار.

ولكن يبقى السؤال الكبير الذي يشغل البال، هل سيشهد اللبنانيون الدخان الأبيض قريباً أسوة بالعراقيين؟

إن اختلاف العراقيين بين بعضهم البعض، واختلاف اللبنانيين أيضاً بين بعضهم، على مستوى الأفكار والتصورات، ليس حالة سلبية، بل هو جزء من الناموس الكوني العام.. لهذا فإن المنهجية السلمية لتقدير التنوع واحترامه، هو سبيل الوحدة الطبيعي.. فهل ينظم العراقيون واللبنانيون اختلافاتهم وتنوعاتهم، والتوجه كأفراد وجماعات، لاختيار الأطر والقنوات الصالحة لإدارة الحوار في ما بينهم لا «جزه»؟ أم ستبقى الانقسامات السياسية والمذهبية والعراقية مرتعاً للتدخلات الخارجية؟

جريدة البناء اللبنانية

أضيف بتاريخ :2018/10/04

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد