آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمد عبد الشفيع عيسى
عن الكاتب :
أستاذ في معهد التخطيط القومي ــ القاهرة

«سلاسل القيمة المضافة» والاقتصاد العالمي الراهن


  محمد عبد الشفيع عيسى   

كيف نفهم مسار و مصير الاقتصاد العالمي في الآونة الراهنة؟ في محاولة ــ ولو أوليّة ــ للإجابة عن هذا السؤال، قام كل من «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» – «أنكتاد»، و«منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية» – «يونيدو»، باستحداث إطار منهجي يتم من خلاله استعراض وقياس التطور الراهن فى الاقتصاد العالمي، يقوم على مفهوم «سلاسل القيمة المضافة العالمية» GVCs Global Value-added Chains. خلاصة هذا المفهوم أن عملية الإنتاج السلعي والخدمي يتم تدويلها بالكليّة، وفق صيغة تقسيم العمل الدولي «الرأسمالي» غير المتكافئ بين مجموعتين: مجموعة الدول المتقدمة أو الأكثر تطوراً، معبّراً عنها تقريباً بمجموعة الدول الصناعية السبعة G7 ومن معها في المقدمة، ومجموعة الدول النامية، التي تنقسم من داخلها إلى: مجموعة دول ناهضة (أو ناهضة صناعياً أو «ديناميكية»)، ومجموعة أخرى أقرب إلى المفهوم الدارج للأسواق الناشئة ثم شرائح متتالية على مقياس الدخل: بلدان متوسطة الدخل، و أخرى منخفضة الدخل، وكذلك بلدان أقل نمواً، و بلدان أخيرة في القاع هي «أقل الأقل نمواً».

هذا الاستقطاب الثنائي، على المستوى «الجيو اقتصادي»، بين مجموعتين عريضتين، الذي لا يستبعد، بل يستدعي، قدراً ملحوظاً من التدرج داخل «المجموعتين القطبيْن»، يتبعه استقطاب شديد التعقيد على المستوى الإنتاجي والتكنولوجي. وفي هذا السياق، استحدث بعض الأعمال البحثية و التقارير الدولية – خاصة «التجارة والتنمية» للأنكتاد – تقسيماً أفقياً للأنشطة الاقتصادية إلى ثلاث شرائح لعملية الإنتاج: مرحلة ما قبل الإنتاج (السلعي والخدمي)، ومرحلة الإنتاج، ومرحلة ما بعد الإنتاج.
بالتوافق مع التقدم أو (الثورة) في المجال الرقمي، يشير مفهوم «سلاسل القيمة المضافة العالمية» إلى أن عملية الإنتاج تنقسم إلى شرائحها ومراحلها الثلاث هذه في إطار تكوين «القيمة الاقتصادية» وتوزيعها، حيث تتوزع القيمة المضافة على امتداد سلسلة إنتاجية و جغرافية، وحيث تتكون السلسلة الإنتاجية من ثلاث حلقات (ما قبل الإنتاج – الإنتاج – ما بعد الإنتاج) بينما امتدادها الجغرافي يشمل الكرة الأرضية بكاملها.

هذه السلسلة موزعة الحلقات بشكل غير متكافئ، إذ تقوم الدول المصنّعة الأكثر تطوراً فى العالم بالتركيز على مرحلتي ما قبل الإنتاج وما بعد الإنتاج من السلسلة؛ يترك للبلاد النامية، باختلاف شرائحها أن تعمل على الحلقة الوسطى: أي الإنتاج. والإنتاج هنا سلعي وخدمي، أي تصنيع و«تخديم» Servicification. التصنيع بهذا المعنى يتحول إلى ما يقترب من مفهوم «التشطيب الصناعي» fabrication كعمل إنتاجي يتركز على الجانب العيني البحت، سواء كان كثيف الاستخدام لرأس المال العيني (الآلات والمعدات) أو كثيف الاستخدام للعمل المتوسط المهارة والمنخفض المهارة.

الاحتكارات عابرة الجنسيات تمارس تسلّطها من دون اعتداد بـ«وهم حرية التجارة»

وبينما تذهب الخدمات المتقدمة علمياً وتكنولوجياً إلى الدول المتقدمة، فإن الصناعة تذهب أجزاء متزايدة منها إلى الدول النامية والناهضة صناعياً، بدرجات مختلفة، لتظلّ في إطار ما يسمّى اقتصادات المصنع. ويتمّ الاستقطاب المزدوج داخل الإنتاج المدوّل، ممثلاً في سلسلة القيمة المضافة العالمية، ليس فقط بعدم التكافؤ بين الطرفيْن المتطرفيْن، من أقصى سلسلة إلى أقصاها، ولكن أيضاً بعدم التكافؤ داخل كل طرف منهما، إذ ينقسم العالم النامي (الثالث سابقاً) إلى عوالم ثلاثة أو أربعة، وتنقسم المجموعة المتقدمة إلى متقدمة وأكثر تقدماً. وذلك ــ بتعبير آخر ــ يعني التقابل بين التخصص النسبي للدول المتقدمة في إنتاج «اللاملموسات» ــ أي البنود ذات الطابع «الناعم» أو المعرفي ــ وبين تخصص البلاد النامية في إنتاج «الملموسات»، أي المصنوعات والمزروعات والمعادن والنفط.

الطابع الاحتكاري للأسواق
تعمل الدول النامية والناهضة في بيئة يغلب عليها طابع المنافسة. توزيع المراكز التصنيعية للبنود «الملموسة» على امتداد الكرة الأرضية في قارات آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، يقابله احتكار النهايات الطرفية «الناعمة» لدى أميركا الشمالية وبعض أوروبا واليابان، وإلى حد ما الصين.
يعمل المنتجون، المورّدون، في العالم النامي بالمعنى الواسع، عن طريق التوكيلات والتعاقد من الباطن، «وإسناد عمليات التشغيل إلى الغير» (التعهيد) بالاستفادة مما تتيحه «تكنولوجيا الإنتاج المرن»، والتصميم بمساعدة الحاسبات، والحوكمة بالإدارة اللامركزية، وتجزئة العمليات الإنتاجية، وذلك من أجل الدخول إلى الأسواق العالمية، على أساس المنافسة.


يلاحظ هنا أن سوق المنتجات المصنّعة (المفبركة) الخاصة بالبلاد النامية سوق للمشترين إلى حد كبير، ذات سمات تغلب عليها المنافسة، وأحياناً المنافسة شبه الذريّة، أي بين أطراف عديدين أو كُثُر، حيث عمليات الإنتاج غير المحمية بالقواعد القانونية للملكية الفكرية. 
هذا بينما سوق التكنولوجيا الرقمية المتقدمة التي تنتجها الدول المتقدمة تخضع للسمات الاحتكارية، حيث الحماية المشدّدة للملكية الفكرية مثلاً لدى منتجين قلائل. ومن الملاحظ أنه في بعض الأحيان، تسود لدى الدول المتقدمة الصيغة المسماة «الاحتكار المطلق»، وخاصة في مجال تملّك التكنولوجيا التي تتيح حصْد المكاسب لمالكيها، ليس كربح بالمفهوم الاقتصادي، ولكن كريع أو «شبه ريع» بالارتكاز على التملك والاختصاص الحصري لحقوق الملكية الفكرية. ولكن في غالب الأحيان، تأخذ السوق ذات الطبيعة الاحتكارية للمنتجات الرقمية، صورة «المنافسة الاحتكارية»، ولكن الأكثر شيوعاً في سوق التكنولوجيا الرقمية هو «احتكار القلة».

تقوم الدول المصنّعة الأكثر تطوراً بالتركيز على مرحلتي ما قبل الإنتاج وما بعد الإنتاج من السلسلة

ومن أجل إدارة أو حوكمة الاحتكارات للدول المتقدمة، تكون للشركة القائدة في كل قطاع إمكانية التحكم في مسار سلسلة القيمة المضافة إزاء المنتجين المتّسمين بالكثرة في البلاد النامية بالذات. وهذه الشركات القائدة شركات عملاقة تتحكم كلياً في السيطرة على «القدرات» في المجال الإنتاجي المعين، وتشيد الأسوار والحوائط الحمائية إلى أقصى حدّ من حولها، بما في ذلك احتكار براءات الاختراع، والتشدد في منح التراخيص بأسرار الصنّعة Know-how. وحينما تتماسك عدة شركات عملاقة للسيطرة على حيز إقليمي معين، فإنها تكون كلية القدرة تقريباً، بما يسمح بمنح موقع احتكاري للدولة التي تنتمي إليها هذه الشركات (وخاصة في أميركا وأوروبا)، والتي تنطلق منها لتعبر الجنسيات، ولا تقف دونها حدود جغرافية أو قيود اقتصادية وتشريعية في البلدان المضيفة لاستثماراتها المباشرة وغير المباشرة. 

وبينما الصيحة السائدة على الصعيد الدعائي للعالم الرأسمالي المتقدم هي التجارة الحرة التي تُفْرض على بقية العالم، فإن الاحتكارات عابرة الجنسيات تمارس تسلطها من دون اعتداد بـ«وهم حرية التجارة». ذلك هو العنوان الفرعي لتقرير «التجارة والتنمية» الصادر عن «الانكتاد» لعام 2018، والمعنون على النحو التالي: القوة والمنصات وهم حرية التجارة:
Power, Platforms And the Free Trade Delusion
هذا الطابع الكلّي للقدرة، لدى الشركات العملاقة، ودولها الشديدة القوة، يتأكد من خلال توزيع المنصات التكنولوجية – الرقمية في العالم اليوم، إذ يلاحظ أن أكبر منصّات الأسواق وأكثرها قوة، تقع مقارّها بصفة غالبة في الولايات المتحدة، وقليل منها في الصين. وقد نمت منصّات التجارة الإلكترونية بشكل مستمر، ويملك بعضها أعداداً مليونية من المستخدمين مثل علي بابا (400 مليون مستخدم في الصين فقط) – و أمازون (340 مليون مستخدم على امتداد العالم) و eBay (167 مليون مستخدم فى العالم). وبالمثل، فإن منصّات أسواق الخدمات مقامة بصفة أساسية في الولايات المتحدة أو شرق آسيا، وتتعامل بصفة رئيسية في مجال التمويل والإسكان والفندقة واللوجيستيات والنقل.
كذلك فإن سبع منصّات من إجمالي أكبر 11 منصّة للمدفوعات النقدية تنتمي إلى الولايات المتحدة، والبقية في الاتحاد الأوروبي، وأكبر أربع منصّات للأسواق وتمويل الاستثمارات، من بينها ثلاث منصّات من الولايات المتحدة وواحدة فقط في الصين. 

وتتضح هيمنة الولايات المتحدة أيضاً في مجال منصّات التواصل الاجتماعي والمضامين، حيث السبع الكبار منها كلها تأتي من هذا البلد. والاستثناء الوحيد هو الصين التي استطاعت أن توسع نطاق عمل مواقعها الخاصة بالتواصل الاجتماعي من خلال منع الشركات العالمية من الدخول إلى سوقها المحلية. وبالمثل فإن منصّات البحث «الإنترنتي» تسيطر عليها المنشآت الأميركية، ماعدا Baidu في الصين و Yandex في الاتحاد الروسي. ويصدق هذا أيضاً على أنظمة الموبايل حيث تسيطر عليها ثلاثة بشكل تام، جميعها من الولايات المتحدة: أندرويد Android وتستحوذ على 81,7% كنصيب سوقي، ثم ios بنصيب 17,9% ، واخيراً «ويندوز» 0,3% . أما المنصّات الرقمية الصناعية أو إنترنت الأشياء IOT فإنها تسيطر عليها ايضاً الشركات من الولايات المتحدة وأوروبا. وبذلك كله يتعزز واقع الاحتكار في أسواق التكنولوجيا الرقمية العالمية، بناءً على الانقسام غير المتكافئ في بنْية سلاسل القيمة المضافة العالمية، كما رأينا.


فما الحل؟ نرى أن الحلّ الأمثل يكمن في أن تقوم البلاد النامية بإحداث نوع من الاستقلالية النسبية عن سلاسل القيمة التي تديرها وتحتكرها الدول «المركزية» في النظام العالمي (الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في المحل الأول)، جنباً إلى جنب مع العمل على بناء سلاسل إقليمية للقيمة (من خلال التكامل العربي – كأولوية في الحالة المصرية مثلاً) بل وسلاسل محلية مترابطة أيضاً. ويبدأ بناء سلاسل القيمة الإقليمية ــ كما في الحالة العربية المتصوّرة ــ من خلال استحداث نوع من تقسيم العمل الإنتاجي و الإنمائي، وتوزيع الأدوار الإنتاجية والتجارية بين البلدان الداخلة في منطقة التكامل، لغرض خدمة عملية التحول الهيكلي والتنموي لدى المجموع الإقليمي، العربي مثلاً. ولكن هذه قصة أخرى تستحق أن تروى بقدر مناسب من التفصيل في مقامات أخرى.


صحيفة الأخبار اللبنانية

أضيف بتاريخ :2019/04/17

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد