قصة وحدث

قصة وحدث: #الشقاقي شهيد بحجم #فلسطين

 

عبد العظيم محمد ..

يناير العام 1995، حركة الجهاد الإسلامي نفذت عملية  نوعية في "بيت ليد" ضد الكيان الصهيوني، تقضي فيها الحركة على 22 جنديا صهيونيا بالإضافة لجرح 108 آخرين، السلطات الإسرائيلية تستنفر قواتها وأجهزتها الأمنية لمعرفة ملابسات العملية ومن يقف خلفها، ما هي إلا ساعات وتعلن حركة الجهاد الإسلامي والتي كان أمينها آنذاك الدكتور فتحي الشقاقي وهو المؤسس لها مسؤوليتها عن العملية، مما استدعى غضبا وحنقا من قبل رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إسحاق رابين الذي أصدر أمرا بتصفية الدكتور الشقاقي.

 

من هو فتحي الشقاقي

أن تكون مجاهد لا يعني أن تحمل السلاح بوجه العدو فحسب، فثمة أبواب الجهاد مشرعة لمن كان قلبه واعياً مبصراً مناضلاً .. هكذا كان الدكتور فتحي إبراهيم عبد العزيز محمد أوحيدة الشقاقي ابن عائلة الشقاقي المعروفة في ترهونة من قبيلة مرغنة، من مواليد مخيم الشاطئ بمدينة غزة 4-1-1951م حيث هجرت الأسرة إلى غزة عام 1948، ونشأ في عائلة ذات وضع اقتصادي متدني .. متدينة تلتزم الدين والشعائر الإسلامية، فقد كان والده الابن الوحيد لإمام القرية، وقد عانى الشهيد الدكتور اليتم بوفاة أمه وهو في الخامسة عشرة من عمره.

درس في جامعة بير زيت بالضفة وتخرج من دائرة الرياضيات، ليلتحق لسلك التدريس بالقدس بعد تخرجه من الجامعة في المدرسة النظامية ثم مدرسة الأيتام لكن رغبته الشديدة في دراسة الطب حثته على الدراسة الثانية من جديد والالتحاق بكلية الطب بجامعة الزقازيق 1974 ليعمل بعدها طبيبا عاما بمستشفى فيكتوريا بالقدس وبعد ذلك عمل طبيبا للأطفال في قطاع غزة.

 تأثر الدكتور الشقاقي بفكر الإخوان المسلمين أثناء تواجده في مصر حتى اختلافه مع النهج الذي انتهجته الجماعة، ومع انطلاق الثورة الإسلامية في إيران  وجد الشقاقي فيها ماكان يلائم توجهاته وطموحاته..  تأثر بأفكار ونهج  الثورة  الإسلامية، وكان أبرز الفلسطينيين الذين دعوا إلى تبنيها كنموذج وقد ألف كتاباً أسماه " الخميني.. الحل الإسلامي والبديل "، الأمر الذي أدى لاعتقاله من قبل السلطات المصرية في عام ١٩٧٩.

 في أواخر سبعينيات أسس حركة الجهاد الإسلامي وقاد كفاحا مريرا ضد الاحتلال، اعتقل في فلسطين أكثر مـن مرة عام 1983 و 1986 ثم أبعد في أغسطس 1988 إلى لبنان بعد اندلاع الانتفاضة في فلسطين واتهامه بدورٍ رئيس فيها.

 

"الموساد" يخطط لاغتيال الشقاقي

اجتمع جهاز الموساد الصهيوني لوضع الخطط التي سيتبعها لاغتيال الشقاقي بعد أن اطلاع الموساد الكثيف على كيفية سفر الدكتور ومعرفته لتواجد الدكتور  في دمشق وذلك إثر نجاحه في التغلغل عبر وحدة تسمى “الوحدة 8200” أو "خلية قيسارية" إلى أحد فروع الاستخبارات العسكرية السورية ويدعى “فرع فلسطين” عبر أساليب تكنولوجية متطورة.

وكان رابين قد رفض مقترحا من الموساد بتصفية الشقاقي في دمشق لأن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أوري ساغي، حذّر من مغبة هذه العملية، معتبراً أنَّ عملية كهذه ستؤدي إلى غضب سوري كبير، فقبل رابين توصيات ساغي، وأمر الموساد بتجهيز خطةٍ بديلة لاغتيال الشقاقي في مكان غير دمشق، بل أنه رفض السماح في إشراك المقر الأوروبي للموساد الموجود في بروكسل في العملية، ووجد الموساد صعوبة في هذا الشأن إلا أنه عمل كما يريد رابين.

كان الشقاقي على علم بأنَّه ملاحَق، لذا لم يخرج كثيراً من دمشق وكان محتاطا في خروجه من مسكنه، ولم يسافر الشقاقي سوى إلى إيران عن طريق رحلات جوية مباشرة، ومع هذه الصعوبة، وفي بداية شهر أكتوبر من عام 1995، تلقى الشقاقي دعوةً إلى المشاركة في ندوة "تجمع رؤساء تنظيمات المقاومة الفلسطينية" في ليبيا، حينها طالب المختصين في الموساد بالاستعداد، وضع «الموساد» خطتين بديلتين وسعى إلى تطبيقها حيث كان مسار سفر الشقاقي إلى ليبيا كان معروفاً للموساد من خلال رحلاته السابقة، أي عن طريق مالطا.

وفي الخطة الأولى تم تقديم اقتراح بخطف الشقاقي خلال رحلته الذي تمرعن طريق مالطا، لكن إسحاق رابين عارض هذه الخطة خوفاً من ردود الفعل السياسية التي يمكن أن تتبع أو تنتج عن هذه العملية. فيما كانت الخطة الثانية تستهدف اغتياله في مالطا نفسها، وهي الخطة التي أثارت إعجاب رابين حيث وافق عليها على الفور.

 

استعداد لتنفيذ الجريمة

سافر قتلة "الموساد" إلى مالطا وانتظروا الشقاقي في المطار، لم يخرج الشقاقي في الرحلة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة. بدأ رجال "الموساد" يفقدون الأمل بهبوط الشقاقي في مالطا، لكنهم سمعوا صوت أحد رجال "الموساد" في أجهزة الاتصال يقول: "لحظة، لحظة، هناك شخص يجلس جانباً ووحيداً"، اقترب رجل "الموساد" من هناك، وقال مرة أخرى في الجهاز: "على ما يبدو هذا هو، وضع على رأسه شعراً مستعاراً للتمويه"، انتظر الشقاقي ساعة في مالطا، ومن بعدها سافر إلى ليبيا، من دون معرفته أنه مراقب، ليلتقي الشقاقي في الندوة التي أقيمت في ليبيا بأبي موسى وطلال ناجي.

 

شهادة برصاص الغدر الصهيوني

عند الساعة العاشرة صباحاً من يوم الخميس 26 أكتوبر 1995م وصل الدكتور فتحي الشقاقي في سفينة ليبية إلى مالطا باعتبارها محطة اضطرارية للسفر إلى دمشق، في ظل الحصار الجوي المفروض على ليبيا، وحال وصوله توجه إلى فندق "دبلومات" في مدينة سليما على مقربة من العاصمة لافاليتا وحجز غرفة في ذلك الفندق عند الساعة 10.20 دقيقة وكان يحمل جواز سفر ليبياً باسم مستعار هو إبراهيم الشاويش وكان "الموساد" يعلم أنَّ الشقاقي بذلك ولم يجد صعوبة في تحديد مكانه في مالطا بناءً على اسمه في جواز السفر، واستأجر الدكتور الغرفة رقم 616 لليلة واحدة، عند الساعة 11.00 صباحاً غادر الدكتور الشقاقي الفندق متوجهاً إلى مكتب للطيران حيث قطع تذكرة للسفر إلى دمشق في اليوم التالي وفي غضون ذلك، كانت شبكة من الموساد تتربص بالقائد الشهيد، لتختار الفرصة المناسبة لتنفيذ جريمة الاغتيال.

وعند الساعة الواحدة وعشرين دقيقة، وبينما كان الدكتور الشقاقي عائداً وعلى مقربة من فندق "دبلومات" في جادة "تاور"، اقترب منه أحد عناصر الموساد الصهيوني، وحين أصبح بجانبه شهر مسدسه وأطلق عدة رصاصات من مسافة قريبة جداً فاخترقت طلقتان جانب الأيسر من رأسه ولم يكتف القاتل بذلك وتابع إطلاق ثلاث رصاصات على مؤخرة رأس القائد المجاهد الدكتور فتحي الشقاقي بعد أن سقط شهيداً مضرجاً بدمه الزكي.

 

الاحتلال يعترف بالجريمة

حتى وقت متأخر من مساء يوم الخميس، لم يكن نبأ استشهاد الدكتور الشقاقي قد تأكّد بعد، إلاّ أن إذاعة الكيان الصهيوني نقلت حينذاك عن مصدر مسؤول عسكري صهيوني كبير تأكيده أن إبراهيم الشاويش الذي تم اغتياله في مالطا هو حسب معلومات الاستخبارات الصهيونية، ليس سوى الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، مشيراً إلى أن الشقاقي على لائحة المستهدفين من قبل الموساد، كما صدرت عن الكيان الصهيوني وقادته إشارات مختلفة تؤكد قيام الموساد باقتراف جريمة الاغتيال الجبانة.

ويوم السبت (28/10/1995) كشفت مختلف وسائل الإعلام العربية والعالمية عن الهوية الحقيقية لحامل جواز السفر الليبي الذي اغتيل في مدينة “سليما” المالطية وأنه “فتحي الشقاقي” مؤسس حركة الجهاد الإسلامي وأمينها العام. وأنه كان في طريقه عائداً من ليبيا إلى دمشق عبر مالطا بعد أن أجرى محادثات مع القذافي، في محاولة لإقناعه بالرجوع عن قراره بطرد الفلسطينيين من ليبيا. ونقلت وكالة “رويترز” عن مصادر في حركة الجهاد بغزّة (مسقط رأس الشقاقي) بأن المخابرات الإسرائيلية (الموساد) وبمساعدة المخابرات المركزية الأمريكية، هي التي نفذت عملية اغتيال أمينها العام.

 

الشقاقي نحو الخلود بإحساس شاعر ومقاوم فنان

كان الشهيد الشقاقي وسيبقى ليس مجرد مجاهد فحسب، أو مجرد سياسي وكفى، بل إنه، فوق ذلك كله، مفكر وشاعر وكاتب وأديب كل ذلك اجتمع في إنسان بحجم فلسطين.. ومن قصائده الخالدة قصيدة "الاستشهاد.. حكاية من باب العامود " المنشورة بالعدد الأول من مجلة المختار الإسلامي في يوليو 1979م .. نعم ستبقى دماءه الزاكية  حية في نفوس الأحرار عامة وفي نفوس الفلسطينيين خاصة.. مع استمرار نهج المقاومة ضد المحتل الإسرائيلي، سيبقى كواحد من الملايين الذين حملوا واستفادوا من فكر الإمام الخميني في مواجهة الاستكبار والنهوض بالأمة الإسلامية والجهاد في سبيل تحرير القدس من براثن الصهاينة المحتلين.

أضيف بتاريخ :2016/10/28

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد