آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
قاسم حسين
عن الكاتب :
كاتب بحريني

متى يغيّر الرئيس الفرنسي سياسته؟

 

قاسم حسين

إذا كانت تفجيرات «شارل ايبدو» مطلع العام 2015، أسهمت في استعادة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند جزءاً كبيراً من شعبيته المتراجعة وتعزيز سياساته الخارجية، فإن من المؤكد أن تفجيرات باريس الأخيرة ستدفعه إلى تغيير هذه السياسات باتجاه أكثر عملية ومسئولية وعقلانية.

فرنسا التي كانت تتميّز باستقلالها عن السياسات الأميركية، لعقود طويلة، تحوّلت إلى تبنّي مواقف يمينية تزايد فيها على المواقف الأميركية، في عهد الرئيس السابق ساركوزي، وخلفه الاشتراكي أولاند. وهكذا تميّزت مواقفه بالتطرف والتشدّد، ووضع العصا في عجلة أية حلول لمشاكل المنطقة وملفاتها المعقدة، من أجل ضمان الحصول على صفقات أسلحة.

في الموضوع الليبي، كان ساركوزي من أقرب الزعماء الأوروبيين لمعمّر القذافي، الذي دعمه بالملايين في حملته الانتخابية، ولكنه كان أولّ من تخلّى عنه، وكان في مقدمة المشاركين في الحملة العسكرية التي أطاحت به. وسبق ذلك تخلّيه عن صديقه الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، الذي فرّ بطائرته ليلاً، وحاول الاتصال به لترتيب منحه اللجوء في فرنسا، إلا أنه لم يردّ على اتصاله، وأغلق الأجواء الفرنسية أمام طائرته.

الغربيون ليس لهم صديقٌ أو حليفٌ غير المصالح والصفقات، وهو ما يفسّر مواقف أولاند المتشدّدة في مختلف قضايا المنطقة. ومع ذلك فإن تفجيرات باريس الأخيرة وفداحة خسائرها، ستضطره لتغيير موقفه مكرَهاً. وقد اعترف بأن هذه الجريمة تمت بـ «تخطيط خارجي، وبتعاون داخلي». ومع أنه كان من أكبر الداعمين للتنظيمات المسلحة التي كانت تقاتل النظام السوري، إلا أن «داعش» خاطب أنصاره وخلاياه الكثيرة في فرنسا، بأن من لا يستطيع الهجرة للقتال في سورية، فلينفّذ عمليات انتقامية داخل فرنسا نفسها! وهي دليلٌ جديدٌ على ما آلت إليه السياسات الغربية البائسة من نتائج، بسبب دعمها الأعمى لهذه التنظيمات التكفيرية، حيث ينقلب السحر على الساحر كل مرة، فلا هم يتوبون ولا هم يستيقظون!

كثيرٌ من المحللين حاولوا الإجابة على سؤال: لماذا اختار «داعش» فرنسا لتوجيه ضربته؟ وكل ما قدّموه أسباب غير مقنعة، لأن المنطق يفرض أن تكون فرنسا آخر من يفكّر «داعش» في ضربه، على الأقل احتراماً لمواقف رئيسها المتشددة ضد النظام السوري، وإصراره حتى الأخير على إسقاطه، ودعوته إلى عدم تقديم أية تنازلات له حتى قبل لقاء فيينا الأخير. ولكنّ هذه التنظيمات ذات التركيبة الفكرية العدوانية الشاملة، عوّدت الجميع على سلسلةٍ من الانقلابات على داعميها من الدول في العالم والإقليم. وهو ما يؤكّد افتقارها لأيّ مشروع سياسي قابل للحياة والبقاء.

مع إطلاق موجة المهاجرين السوريين باتجاه الغرب قبل شهرين، أعلنت «داعش» أنها أرسلت 3000 من عناصرها ضمن هذه الألوف المؤلفة، وكان ذلك تهديداً مبطَّناً لمستقبِلِيهم في القارة الأوروبية، لم ينصتوا له. اليوم من المؤكد أنهم سيعيدون التفكير في طريقة تعاطيهم مع اللاجئين، بصورة مختلفة، حيث سيخضع هؤلاء اللاجئون، وبعضهم كانوا مقاتلين، لإجراءات مشددة، تقوم على الشك والارتياب. وقد كان لافتاً المعلومات الأولية التي بدأوا بتسريبها، مثل وجود جواز سفر سوري بجوار أحد الانتحاريين، وكشف خلايا في بلدان أخرى مثل بلجيكا، مرتبطة بمنفّذي هذه الهجمات الدموية. إلا أن أكثر ما يثير الرعب لدى الفرنسيين هو محاولة تخيّل عدد تلك الخلايا في الداخل الفرنسي، مع وجود خمسة ملايين مسلم، خرج من بينهم أكبر مجموعةٍ للقتال في سورية، تحت سمع وبصر السلطات الفرنسية، وعاد بعضهم مؤخراً مزوَّداً بأبشع فنون القتل وأساليب القتال.

أولاند الذي كان «منغمساً» إلى ذقنه في دعم هذه التنظيمات المسلحة في سورية، هو من أكثر من سيعاني من «الانغماسيين» من أنصار «داعش» في فرنسا.


صحيفة الوسط البحرينية

أضيف بتاريخ :2015/11/17

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد