آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
زياد منى
عن الكاتب :
مؤلف وكاتب بصحيفة الأخبار اللبنانية

خفايا صناعة اتحاد الإمارات العربية [1]

 

 زياد منى

ملخّص مؤلَّف «بريطانيا وصناعة دول الخليج: جمرات الإمبرطورية»

لعلّ إحدى أعقد المشاكل التي تواجه الباحث في تاريخ الاستعمار، اضطراره إلى الاعتماد على نحو شبه كامل على محفوظات أو أرشيفات الدول المستعمِرة، وهذا ينطبق على عمل الباحث الياباني شوهاي ساتو، وهو أستاذ تاريخ مساعد في جامعة واسيدا (Waseda University)، صاحب هذا المؤلَّف. لكنّ مدى المشكلة يزداد عندما يتبيّن أنّ كثيراً من الوثائق ذات العلاقة لا تزال تخضع للسرية، ما يعني عدم تشكُّل صورة كاملة عن أحداث تاريخية ذات علاقة، وعلى جانب كبير من الأهمية. الهدف من فرض السرية على وثائق محدَّدة، هو حفظ «هيبة» المستعمِر و«شرفِه» الوهمي، وكذلك حماية العملاء ونسلِهم من بعدهم، وثمّة دراسات موسّعة عن قيام المستعمِر البريطاني حتى بحرق آلاف الوثائق التي تدينه هو وعملاؤه، مع أنّها تُعدّ ملكاً للدولة المستعمَرَة.

بحث الكاتب في الموضوع، ضمن أُطُر نظرية مرتبطة بالاستقلال والاستعمار، وبالاستعمار غير الرسمي (informal colonialism)، ومغزاها محلياً وعالمياً، لكنّ النقطة التي تهمّنا، هنا، أنّ اتفاقيات لندن مع المشايخ منحتهم صفة شبه كيانية، لم يكونوا يملكونها أصلاً. أي أنّ احتلال بريطانيا المنطقة وإخضاع الشيوخ وأتباعهم، منحهم مكانة أعلى من الوضع التقليدي السابق ورفع مستواهم إلى «شبه دول»، بعدما كانوا زعامات قبلية ليس غير. ومع أنّ الكاتب يلاحظ أنّ لندن نادراً ما كانت تتدخّل في شؤون الشيوخ المحلية، إلّا أنّها كانت تتمتّع بمقدرة فائقة على استبدال الحكّام المحليين، سواءً بالتدخّل المباشر أو بطريق غير مباشر، وهذه إحدى النقاط التي تميّز الاستعمار غير الرسمي، الذي يمنح المستعمرات استقلالاً يبقيها خاضعة له على نحو كامل، وهذا ما ينطبق على مشيخات الخليج.

لماذا قررت بريطانيا الانسحاب من الخليج الفارسي
لاحظ الكاتب الياباني الذي قضى نحو ثماني سنوات يبحث في المحفوظات البريطانية ذات الصلة، أنّ قرار الانسحاب بحلول 1 نيسان/ أبريل 1971 اتخذه وزير الخزانة البريطاني روي جنكنز (roy jenkins) (Chancellor of the Exchequer, 30 November 1967 – 19 June 1970)، وليس وزير الدفاع أو الخارجية أو المستعمرات، بتاريخ 15 كانون الأول/ يناير 1967، بعدما خضعت بريطانيا لإملاءات صندوق النقد الدولي للحصول على قرض في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، وخفّضت قيمة الجنيه الإسترليني مقابل الدولار، ما يعني معاناتها أزمات اقتصادية جدية.
سبب الانسحاب، وفق الكاتب، أنّ وزير الخزانة البريطاني قرّر تخفيض ميزانية النفقات الاجتماعية بمقدار 606 مليون جنيه إسترليني، في أعقاب تخفيض قيمة العملة. وقتها، قرّرت الحكومة العمّالية تمرير مجموعة من السياسات غير الاجتماعية المثيرة للجدل، ما يعني أنّ سبب وجود حكومة حزب «العمّال» نفسه كان على المحك. ومن أجل إيهام الدوائر المعنيّة والبرلمان والجمهور بأنّ هذه التخفيضات كانت ضرورية، ظنّت وزارة الخزانة أنّ تخفيضات الدفاع ستُظهر أنّ الحكومة تبذل قصارى جهدها على الجبهات كافّة، مع أنّ الانسحاب من الخليج سوف لن يؤدي إلّا إلى توفيرٍ ضئيل في النفقات لا يزيد عن 12 مليون جنيه إسترليني. لكن هم الحكومة البريطانية الظاهر هنا، ليس ما هو عليه بالفعل.

مشايخ الخليج الفارسي وقرار منحهم الاستقلال
أثار القرار البريطاني الانسحاب من الخليج ردود فعل غير مرحّبة عالمياً، خصوصاً في واشنطن التي كانت تربط مساعداتها الاقتصادية لبريطانيا بمدى مساهمة الأخيرة في الجانب العسكري لتحالف الغرب الاستعماري. أمّا ردود فعل المشايخ على قرار بريطانيا منحهم الاستقلال، حتى صوَرياً، كان النحيب وشقّ القمصان والبكاء والعويل والاستجداء وإقامة مجالس العزاء وإعلان الحداد في مضاربهم... إلخ. فوفق الكاتب: «... توسّل المشايخ استمرار الدعم البريطاني بعد الانسحاب، بل إنّهم عرضوا دفع تكاليف بقاء القوات البريطانية في المنطقة. وثمّة تقرير عن المناقشة مع حاكم أبو ظبي، الشيخ زايد، ترمز إلى مستوى يأسه، ذلك أنّه عرض استعداده للمساهمة مالياً، سواء علانية أو سراً، وبأي طريقة يطلبها السيد في حكومة صاحبة الجلالة، في تكلفة بقاء الاحتلال البريطاني في الخليج الفارسي إلى أجلٍ غير مسمى. 
حاكم البحرين أصيب بصدمة عميقة عند سماعه القرار البريطاني، واقترح خطّة عملية للتنازل عن المدفوعات السنوية للبحرين مقابل استعمال المنشآت العسكرية البريطانية. أمّا حاكم قطر أحمد بن علي آل ثاني، فقد قال، وفق الوثائق التي أشار إليها الكاتب، إنّه سيكون من دواعي سروره وغبطته هو وبقية المشايخ، وخصوصاً زايد، تحمّل كلفة بقاء قوات الاحتلال البريطانية. كما عرض حاكم الكويت المساهمة المالية في إبقاء قوات الاحتلال البريطانية في الخليج. وقد استندت جهود المشايخ المعارِضة للانسحاب البريطاني إلى «صداقتهم الطويلة» و«المودّة العميقة» تجاه بريطانيا.

لم يعرض مشايخ الخليج دفع تكاليف بقاء قوات الاحتلال فقط لكنّهم توسَّلوا للحصول على الدعم البريطاني بعد الانسحاب

يعيد بعض الباحثين خشية الشيوخ من الانسحاب البريطاني والاستقلال إلى الخوف من التهديد الإيراني، لكنّ الكاتب قال إنّ الشاه أعلن صراحة وعلانية أنّه لم تكن لديه أي رغبة في جعل الخليج بحراً إيرانياً. (كما أنّ تسويغ الأمر بخوف المشايخ من السعودية ليس ثمّة ما يؤيّده، لأنّ الأخيرة لم تكن لتجرؤ على عبور الحدود الدولية من دون أمر من واشنطن ولندن، وأزمة واحة البريمي في مطلع الخمسينيات خير دليل عندما قامت الأخيرة بضمّها إلى الإمارات وطردت الإدارة السعودية منها. أما إرجاع الخشية من الانسحاب البريطاني العسكري إلى الخوف من الاتحاد السوفييتي، فليس ثمّة من مسوّغ له أيضاً لأنّ أحداً لم يأخذ على محمل الجد تهديد حاكم رأس الخيمة باللجوء إلى موسكو لدعم تطلّعه إلى إنشاء دولة خاصة به وعدم الانضمام إلى الاتحاد المقترح. وقد كشفت التقارير المنشورة قبل أيام أنّ حاكم السعودية طلب إذن واشنطن لاحتلال قطر، لكنّها لم تسمح له بذلك). باختصار شديد، مصدر خوف مشايخ الخليج كان، أولاً وأخيراً، من شعوبهم كما سنرى لاحقاً، وهو ما ألمح إليه الكاتب.
لم تكترث لندن لنداءات المشايخ، لأنّها كانت تحتقر تابعيها من طوال العمر الذين كانوا، جميعاً، يستجدون بقاء الاحتلال، وهو ما عبّر عنه وزير الدفاع البريطاني دنس هيلي (denis healey)، الذي قال عبر «هيئة الإذاعة البريطانية» بعد أسبوع من إعلان نيّة بلاده الانسحاب: «أنا لا أحبّ فكرة أن أكون نوعاً من الرقيق الأبيض للشيوخ البداة. في ظني يجب علينا أن نقرّر في ما يتعلق بالخليج ما هو في مصلحتنا البريطانية الخاصة على المدى الطويل، للقيام بما يتمشى مع التزاماتنا. وأعتقد أنّه سيكون خطأً كبيراً إذا سمحنا لأنفسنا بأن نكون مرتزقة للأشخاص الذين يرغبون في الحصول على بعض القوات البريطانية». 

الخوف من الفكر التحرّري الوطني ونمو الفكر القومي العربي
لم يعرض مشايخ الخليج الفارسي دفع تكاليف بقاء قوات الاحتلال البريطانية فقط، لكنّهم توسَّلوا توسُّل اليائس للحصول على الدعم البريطاني بعد الانسحاب. فقد كانوا، وفق الكاتب، قلقين للغاية من المعارضة المحتملة التي يمكن أن تتبع رحيل البريطانيين، والتي ستهدّد احتكارهم المواقع القيادية، وهو ما كان يعتمد اعتماداً كاملاً على الحماية البريطانية.
وهكذا، مع أنّ بريطانيا لم تنجرّ إلى حرب أهلية مثلما حدث في عُمان، إلّا أنّ عدم الاستقرار الاجتماعي في الدول المحمية كان آخذاً في الازدياد لدرجة أنّ بريطانيا فكّرت في وقت من الأوقات في إنشاء مركز استجواب جديد. ويشير الكاتب إلى تقارير تقول إن شرعية الوجود البريطاني والحكّام تتعرّض للتحدّي بأسلوب علني متزايد، وقد بدا للندن أنّ هدف المعارضة كان أولاً التخلّص من البريطانيين ثم من الشيوخ. وفي المقابل، كان يُنظر إلى بريطانيا والحكّام على أنهم متواطئون.
لقد أدرك الحكّام هذه الضغوط من مجتمعاتهم، واضطرّوا إلى «إبعاد» أنفسهم عن البريطانيين، من خلال اتخاذ مبادرتهم الخاصة نحو الاستقلال، دائماً وفق رأي الكاتب. على سبيل المثال، لم تكن لدى حاكم البحرين ثقة كبيرة في الاتحاد، لكن مستشاريه وشعبه الذين نظروا إلى الاتحاد باعتباره وسيلة للمشاركة الشعبية في الحكومة كانوا أكثر تفاؤلاً. لكنّ الضغوط الوطنية لم تكن كافية لحلّ الخصومات والشكوك المتبادلة بين الحكّام. وقد اتّهم البعض البحرين وأبو ظبي، بعدم اتخاذ خطوات فورية نحو ترتيب الجوانب العملية لتشكيل الاتحاد.
المندوب السامي البريطاني في الخليج الفارسي الذي عُرف بصفة «المقيم السياسي» البريطاني في دبي، والذي كان الحاكم الفعلي لتلك البلاد، لم يخفِ استياءه من التحوّلات في المجتمعات المحلّية، ويُنقل عنه القول: «أنا لا أقول من باب السخرية إنّ بعضاً من أفضل أصدقائي فلسطينيون، لكنّني أكره أن أرى الشمال العربي مع تعصّبه والمحسوبية والجشع، يغزو الولايات المتصالحة. حتى قمصانهم البيضاء وطريقة نطقهم الهمزة يسيئون إلى عيني وأذنَي بعد قضائي عامين في الخليج بين الجلباب الطويل والكاف الحنجرية العميقة... بعض (المهاجرين) يجلبون المواهب المطلوبة هنا... لكن البعض الآخر مادّة طبيعية للجبهة الوطنية الديموقراطية لتحرير عُمان والخليج العربي ومنظّماتها الشقيقة. في الواقع قد يكون هؤلاء عملاءهم». 
إلى جانب الأنشطة العسكرية للجبهة الوطنية في شمالي عمان، كانت هناك أيضاً انتفاضة عسكرية في محافظة ظفار. استهدفت الثورتان سلطنة مسقط وعمان المدعومتين بريطانياً، لكنّ العنف امتد إلى ما وراء السلطنة، وانتقل إلى أجزاء مختلفة من شبه الجزيرة العربية. ففي البحرين، تمّ إحراق تسع سيارات في آذار/ مارس عام 1968 وخمس سيارات في نيسان/ أبريل.

وفي رأس الخيمة، كان الحاكم منخرطاً في نزاع طويل الأمد مع بعض مجموعات من قبائل شيهوح وزعب وخواتير، وكانت الكشافة العمانية المتصالحة، وهي قوة عسكرية محلية تحت القيادة البريطانية، تراقب الوضع عن كثب لمنع اندلاع الاضطرابات. وفي 17 تموز/ يوليو 1970، كانت هناك محاولة اغتيال حاكم الشارقة عندما انفجرت قنبلة تحت كرسيه... في أقل من أسبوع، ألقت قوات الأمن التابعة للولايات المتصالحة القبض على 12 من المشتبه بكونهم أعضاء في الجبهة الوطنية (ستة منهم في أبو ظبي). لذلك، كان من الواضح أنّ هناك منظمات تعمل منهجياً للإطاحة بالحكومات القائمة. 
قد يبدو للقارئ أنّ عدد المعارضين للشيوخ ولبريطانيا المتّهمين المشار إليهم آنفاً بشكل مقتضب، قليل، لكنّ عدد سكّان المشيخات التسع كان محدوداً للغاية، على النحو الآتي: البحرين 180000، قطر 60000، أبو ظبي 30000، دبي وبقية المشيخات مجتمعة 80000 نسمة.
كان من الواضح للحاكم البريطاني وعملائه المحليين من شيوخ، أنّ جزءاً كبيراً من السكان قد تأثر بالقومية العربية، ولم يكن سعيداً تماماً ببريطانيا أو الحكّام الحاليين. «التخريب العربي»، وفق تعبير لندن والمشايخ، بدأ في الظهور في شكل منشورات واجتماعات سرية ورسائل تهديد مجهولة المصدر ومخابئ للأسلحة وحزمة يومية من تقارير فروع المخابرات الخاصّة التي تدعو لتشاؤم لندن والمشايخ، وذلك بحسب التقارير الرسمية التي أشار الكاتب إليها. 
لم تُحدث أزمة السويس، في عام 1956، تغييراً فورياً في السياسة البريطانية تجاه المنطقة، لكنّ تأثير الفكر القومي العربي كان محسوساً على نطاق واسع. ففي دبي، جاء كثير من معلّمي المدارس من مصر والعراق وفلسطين وسوريا ولبنان واليمن، وأثّر هؤلاء المعلّمون المغتربون إلى حدّ كبير في ظهور المشاعر القومية العربية في الخليج في الخمسينيات. ففي صيف عام 1958، أُطلق النار على طبيب باكستاني يعمل في الوكالة البريطانية في دبي، وفي العام نفسه سُرق العلم البريطاني من الوكالة وأُلقي في خور دبي. في عام 1960، كتب الوكيل السياسي في دبي، في رسالة شخصية إلى والديه بشأن جولة في المنطقة، عن شخص يصرخ حول القضية العربية في ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، مشيراً إلى أنّه وَجَدَ أنّه من المحبط أنّ القومية العربية كانت تؤثّر في الشباب المحلّيين.
كما بذلت جامعة الدول العربية سلسلة من المحاولات لإقامة وجود في المحميّات، فكان أحد ردود الفعل على ذلك مبادرة المقيم السياسي لإنشاء مجلس الولايات المتصالحة عام 1952. وفي عام 1956، أنشأ المجلس قوة شرطة وقوة عسكرية اسمها «كشافة عُمان المتصالح». كذلك، كانت بريطانيا قلقة للغاية من تراجع نفوذها، وتراقب أيّ دليل على أنّ خرّيجي المشيخات الشباب في جامعة بغداد الذين استعان بهم بعض المشايخ مستشارين، لم يكونوا قد «تلوّثوا» بالسياسات البعثية.
لذلك، نرى أنّ لندن بادرت إلى دعوة مجلس الولايات المتصالحة الذي شكّلته عام 1952 والذي يجمع مشايخ المحميّات، إلى الجلسة الثالثة والثلاثين في صيف 10 تموز/ يوليو عام 1971، بهدف تهدئة الإحباط المحلّي ومحاولة منع انتشار الأفكار القومية العربية في المنطقة، تحت ستار هدف مُعلن هو تعزيز التنمية الاقتصادية.
ويلاحظ الكاتب أنّ راديو موسكو احتفل، في آذار/ مارس 1968، بتظاهرات الطلّاب في البحرين التي اندلعت عام 1965، وتبع ذلك اتصال السوفييت بالشيخ عيسى عبر بغداد مرّتين على الأقل، طالبين الإذن لمجموعة من 12 رجلاً بزيارة البحرين. الشيخ البحريني كان «مرعوباً حتى الموت» من الطلب لدرجة أنّه لم يقرّ حتى بتسلّمه.
علاقة الشيوخ ببريطانيا أضعفت شرعيّتهم داخل مجتمعاتهم، ما عنى عدم المقدرة على حماية المستعمر لهم. فعلى سبيل المثال، حدث انقلاب في الشارقة بتاريخ 24 حزيران/ يونيو 1965، حيث سارع البريطانيون للترحيب بالانقلاب العسكري المفاجئ فور تولّي خالد بن محمد القاسمي محلّ الحاكم القديم الشيخ صقر بن سلطان الذي غادر الشارقة. موقف لندن الرسمي من الانقلاب كان الادعاء بأنّ عائلة الشيخ صقر هي التي أزاحته بسبب إهماله لمواطنيه وسوء إدارة الدولة والإسراف وطريقة حياته المريعة. وقد أرسل تقرير غلين بلفور ـــــ باول (Glen Balfour-Paul) المقيم السياسي في دبي إلى وزارة الخارجية وجهة نظر مفادها أنّ «أفراد الأسرة الحاكمة في الشارقة تصرّفوا لصالح الشعب، وقرّروا أنّ الشيخ صقر بن سلطان القاسمي أظهر بسلوكه الفاضح وإهماله لرفاه شعبه، أنّه لم يعد يستحق أن يكون حاكماً. مع ذلك، فإنّ إلقاء نظرة فاحصة على الخلفية يعطي قراءة مختلفة. فقبل شهر من حدوث الانقلاب، قام سيد نوفل، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، بزيارة الخليج لمناقشة خطط تقديم المساعدات وفتح مكاتب جديدة في المنطقة.

سيد نوفل لم ينجح فقط في إقناع حكّام عجمان ورأس الخيمة وأم القيوين والشارقة والفجيرة، بكتابة رسائل تؤكّد أنّهم سيرحّبون بالمساعدة، بل حصل أيضاً على تأكيدات مطابِقة من حكّام الشارقة ورأس الخيمة بأنّهم على استعداد للترحيب بمكاتب جامعة الدول العربية على أراضيهم. تمّ النظر إلى دبلوماسية نوفل القوية، على أنّها تسلُّل للقومية العربية من قبل حكّام الدول الأكبر حجماً في الدول المحمية، وهي أبو ظبي ودبي والبحرين، وأخذت بريطانيا الأمر على أنّه تحدٍّ لوجودها، حيث صرّح جورج طمسون (george thomson) وزير الدولة في وزارة الخارجية، الذي كان يزور الخليج في ذلك الوقت، بأنّ الجامعة العربية تشكّل «تهديداً خطيراً لوضعنا». 
طوال العمر، لم يتمكّنوا من رفض الرسائل المتأثّرة بالقومية العربية أو قبولها علنياً، وهو ما رسم علاقتهم بجامعة الدول العربية. ويتذكّر المقيم السياسي البريطاني أنطوني بارسنز (Antony Parsons) «حادثة هزلية»، حدثت عندما قام سيد نوفل الأمين العام المساعد للجامعة بزيارة مفاجئة إلى البحرين في آذار/ مارس 1968. فقد تصادف، وقتها، هبوط طائرة تقلّ حاكم البحرين الشيخ عيسى وبطانته. وعندما رأى الأخير سيد نوفل، انقلب على كعبه وانسحب على عجل ما أثار دهشة الحاضرين. فقد أدرك هذا الشيخ أنّ ظهوره مع مجموعة كبيرة من بطانته إلى جانب الأمين العام المساعد، قد يشكّل إما حفلاً ترحيبياً به، أو تأويل ذلك على أنه تظاهرة لصالح جامعة الدول العربية.

رأي لندن في طوال العمر
في الوقت الذي لا تتوافر فيه أيّ وثيقة بريطانية تعكس أي احترام لأولئك المشايخ أو تذكرهم على نحو إيجابي، ثمّة وثائق تحوي آراء مندوبيها الحقيقية فيها. ففي ما يلي مقتطفات من تقرير داخلي صادر عن المندوب السامي البريطاني في دبي، يصف شخصيات بعض الحكّام: حاكم الفجيرة يبدو «شخصاً أحمق وجباناً وكاذباً بالسليقة، يتجوّل بكل وقار فوق أكوام النفايات المبعثرة خارج القصر الذي كان يبنيه على شاطئ المحيط الهندي، بينما كانت الحوامة تقف ثابتة في الهواء». 
حاكم أم القيوين كان «رجلاً دمّره الحزن، وكان في شبابه يستطيع كسر عملة معدنية بأصابع إحدى يديه فقط، لم يكن يفارقه التهذيب حتى بعدما اضطرِرتُ إلى إعاقة عملياته النفطية وسلبه مليون دولار».
أما حاكم عجمان، فكان «يتمتّع بفضائل، وأيضاً بنذالة بالية عفا عليها الزمن، فقد حط مثل بدوي في قصره المضحك الذي يشبه قالب حلوى حفلات الزفاف، ووقف ليتلقّى، بكل غرور وبنظرات داعرة، مظاهر الاحترام التي كانت تبديها له السيدات، وذلك في أول مأدبة عشاء مختلطة تُقام في تلك المشيخة». 
وعلى نحو مماثل، كان حاكم الشارقة «يدعم اقتصاده الهزيل الأجوف بابتسامة باهتة وبأمل ضئيل بالنفط فقط ولا بأي شيء آخر».
وذات يوم، وصف مستشارٌ سياسيٌ بريطانيٌ في دبي الشيخ صقر، بأنّه «شخص غامض ذو عينين جاحظتين حولاوين، يتفادى الإجابة على السؤال بطرح سؤال آخر أو يحاول العد حتى الرقم 11 على أصابع سكرتيره الفلسطيني الثخينة، ليخبرني بعدد أفراد الحاشية التي سترافقه إلى مسقط».
أما الشيخ زايد حاكم أبو ظبي، فقد وصفه دبلوماسي بريطاني ذات مرة بأنّه «الأمير التاجر مع موهبة سعيدة لاختيار الخيول الصحيحة، والتخلّص من الأعمال التجارية بخفّة مع موجة من دخان الغليون الصغير في يده وعود ثقاب مشتعل في جهة أخرى، وقراءة أفكاري مقدّماً ونبح قراراته الفورية».

صحيفة الأخبار اللبنانية

أضيف بتاريخ :2020/08/19

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد