آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمد عبد الشفيع عيسى
عن الكاتب :
أستاذ في معهد التخطيط القومي ــ القاهرة

بين العسكريين و«الليبراليين الجُدُد»: «الحلقة المفرغة» للسلطة السياسية في الدول العربية [2]

 

محمد عبد الشفيع عيسى

«نخبة السلطة» في البلدان العربية: «الليبراليون الجدد» في مواقع الحكم

تناولنا في مقالتنا السابقة ظاهرة «العسكريين» ودورهم النافذ في معادلات السلطة في البلاد العربية والإسلامية؛ ونناقش في هذا الجزء ظاهرة «أهل الحكم» - نخبة السلطة - من حيث الانتماء إلى ما يُسمى بتيار «الليبراليين الجدد» Neo liberals، على الصعيد العالمي خلال العقود الزمنية الأربعة الأخيرة، أو أبعد قليلاً.

تعملق اتجاه «الليبراليين الجدد» الذين لبسوا أشكالاً وأثواباً جديدة، بعضها قشيب مستحدث، وبعضها قديم، ابتداءً من «المحافظين الجدد»، من أضراب رونالد ريغان ومارغريت تاتشر في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا خلال الثمانينات ومطلع التسعينات، مروراً بتيار «المحافظين الجدد المجانين» Crazy Neo- conservatives أواخر التسعينات ومطلع الألفية، الذين مثلّهم جورج بوش الابن، انتهاءً باليمين الشعبوي الذي حمل دونالد ترامب إلى مقعد الرئاسة الأميركية.

في جميع هذه الحالات، ارتفعت راية «الليبرالية الجديدة» التي تمثّل المقابل لما يسمّى «الكينزية»، أي مذهب تدخّل الدولة، القاضي برفع مستوى التشغيل للقوى الإنتاجية وخاصة قوة العمل إلى ما يقرب من حالة التوظيف الكامل full employment. هذه الكينزية انتعشت في مواجهة أزمة «الكساد العالمي الكبير» التي أصابت النظام الرأسمالي المركزي الأوروبي الأميركي ومن ثم بقية العالم إلى حدّ بعيد (1929-1933)؛ واستمر المدّ الكينزي الذي حمله «أتباع كينز» حتى منتصف السبعينات، أي لأربعة عقود تقريباً.

فى ظلّ الكينزية ارتفعت رايات «دولة الرفاه» من حيث خفض مستوى ومعدل البطالة، ورفع مستويات الأجور ومن ثم مستوى المعيشة، ارتبط كلّ ذلك بنوع من الدور الوظيفي الإشرافي للدولة على قوى السوق العمياء، قوى العرض والطلب، وخاصة قوى العرض الممثّلة لقطاع الأعمال الكبير. في مواجهة ذلك جاءت إدارة ريغان في مطلع الثمانينات تحت راية «اقتصاديات العرض» بالذات: supply-side economics.

وهكذا، بعكس الكينزية، جاءت موجة «الليبرالية الجديدة» لتعيد إحياء أسوأ ما في الليبرالية بشكل عام، عبر إعادة الاعتبار الكامل لمبدأ تعظيم الربحية الخاصة وتمجيد القطاع الخاص، وبالتالي «خصخصة» ما قد يكون هناك من «قطاع عام»، بالإضافة إلى استخدام سلّة السياسات المالية والنقدية لتحجيم الإنفاق العام الاجتماعي الموجّه لصالح الفئات محدودة الدخل والفقيرة بالذات. وقد تمّ تحميل هذا الإنفاق الاجتماعي بالذات (على لسان جماعة «النقديين الجدد» بزعامة ميلتون فريدمان)، وليس الإنفاق العسكري والتسليحي - و«الإنفاق غير الضروري اجتماعياً» للطبقة البورجوازية وجهاز الدولة الممثّل لها- المسؤولية عن عجز الموازنات العامة، واللجوء «الاضطراري» إلى السلطات النقدية، من ثم، إلى التمويل التضخمي لسدّ فجوة العجز، وهو الكابح لمستويات الإنتاج، ما يولّد ظاهرة «التضخم الركودي» Stagflation حسب هذا الزعم.

وقد تم استخدام أدوات النظام المالي العالمي ومؤسساته النافذة، مؤسسات «بريتون وودز»، وهي منظومة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من أجل إضفاء «المشروطية» Conditionality الكاملة أو شبه الكاملة على التدفقات المالية الدولية الموجهة للبلدان ذات العسر المالي، المحتاجة إلى الاقتراض الأجنبي، ميسراً كان أو غير ميسر، وخاصة من خلال ربط القروض الميسرة بتنفيذ برامج معينة لما يسمّى بالإصلاحات الهيكلة، والتي تتحمّل أعباءها غالبية المجتمع في جميع الأحوال.
الليبرالية الجديدة، بوجوهها القبيحة السابقة في المجال الاقتصادي تتم ممارستها الفجة في غيبة الليبرالية السياسية والفكرية

في ظلّ الليبرالية الجديدة بوجهها القبيح ذاك، تفاقمت في البلاد النامية المدينة أو المعسرة، التباينات الطبقية، وحدث انحراف شديد في منحنيات توزيع الثروة والدخل الوطني لصالح الفئات ذات النصيب الأعلى من الدخل والثروة، وذات القدرة الأكبر – بما لا يقبل المقارنة – على الوصول إلى فرص الكسب ومراكمة العوائد الخاصة، ولو من باطن جهاز الدولة عبر عقود المقاولات والأشغال العامة وعقود «المناقصات والمزايدات» والمقاولات الفرعية، من باطن الجهاز المصرفي – من بنوك عامة أو خاصة – عبر القروض غير المضمونة بغطاء حقيقي، وكذا الممارسات غير الصحيحة في أسواق المال والبورصات. وتمّ كل ذلك في غياب قواعد الإدارة السليمة (وما يسمى بالحوكمة الرشيدة Good Governance) سواء على مستوى الحكومة أو مستوى شركات الأعمال وأسواق المال، ومن ثم غياب ممارسات المحاسبة والشفافية وقواعد الإفصاح المالي.

أدى ذلك في النهاية إلى إهدار المال العام، وارتفاع سقوف الاستدانة ممثلة في الدين العام المحلي، والدين العام الأجنبي، مقابل إفقار متزايد للغالبية الاجتماعية الساحقة (80% من السكان على الأقل).

يضاف إلى ذك فوضى ما يسمى بالتحرير Liberalization من خلال إطلاق قوى السوق باسم «الاقتصاد الحر» الذي لا يعدو كونه وهماً من الأوهام عبر التاريخ. ونضيف أيضاً الممارسة «شبه العمياء» لتحرير حركات رأس المال، من وإلى البلاد، دون ضوابط من أي نوع Capital controls، أو دون ضوابط حقيقية. ترتّب على ذلك نزح أو تدفق عكسيّ لرؤوس الأموال من البلاد النامية إلى الدول المتقدمة المستثمرة والمقرضة، بما في ذلك نقل الأرباح المغالى فيها المحققة للمشروعات الأجنبية إلى الخارج دون أن يعاد استثمارها ، ثم نقل «أصل رأس المال» بعد تصفية المشروعات.
لا ننسى، بعد ما سبق، ما ألمحنا إليه من تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي، الذي أوكلت إليه منذ أواسط الثمانينات، مهمة «الإشراف» على سير النظام المالي الدولي، وخاصة إزاء الدول النامية، من خلال «المشروطية» للقروض الممنوحة من أجل محاولة «تعويم» الاقتصادات الغارقة في بحر الديون. لم يتم ذلك فقط من حيث الدعوة إلى خفض سقف الإنفاق العام الاجتماعي، عبر تقليل مستوى الدعم السلعي والخدمي، وعدم ربط الأجور بالأسعار وفق جدولة معقولة indexation، ولكن أيضاً من حيث التوصية بخفض سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، لا سيما الدولار الأميركي، بفعل «التعويم الحر أو النظيف»، دون إدارة للتعويم أصلاً managed floating أو دون إدارة فعالة. ونتج عن التعويم وخفض العملات الوطنية المزيد من التضخم السعري، قياساً بمؤشر التضخم الأساسي عبر المستوى العام للأسعار أو من خلال «الرقم القياسي لأسعار المستهلك».

الملاحظ أن الليبرالية الجديدة، بوجوهها القبيحة السابقة، في المجال الاقتصادي، تتم ممارستها الفجة في غيبة الليبرالية السياسية والفكرية. ذلك أن السياسات الاقتصادية المناصرة للفئات ذات النصيب الأعلى من الثروة والدخل، والتي يرتبط دخلها وثراؤها بالمعاملات الخارجية إلى حدود متفاوتة، تتم في أحيان كثيرة ارتكازاً إلى «احتكار السلطة» والتضييق على حريات الرأي، والحريات المدنية المختلفة، ناهيك عن الحريات السياسية وخاصة حرية التنظيم، وحق الاقتراع «الشفّاف». وقد وجدنا أن الممارسات الاقتصادية لليبرالية الجديدة، بقيامها على قاعدة احتكار السلطة، ودعوتها إلى الفساد المعمم والإفقار المتزايد للجماهير، ونهب المال العام، وتدفق رأس المال عكسياً إلى الخارج، تؤدي في غياب الحريات العامة، إلى استفزاز قطاعات متزايدة من النخبة السياسية والثقافية، ودفعها باتجاه التركيز على الليبرالية السياسية والفكرية ولو في غياب محتواها الاجتماعي. ومن ثم ينتعش الاتجاه الليبرالي العام، الذي لا يفصح عن المضمون الاقتصادي – الاجتماعي، أو لعل بعضاً منه يحرص على ألا يفصح عن ذلك حتى لا ينفضّ عنه بعض مؤيديه، وينفرط عقده الوثيق. المفارقة هنا أن (الليبرالية تكون ضد الليبرالية)، بمعنى أن ليبرالية الساسة «المستقلين»، والمثقفين تقف قبالة ليبرالية رجال الدولة وقطاع الأعمال الخاص، أو «تحالف» مركب الدولة – رأس المال capital – state alliance.

خاتمة

بذلك نكون قد تناولنا الشكل التخطيطي العام لنماذج الممارسة السياسية في البلدان العربية خلال العشريات الأخيرة، فيما يمكن أن يمثل «مورفولوجيا» الظاهرة السياسية، ضمن ما أطلقنا عليه «مربع السلطة» المكون من «العسكريتاريا»، و«الإسلام السياسي» و«الليبراليين الجدد» في الأبنية الحاكمة، والزمرة الليبرالية بالمعنى السياسي والثقافي لتلك الشريحة الاجتماعية النافذة. وإذا أضفنا شريحة «اليسار والتيار الوطني – القومي – التقدمي» باعتبارها الشريحة الغائبة نسبياً من المعادلة في الوقت الحالي، لأمكننا إطلاق تعبير «التشكيل الخماسي» للممارسة السياسية. أما إذا أضفنا «الشعب» نفسه، خارج النخب المذكورة جميعاً، فإنه يمكن الحديث عن «المكعّب السداسي السياسي» كإطار تفسيري للتطور السياسي في بلداننا، والذي يبدو أنه قد دخل في مضمار «الدائرة المفرغة» حتى تتغير الظروف جذرياً بإحداث قطع غير قابل للرجوع في مسار الحركة بالاتجاه إلى الأمام، ولو عبر مسار لولبي - حلزوني - مستقبلي طويل. ولئن كنا قد فصّلنا نسبياً في معالجة كل من «العسكريتاريا» و«نخبة السلطة»، فإنه يتبقّى أمامنا كل من الإسلام السياسي والتيار الليبرالي العام، للمعالجة في وقت لاحق.

صحيفة الأخبار اللبنانية

أضيف بتاريخ :2019/06/27

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد