آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. جلال جراغي
عن الكاتب :
صحفي وباحث إيراني

​إيران لم تنتهك الاتفاق النووي ولن تلعب في ملعب ترامب

 
د. جلال جراغي
 
مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العدائية ضد إيران واتهام الأخيرة بخرق الاتفاق النووي الذي انسحب منها بشكل غيرقانوني ضاربا بهذه الخطوة قرار مجلس الأمن الدولي الرقم الـ 2231 عرض الحائط، تذكرنا بالمثل العربي المعروف “رمتني بدائها وانسلت”.
 
والمواقف الأمريكية الأخيرة المتمثلة في تصريحات الرئيس الأمريكي الشعبوية لاتندرج إلا في إطار خطابه السياسي الذي يستخدم فيه الديماغوجية لإثارة العواطف الجماهيرية ضد المجموعات والأحزاب السياسية المتنافسة جاهدا لكسب تأييد الناس ومخاطبا فيه عواطفهم ولا عقلهم، تشبه بحكاية سارق كان يتهم الآخرين بالسرقة بهدف توفير التغطية لعمله.
 
وفالحكومة التي قامت بالانسحاب من الاتفاق النووي في خطوة أحادية الجانب متجاهلة التزاماتها فيه والمبادئ الأخلاقية والسياسية ولاسيما قرار مجلس الأمن الدولي لاتهتم بشيء إلا مصالح كيان غاصب جعل الاعتداء على حقوق وأرض شعب مظلوم في صدر أولوياته أمام مرأي ومسمع العالم أجمع، ومن ثم جعلت (هذه الحكومة) مرتكزات مواقفها وخطوطها العريضة توجيه تهم جزافية وغير منطقية لدولة لطالما عملت ضمن التزاماتها التي قعطعتها في إطار خطة العمل الشامل المشتركة، على العالم وعلى الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق النووي بما فيها الولايات المتحدة نفسها.
 
 والعالم اليوم يقف أمام مشهد تعتبر السخرية المريرة والمفارقة السوداء من أبرز سماته وذلك أن هناك واقع أسود قائم على تناقضات سياسية وأخلاقية وإنسانية التي تدعو للضحك المبكي، تناقضات متمثلة في السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية المنطوية على الأنانية والغطرسة والهيمنة من جهة ومن جهة أخرى متمثلة في صمت مطبق مبني على الذلة والهوان المتجسدان في السياسة الخارجية لدول إقليمية وعالمية تشاهد هيمنة وغطرسة دولة تضرب كل الموازين والقوانين الدولية على عرض الحائط ولاتولى أدنى اهتمام بقرارات مجلس الأمن الدولي ومع هذا تلتزم الصمت المريب حيالها! أليس هذا مدعاة للضحك الهستيري المبكي؟!
 
وأما بالنسبة لإيران كما كان متوقعاً وقد ذكرت في مقال سابق تكرمت رأي اليوم بنشره بعنوان “يفترض أن تتجه إيران نحو اتخاذ قرارات أكثر صرامة أمام عنجهية الولايات المتحدة ورئيسها”، فقد قامت طهران باتخاذ موقف أكثر صلبا وأكثر حزما بالتمركز على المنطق والحكمة والعقلانية وبالاعتماد على سياسة النفس الطويل بعيدا عن اتخاذ قرارات قائمة على العاطفة أمام المواقف الأمريكية غير الحكمية والمحبطة. وانطلاقا من هذا، فقد أقدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على رفع مستوى تخصيب اليورانيوم في إطار الاتفاق النووي كبادرة تحذير للأوروبيين وتوجيه رسالة لهم مفادها أنه إذا لم يلتزموا بتعهداتهم في إطار الاتفاق النووي ولم يقوموا بعمل فعلا بعيدا عن المعالجات الكلامية ولم يقفوا أمام الغطرسة الأمريكية، فعليهم تحمل مسؤولية عواقب أي خطوات مستقبلية لإيران.
 
والرسالة الثانية التي قامت إيران بتوجيهها من خلال قيامها برفع مستوى تخصيب اليورانيوم كانت مبنية على أنها مصممة ومهتمة بالتسوية السياسية للمشكلة والحؤول دون تصعيد التوتر، ذلك أنه تقنياً، ليس هناك فارق بين 3.68 و 4 أو 5 في المائة من اليورانيوم المخصب وحتى كان بعض المراقبين يتوقعون إعلان إيران رفع تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة في خطوتها الثانية، غير أن إيران وبالاعتماد على المقاربة السياسية المبنية على ضبط النفس والصبر الاستراتيجي قامت بتوجية رسالة تحذير إلى الدول الأوروبية بأنها لاتتجه نحو تصنيع القنبلة النووية وإنما تقوم بتغصيب اليورانيوم لسد ما تحتاج إليه في المجالات العلمية والصناعية والطبية ولتفادي إغلاق مؤسساتها النووية الناشطة للأغراض السلمية.
 
كما أشار العديد من المحللين والمراقبين في سابق، فإن جميع تحركات الرئيس ترامب وقرارات أدارته في المرحلة الراهنة تتخذ بأهداف انتخابية، وإيران من خلال العلم بهذا الموضوع، لاتريد أن تؤدي دورا في ملعب ترامب وأن تعطيه كما أعطاه زعيم كوريا الشمالية،كيم جونغ اون، فرصة انتخابية وترويجية، ذلك أن إيران ترسم الخطوط العريضة لدبلوماسيتها حسب مصالحها الوطنية العليا وعلى أساس مقاربتها السياسية الموضوعية وليس على أساس المبادئ العاطفية والترويجية غير الحكمية.
 
والرئيس ترامب يبذل قصارى جهده لتحشيد الدول الأوروبية للعمل على حساب إيران من خلال ممارسة سياسة الضغوط القصوى، ما أدركت الأخيرة خفايا هذه السياسة ومن هذا المنطلق، فإن طهران لاتستعجل في اتخاذ قراراتها الدبلوماسية تجاه الغرب برمته، رغم أن بعض الدول الأوروبية تحاول مسايرة سياسات واشنطن تجاه طهران وخطوة قوات البحرية البريطانية في احتجاز ناقلة النفط الإيرانية في المياه الدولية في مضيق جبل الطارق تندرج في هذا الإطار وكذلك هناك بعض مواقف فرنسا تشير إلى مدى تبعية باريس لهيمنة واشنطن رغم أنها أرسلت موفدها الخاص إلى طهران للتشاور مع الأخيرة حول الخطوات المستقبلية لها.
 
وفي الختام تجدرة الإشارة إلى أنه ليس خافيا على أحد ما تقوم به أمريكا من سلوك وتصرفات لن تصب في مصلحة شعوب المنطقة والعالم بل ستسبب في جعل المنطقة تواجه توترات بغية تحقيق هدف واحد وهو حماية الكيان الصهيوني عبر تحريض الدول الإقليمية والعالمية ضد الجمهورية الإسلامية وتدمير البنى التحتية للدول الإسلامية في المنطقة إلا أن هذه السياسات لاتنطلي على الشعوب الإسلامية والعربية ومآلها الفشل.
 
صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2019/07/11

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد