آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
أحمد عدنان
عن الكاتب :
كاتب سعودي

من الوهابية إلى سلمان رشدي

 

تأسيس مركز للدفاع عن الوهابية يحول لحظات الاستثناء، التي يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، إلى قاعدة دينية ثابتة، ومنذ نشأة الدعوة وهي تلقى انتقادات جذرية من مؤسسات السنة وعلماء السنة قبل غيرهم.

خبران تناقلتهما وسائل الإعلام خلال الأسابيع الماضية، الأول هو قيام وزارة الخارجية السعودية باستدعاء السفير التشيكي “على خلفية قيام دار نشر باسيكا بترجمة رواية (آيات شيطانية) التي ألفها سلمان رشدي، وعبرت له عن استنكار المملكة واستهجانها لترجمة هذا الكتاب ونشره، لما يحمله من إساءات ضد الإسلام والمسلمين”. أما الخبر الثاني فهو تأسيس مركز عن الفكر الوهابي، أو للدفاع عن الوهابية، وفق نص صحيفة الرياض بوست، في منطقة الدرعية، بكلفة تقارب 200 مليون دولار.

كان بالنسبة لي خبر استدعاء السفير التشيكي غريبا جدا، فالراوية صادرة باللغة الإنكليزية وكاتبها مقيم في لندن، وروايتها مترجمة إلى كل لغات الأرض تقريبا، ولا أدري لماذا تجاهلت وزارة الخارجية ذلك كله مستريحة لفرد عضلاتها على التشيك.

لم تتح لي فرصة قراءة الرواية حتى أصدر حكما عليها، وكان ملفتا بيان الأزهر الذي وثقه محمد حسنين هيكل في كتابه (عام من الأزمات). فحين أصدر الخميني فتواه بإهدار دم سلمان رشدي عام 1989 رد عليه الأزهر معترضا ومفندا، وربما منتصرا لحق سلمان رشدي في التعبير عن رأيه بشكل غير مباشر، أما المنصف المرزوقي الذي ترأس الدولة التونسية بفضل تحالفه مع الإسلامويين، فقد كان موقفه صريحا ومباشرا إبان أزمة الرواية قبل عقود عبر مقالته “قضية سلمان رشدي باسم الله” المنشورة في صحيفة (لوموند) والتي أيد من خلالها “حق سلمان رشدي في كتابة ما كتبه”، معتبرا ذلك أمرا عاديا “يندرج ضمن حرية التعبير”، واستنكر ردود أفعال العالم الإسلامي والخميني تجاه رشدي معتبراً أن “كراهية سلمان رشدي لا تمثل الإسلام”، ومن خلال هذه اللوحة التاريخية يتكون الواقع الساخر، فالمملكة أيدت فتوى الخميني على فتوى الأزهر، والمرزوقي يبارك الرواية التي يلعنها أصحابه.

على صعيد آخر، فإن تأسيس مركز للدفاع عن الوهابية طريف جدا، فمن حيث المبلغ المعلن عنه، أرى أن تسخيره للتنمية المحلية أو دعم حلفاء الخارج أولى في ظل مرحلة تقشفية يعرفها القاصي والداني، وأعتقد أن الإصرار على الاستثمار في الوهابية إهدار للحم الحي كما يقولون، فليس هناك عاقل أو منصف يستطيع إنكار ارتباط أو تعاطف فكر الإرهاب والتطرف حاضرا بآراء ابن تيمية أو محمد بن عبدالوهاب، والتعالي فوق هذه الحقيقة مضيعة للوقت، والتعذر بأن المتطرفين، كلهم وبقضهم وبقضيضهم، لم يفهموا الشيخين يعني أحد أمرين، أن هناك مشكلة جوهرية في فكر الشيخين تجعل استخدامه وفق منطق الإرهاب والتطرف سائغا وسهلا ومتاحا، أو أن فكر الشيخين جذر طبيعي للتطرف، أما الاعتقاد بأن كل الناس حمقى ونحن وحدنا الذين نملك أسباب الفهم والاستيعاب فتلك هي المهزلة.

إيران وعملاؤها، وعلى رأسهم ما يسمى بحزب الله، أعلنوا أكثر من مرة تقديم الخطر الوهابي على العدو الإسرائيلي، وربما يفهم البعض بأني أناصر هذا الرأي، وليس هذا صحيحا أو مقصودا، فما أراه أن الوهابية ليست إلا مسببا تاريخيا لقيام الدولة السعودية. فالشيخ محمد بن عبدالوهاب لا يعتبر من ذوي المكانة المعتبرة بين علماء المسلمين وفقهائهم ومنظريهم، وتكفي مطالعة مؤلفاته من أي ملمّ لإدراك ذلك، وإذا نظرنا لحركته التي تحالفت مع جد الأسرة الملكية السعودية كثورة سياسية فلن تكون هناك مشكلة، لكن إذا نظرنا إلى تلك الحركة من منظور ديني فهناك ألف مشكلة ومشكلة، فممارسات الدعوة التي وثقها المؤرخون الأوائل كابن غنام وابن بشر مقبولة في إطار الحرب والسياسة، هكذا تنشأ الثورات والدول وربما الأمم أيضا، لكننا إذا حولنا لحظة التأسيس بملابساتها ومسبباتها ووسائلها من وظيفتها التاريخية إلى متن ديني فنحن في مأزق كبير، ولعل أول من أدرك ذلك هو مؤسس السعودية الحديثة الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه الذي رفع شعار استعادة ملك الآباء والأجداد لا تطبيق الوهابية، والمعنى التطبيقي لذلك هو القراءة السياسية التاريخية لتحالف المحمديْن (محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود)، وقد تصادم المؤسس مع الذين وجدوا الدعوة قانونا دينيا في معركة السبلة وانتصر عليهم.

غير هدر المال العام، فإن تأسيس مركز للدفاع عن الوهابية يحول لحظات الاستثناء، التي يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، إلى قاعدة دينية ثابتة، ومنذ نشأة الدعوة وهي تلقى انتقادات جذرية من مؤسسات السنة وعلماء السنة قبل غيرهم، ولو أحصينا المؤلفات السنية التي ترد على الدعوة وتفندها لاحتجنا إلى مجلدات، مع التأكيد بأن تلك الانتقادات لم تأت من فراغ، بل لتباينات صارمة بين منهج السنة ومنطلقات السلفية، ويأتي التسييس والمفاصلة على رأس تلك المآخذ، وهذه الجفوة السنية ضد السلفية لن تعالجها المراكز ولن تطوها الأموال، ولا حل لها إلا باعتبار السلفية طائفة جديدة في الإسلام بجوار السنة والشيعة وغيرهما، فيتوقف خوف السنة من المطامع السلفية، ويرتاح السلفيون من نبذ السنة.

لقد أصبحت المملكة المرجع السياسي للسنة بفضل انسلاخها العملي عن الدعوة، فلو كانت المؤسسة السياسية وهابية بالمعنى الحرفي لما قامت الدولة أو استمرت، بحكم أن الوهابية/الثورة نقيض الدولة كأي ثورة أخرى، والأهم من ذلك أنه لا يستوي مبدأ المواطنة مع التفضيل المذهبي، بل إن نقاط الضعف التي تشوب المواطنة السعودية مرتبطة حصرا بزاوية ذلك التفضيل.

الإيرانيون يتهموننا بأننا آباء الإرهاب بحكم ارتباط الجماعات المتطرفة بابن تيمية وابن عبدالوهاب، والرد على هذه الفرية ضعيف من قبل أصدقائنا، بل لقد انجروا إلى الملعب الإيراني بالاعتراف بأن الدعوة حركة دينية لكن لا أحد يفهمها بالشكل الصحيح، وكأن نصوص تاريخ الدولة أو تراث ابن عبدالوهاب مكتوبة بلغة الشيفرة أو أنها نصوص بلا معنى أو قابلة لأي معنى، والرد الصحيح يكمن في أن الدعوة حركة سياسية تاريخية وليست حركة دينية، وبهذا المنطق تتمايز السعودية الرسمية عن التطرف فكريا وجذريا، ويكفي فوق ذلك أن نلفت نظر الإيرانيين وعملائهم إلى أن الإرهابيين الذين يتبنون فكر ابن تيمية وابن عبدالوهاب عدوهم الأول هو النظام السياسي السعودي، ودلالات ذلك لا تخفى على فطن.

هناك رابط خفي بين خبر سلمان رشدي وخبر محمد بن عبدالوهاب، فرواية (آيات شيطانية) من مرتكزاتها قصة الغرانيق الواردة في التراث الإسلامي، ومفادها أن النبي قرأ بمكة سورة “النجم” فلما بلغ قوله “أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى” ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد النبي ومن معه من المسلمين، وسجد معهم المشركون، فكان هذا سبب نزول قول الله تعالى “وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته”، وهذه القصة ضعف الحفاظ سندها ومتنها وقالوا إنها لا تصح شرعاً ولا عقلا بهذه الكيفية، بل قال ابن خزيمة إنها من وضع الزنادقة. وقال ابن العربي إنها باطلة لا أصل لها. وقد ردها القاضي عياض واستدل على بطلانها بأن ذلك لو وقع لارتد كثير من المسلمين، وأن الشيطان لا سبيل له ولا سلطان على عباد الله المخلصين، وأحرى على النبي المعصوم من الزيادة والنقص في الوحي، ورغم كل ذلك فإن هذه القصة أثبتها واعتمدها محمد بن عبدالوهاب كسلمان رشدي في كتابه “مختصر سيرة الرسول”، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

أحمد عدنان

لصالح صحيفة العرب

أضيف بتاريخ :2015/11/07

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد