بنر العيد

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
إسماعيل القاسمي الحسني
عن الكاتب :
كاتب جزائري

لا وساطة جزائرية بين أنظمة الخليج ولا عبث بالدخول في مستنقعها


إسماعيل القاسمي الحسني

لست ناطقا باسم الحكومة و لا الشعب الجزائريين طبعا، و إنما مجرد مواطن جزائري كان له حظ متواضع في متابعة مواقف الدولة الجزائرية حيال الأشقاء عموما منذ عام 1967 و إلى غاية بداية الهزيع العربي 2011، ما يشكل قاعدة يمكن الاطمئنان لها جزئيا، في قراءة موقف الجزائر من مستجدات الأزمات المصنعة في المشرق العربي.

نعم، الدولة الجزائرية تعتبر دون شك و لا منازع أكبر و أقوى دولة عربية، و لها تاريخ ناصع بنجاحات كثيرة في حل عديد من الأزمات الخطيرة التي كادت أن تكون سببا رئيسيا في نشوب حروب بين دول بعينها، و نعم كذلك عرفت الدبلوماسية الجزائرية بخبرة تراكمية عالية على مستوى صنّاع القرار الدوليين، ما أكسبها سمعة محترمة، و ثقلا مؤثرا و وازنا متى رمى الخصوم بأحمالهم على أعتابها. هذه القيمة الخاصة بالجزائر و التي لا ينكرها إلا مكابر أو جاهل، حاولت جاهدة الأنظمة العربية إعدامها منذ عام 1979 تحديدا، ليس فقط على مستوى القيادات السياسية العربية، و رفضها باستخفاف موثّق لخيارات الجزائر و رؤيتها لمواجهة الأزمات في الشرق الأوسط، حينها كانت الحرب على إيران من جهة، و التعاطف المبطن مع قرار أنور السادات بالوقوع في مستنقع كامب ديفيد من جهة أخرى؛ مرورا بكارثة احتلال الكويت و عرضها لحل الأزمة عام 1991، و انتهاء بمعارضة الجزائر في الكارثة التي أراد بعض العرب و على رأسهم الأنظمة في الخليج إحلالها بليبيا ثم سوريا ثم اليمن؛ و إنما كذلك على مستوى النخب نلمس ذلكم التجاهل المتبلّد.

على مر هذه الأزمات كلها كانت أنظمة دول الخليج في شق، مستقوية من الناحية العددية بمن يدور في فلك أموالها، و الجزائر في شق آخر مختلف تماما، بل يعدم أرضية مشتركة لمجرد الحوار.

الآن تروّج بعض وسائل الإعلام لإمكانية تدخل الجزائر كوسيط في الأزمة المصنعة “ترانمبيا” بين السعودية و البحرين و الإمارات و مصر من ناحية و بين قطر من ناحية مقابلة، و شخصيا أستبعد ذلك إلى حد الجزم بأن الدولة الجزائرية لن تقحم اسمها في ذلكم المستنقع المتعفن بالأحقاد القبلية و الارتهان المطلق لقوى أجنبية.

بداية، الجزائر كدولة و عبر مؤسساتها ذات الصلة، على علم بأدق تفاصيل ما يستدل به الإخوة الأعداء اليوم، ليس من لحظة وقوعه و إنما أثناء ترتيبه و تشكيله، هذه الملفات المتخمة بالأدلة على تورّط كل “المتنازعين” في دعم الإرهاب و التخطيط للإطاحة بأنظمة و تمزيق دول عربية، موجودة لدى صانع القرار الجزائري منذ سنوات، و يعلم أنها مركبة من جزأين، أولهما نعرات و مواقف غرائزية لا تمت بصلة لشأن دولة و شعب، و ثانيا و هو الأهم هنا، أن هذه النعرات و النزوات و الأحقاد، تخضع بشكل مطلق في حركتها و انفعالاتها للإرادة و القرار الأجنبيين.

لا يحتاج القارئ إلى ذكاء استثنائي ليعرف سبب الانفجار المفاجئ لهذا البركان الهائل بحمم الاتهامات الخطيرة و التي تعود بعض أحداثها لسنوات خلت، و لا يقبل عقل مهما تواضع مستواه المعرفي و العلمي بأن يرى هذا الانفجار قد وقع بمجرد الصدفة لزيارة دونالد ترامب “المباركة” للرياض؛ و المتابع يقف على تصريح الأخير بعد عودته لواشنطن، و الذي أكد فيه بأن قادة الأنظمة الخليجية اشتكوا له من دور قطر، ما يعني طلب رفع الحماية الأمريكية عنها، و إعطاءهم الضوء الأخضر لترجمة الأحقاد و الغرائز على الأرض و في جميع وسائل الإعلام و التواصل؛ و هو ما حصل بالفعل؛ و الكوميديا في هذا المشهد البائس هي أن الرئيس الأمريكي يُسيّرُ حروب القبائل هذه بالتغريدات عبر التويتر، تارة يغرّد لهذه القبيلة و تارة للأخرى في تناقض صارخ، و كل طرف من الإخوة الأعداء يبني حركته الغرائزية على التغريدة التي تناسبه؛ حرب الزغاريد و التغريد هذه لا هي حرب دول و لا حتى هي حرب رجال رجال، إنها أقرب للعب الأطفال بالمفرقعات، يستهدف كل منهم كومة قش لدى خصمه، و أي شعب على الأرض ليس فيه كومة قش قابلة للاشتعال !!!

الحرب على العراق 1991 كانت بدافع غرائزي صرف صادف مصلحة أمريكية، و الحرب على ليبيا و سوريا و اليمن جميعها كذلك بذات طبيعة الدوافع البدائية الفردية، تقاطعت بشكل واضح مع مصالح المحور الأمريكو-صهيوني.

هذه القراءة تكاد تكون قناعة راسخة لدى صانع القرار الجزائري، ما يعني أنه على بينة من أن الدبلوماسية لن تنفع شيئا مع العقل الغرائزي البدائي، ثم فضلا عن ذلك فرأس الحبل في العواصم الغربية و ليس في عواصم الخليج، و لا أدل على ذلك من تسابق وزراء خارجية الأنظمة الخليجية ليس نحو ما يسمى جامعة الدول العربية و لا لما يسمى منظمة مؤتمر العالم الإسلامي، و لا نحو العواصم العربية المركزية؛ و لعل القارئ لاحظ كيف تجاوز أمير الكويت القاهرة، مع أنها محسوبة كطرف في الأزمة، كان يفترض من الناحية الشكلية أنها ذات الوزن الأثقل، لكن يفصح العقل القبلي على حقيقة المدارك و طبيعة المعارك، و هذا لا يعف السلطة المصرية من مسؤولية وضع مصر موضع الزائدة الدودية في الجهاز الهضمي للجزيرة العربية.

إذن لا زيارة عادل جبير للجزائر إن حدثت، و لا زيارة محمد بن عبد الرحمن التي تمت تشي باحتمال تدخل الجزائر كوسيط في المستنقع القبلي الخليجي فيما علمت؛ و أكاد أجزم بأن صانع القرار الجزائري لن يورّط الجزائر و مكانتها و هيبتها، التي طالما أنكرها هؤلاء كبرا و مكابرة، في موضوع يعلم جيدا أن أزراره جميعها في واشنطن حصرا و ليس في مكان آخر.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2017/06/19

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد